فتحية الدخاخني
اعتذر المطعم، وفصل الموظف، وتحقق الانتصار فى «غزوة سيزلر»، وضجت مواقع التواصل الاجتماعى بالآراء المؤيدة والمعارضة تجاوبا مع الترند، الذى بدا وكأنه الوحيد على الساحة، فلا توجد أمور أخرى تشغل هذا المجتمع أكثر من مكان الصلاة!.
منشور صغير على مواقع التواصل الاجتماعى بشأن منع سيدة من الصلاة بأحد المطاعم، جاب الأرجاء، وكان كفيلا بأن يفتح نقاشا لا ينتهى ويثير جدلا محتدما ينتقل من المنصات إلى الإعلام المؤسسى الذى اعتاد ملاحقة الترند دون محاولة لتدقيق أو توجيه. الكل يدلى بدلوه فى النقاش ويهاجم المطعم الذى بدا وكأنه يهدد الإسلام والمسلمين، ليخرج المطعم عن صمته معتذرا ومعلنا عن فصل الموظف الطرف فى الواقعة.
منافسة محتدمة على من يظهر أن أكثر تدينا من الآخر.. وحالة من الاستحقاق باسم الدين تواجه أى محاولات للشرح أو التفسير المنطقى، فلا مجال للنقاش عندما ترفع «سوط الدين»، ولن يقبل أن تقول أن هناك أماكن مخصصة فى المراكز التجارية للصلاة، ولا أن تتساءل لماذا لم تذهب تلك السيدة إلى واحد منها لأداء الفريضة إذا كانت حريصة على أدائها فى وقتها، ولماذا الإصرار على الصلاة فى الأماكن العامة، فلا يمكن فى «شعب متدين بطبعه» حتى وإن بدى تدينه مظهريا.
الترند الذى أثاره منشور جدلى لم ينته بمجرد اعتذار المطعم، على العكس جاء بيان الاعتذار ليفتح نقاشا جديدا بشأن حالة الاستحقاق لدى المدافعين عن السيدة ورغبتها فى الصلاة، واعتبار ما حدث انتصاراً سيجبر المطاعم والأماكن العامة على تخصيص مصليات، تزامنا مع انتقادات لفكرة صلاة المرأة أمام الرجال وفى الأماكن العامة، وحالة من الغضب لقطع رزق موظف كان ينفذ القواعد وكل ما فعله أنه وجه السيدة إلى الأماكن المخصصة للصلاة. وطبعا لا يخلو الجدل من توزيع الاتهامات والإشادات فى آن واحد، فكل متعصب لرأيه، ولا مجال لحسم معركة يرفع أحد أطرافها شعار «نصرة الدين».
ومن بين ما أثاره النقاش بشأن تلك الواقعة سؤال عن القواعد والقوانين، فمن الطبيعى أن تكون هناك قواعد تحدد أسلوب التعامل فى كل مكان، وهى قواعد يضعها أصحاب المكان وعلى من يختار دخوله الالتزام بها أو اختيار مكان آخر تتماشى قواعده مع معتقداته.. لكن للأسف تكشف الواقعة عن درجة من استعداء القواعد والقوانين ورغبة دفينة فى فرض قواعدنا الشخصية على الآخرين، بشر كانوا أو أماكن أو حتى دول، دون أى اعتبار لمشاعر هذا الآخر ومدى الضرر الذى ستجلبه قواعدنا.
حالة من الاستعلاء والاستحقاق باسم الدين تجعل قواعد أصحابها فوق الجميع وفوق قوانين الدول والمؤسسات، فهم «أهل الصواب»، والباقى مخطئون. يستغلون اسم الله لفرض قواعدهم ورؤيتهم ومن يعارضهم فهو «عدو الله»، متناسين أن الدين هو علاقة بين العبد وربه فلا داعى لتظاهر زائف بالتدين.
نقلا عن المصري اليوم





