الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تحتفل الكنيسة الكاثوليكيّة اليوم، والرهبان والراهبات الدومنيكان بعيد القدّيس دومنيك مؤسس رهبنة الدومنيكان. ومن أجمل المفارقات أنّ الرجل الذي صار صوته حاضرًا في تاريخ الكنيسة لم يترك لنا رسمًا مؤكّدًا لوجهه. وصلتنا شهادات عن حياته وصلاته ووعظه وعطفه، وبعض الملامح التي حفظتها ذاكرة من أحبّوه، أمّا صورته فغابت. وكأنّ دومنيك ترك لنا ما هو أثمن من الوجه: أثره في النفوس، وطريقته في الحياة، وذلك الشغف الهادئ بالحقيقة.

في شبابه، حدثت مجاعة، فباع كتبه ليساعد الجياع. قد تبدو العبارة هيّنة اليوم، لأنّنا نعيش في زمن الكتب المطبوعة. أمّا في القرن الثالث عشر، فالكتاب كان كنزًا حقيقيًّا: مخطوطًا يُنسَخ باليد، ويكلّف مالًا وجهدًا ووقتًا، ولا يملكه إلّا القليلون. أن يبيع دومنيك كتبه يعني أنّه تنازل عن ثروة طالب وعالم، عن أدوات دراسته ومستقبله، لكي يتحوّل العلم في يده إلى خبزٍ في يد جائع. يظهر هنا سرّ دومنيك؛ فقد أحبّ الدراسة بعمق، لكنّه لم يجعلها برجًا عاليًا يعزله عن البشر. وجعل من الوعظ رسالة عمره، لكنّ كلمته خرجت من حياة فقيرة ومصلّية. لذلك صار الوعظ عنده حياةً تقنع بالعمل قبل أن تشرح. كان دومنيك رجل الرحمة بامتياز، وباحثًا عن الحقيقة.

كان دومنيك رجل صلاة وعمل معًا. يحمل الناس في كرازته، ويحملهم في صمته أمام الله. يمشي في الطرقات، يناقش، يعلّم، يؤسّس، ثم يعود إلى الليل، إلى الدموع، إلى الصلاة من أجل العالم. وربّما لهذا بقي أثره حيًّا: لأنّ الكلمة التي تولد من الصلاة تترك في القلب أثرًا أعمق من الكلام العابر.

في زمننا، حيث صارت المعرفة كثيرة والحكمة نادرة، وحيث يعلو الصوت سريعًا وتضيق القلوب أسرع، يذكّرنا دومنيك بأنّ الحقيقة تحتاج إلى قداسة، وأنّ الدراسة تحتاج إلى رحمة، وأنّ الواعظ الحقيقيّ يبدأ أوّلًا بأن يسمح للكلمة أن تغيّره هو. لم يترك لنا دومنيك وجهه، لكنّه ترك لنا ملامح روحه: عقلًا يبحث عن الحقيقة، وقلبًا يرحم.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ