بقلم الأب يسطس الأورشليمى
تيمُوثاوس، كلمة يُونانية تعني تقي الله، قد آمن على يدي بُولس في رحلته التبشرية الأولى في لسترة من كُورة ليكاُؤنية عام 46م..
كان والده يُونانياً لا يُعرف اسمه، وقام بتربيته أمه أفنيكي وجدته لوئيس وهما يهُوديتان تقيتان، علمتاه الكتب المُقدسة (2تي5:1؛ 15:3)، لكنهما لم يختناه، إنما ختنه الرسُول حتى لا يغضب عليه اليهُود..
 
في رحلته التبشيرية الثانية رأى فيه الإيمان والغيرة الرُوحية، فاتخذه رفيقاً له في أسفاره، وصحبه إلى غلاطية ثم تراوس وفيلبي وإلى تسالونيكي وبقى في بيريه مع سيلا حين اعتزم بُولس مُغادرتها فجأة، ثم عاد فلحق بالرسُول في مكدُونية وكُورنثُوس، راجع (أع14:17؛ 22:19)..
 
ارتبط اسم تيمُوثاوس مع بُولس في مقدمات الرسائل، وفي السلام الختامي في الرسالة إلى رُومية، وأشار إلى مساهمة تيمُوثاوس في خدمة الإنجيل معه في كورنثُوس، وإرساله إلى فيلبي عند كتابة الرسالة..
 
راجع (رو21:16؛ 2كو1؛ 2تس1؛ في19:2؛ عب23:13)..
 
من هذا كُله يظهر مدى ارتباط بُولس بتلميذه تيمُوثاوس وثقته فيه، لذا كثيراً ما يدعُوه: ابني، الابن الصريح، الابن الحبيب الأمين وقد كُتبت الرسالة عام 64م بعدما أطلق سراح الرسُول من سجنه الأول وأرسل إليه ليوضح له التزاماته الرعُوية في أفسس، ويحدثه عن بعض التنظيمات الكنسية الخاصة بالعبادة العامة، وعن سمات الرعاة وواجباتهُم وجهادهُم ضد الهرطقات، والعلاقات الرعُوية التي تربط الراعي بكُل فئات الشعب.. 
 
راجع الكتاب (1كو17:4؛ 1تي18:1؛ 2تي2:1).. 
 
كان بُولس من ذلك الطراز الذي يتميز باستقلال الشخصية، والاعتداد برأيه الخاص فلا ينقاد للآخرين، ومن عمق إيمانه بديانته اليهُودية، كانت المسيحية عنده بمثابة بدعة أو هرطقة وثُورة هدامة ضد النامُوس ومُوسى وأنبياء الله القديسين، لذلك كان قلبه ممتلئاً يقيناً أنه يجب عليه أن يقاومها بقدر ما في قلبه من إخلاص وإيمان بديانة مُوسى..
 
رأى الله فيه إخلاصه للحقّ، وأنه كان يضطهد المسيحيين لا عن خبث وشرّ، بل عن نية خالصة وصدق للدين الإلهي الحقيقي، لذلك تركه الله حراً إلى أن يتبين خطأه بنفسه، وكان يراقبه من السماء ويرى فيه الإناء المُختار ليحمل اسمه أمام الأمم والملُوك (أع14:9-16)..
 
لقد أتى بُولس إلى المسيح أخيراً بعد مقاومة شديدة منه، وكان وهُو يضطهد المسيحية في يد الله امتحاناً قاسياً لإيمان المسيحيين، وجاء في سفر الأعمال: وحدث في ذلك اليوم اضطهادٌ عظيمٌ على الكنيسة التي في أورشليم، فتشتت الجميع في كُور اليهُودية والسامرة، ما عدا الرُسل... وأما الذين تشتتُوا جالوا مُبشرين بالكلمة، راجع الكتاب (أع1:8-4)..
 
هكذا الاضطهاد كان امتحاناً للمسيحيين، كمثل العاصفة العاتية تهز الشجرة، فتسقط منها الأوراق الصفراء الذابلة، لتعطي مجالاً للبراعم الخضراء النابتة الجميلة، أما الشجرة فالعاصفة تُؤدي إلى تعميق جذُورها في التربة، ثم إن الاضطهاد ذاته امتحان لطبيعة الديانة.. 
 
فإن كانت إلهية ثبتت، وإن كانت شيطانية زالت، فما من الله يثبت وما من الشيطان يزول لذلك لا يخشى الرُوحانيون على المسيحية من اضطهاد المضطهدين، إذ قالوا: إن دماء الشهداء بذار الإيمان..
 
لقد ترك الله شاول حراً يصنع ما يشاء دُون أن يقهره على شيء أو يعاقبه، لكنه بعد أن رآه وقد شبع تقتيلاً في المسيحيين، وأشبع هواه الديني حتى هدأت نفسه، وصل إلى نهاية الشُوط وصغرت نفسه أمام نفسه، وشعر أنه فقد إنسانيته بعد أن قتل من غير سبب، وسفك في ثورة غضبه دماء بريئة لأناس لم يخطئوا إليه، بل اختلفُوا معه في الرأي والعقيدة..
 
في هذا الوقت كانت حالة شاول النفسية تسمح له بأن يقبل في اتضاع صُوت الله يوبخه ويعاتبه، وبينما هُو في الطريق إلى دمشق ليتابع سلسلة اضطهاده وتعذيبه للمسيحيين أبرق حُوله بغتة نُور من السماء يفُوق لمعان الشمس، فسقط على الأرض هُو والذين معه وسمع صُوتاً يقول له: شاول شاول: لماذا تضطهدني؟! أنا يسُوع الناصري الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن ترفس مناخز المهماز، فاستجاب شاول لصُوت المسيح وهُو يعاتبه، وأجاب على الفُور: مَن أنت يا سيدي؟!
 
ثم قال: ماذا تريد يارّب أن أعمل؟! مظهراً بذلك استعداده التام لتنفيذ ما يصدره المسيح إليه من أمر، بعد أن تبين له عظمته الإلهية..
لقد عبّر عن ذلك بقوله للملك أغريباس، فمن ثَم أيها الملك لم أكن معانداً للرُؤية السماوية، وإذ قال له الرّب: فانهض وقم على قدميك، فإني لهذا ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت وبما سأظهر لك فيه..
 
قم وأذهب إلى دمشق وأدخل المدينة، وهناك يقال لك جميع ما ترتب لك أن تعمله، فنهض شاول عن الأرض وكان وهُو مفتُوح العينين لا يبصر شيئاً، فاقتادوه بيده وأدخلوه إلى دمشق، ولبث ثلاثة أيام لا يُبصر ولا يأكُل ولا يشرب، وظهر الرّب في رُؤيا لحنانيا الرسُول وأمره: 
 
قُم واذهب إلى الزقاق الذي يُقال له المستقيم، واطلب في بيت يهوذا رجلاً طرسوسياً اسمه شاول، لأنه الآن يُصلي، فمضى حنانيا بعد حديثه مع الرّب ودخل البيت، ووضع عليه يديه وقال: 
 
أيها الأخ شاول، قد أرسلني الرّب يسُوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئت فيه لكي تُبصر وتمتليء من الرُوح القُدس، فللوقت وقع من عينيه شيء كأنه قُشورٌ، فأبصر في الحال، ونظر إليه وقال: إن إله آبائنا قد انتخبك لتعرف مشيئته وتعاين البار، فإنك ستكُون شاهداً له لدى جميع الناس بما رأيت وسمعت، والآن لماذا تتوانى؟ هلّم فاعتمد واغسل خطاياك داعيا باسم الرّب، فقام واعتمد وتناول طعاماً فتقوّى، وللوقت أخذ يكرز في المجامع بالمسيح أنه هو ابن الله، فدهش كُل الذين سمعوه، أما شاول فكان يزداد قوة ويُحير المُقيمين في دمشق محققاً أن يسُوع هُو المسيح.. 

راجع (أع17:9-22؛ 10:22-16؛ 16:26-19)..  
المغزى الكبير من قصة اهتداء شاول إلى الإيمان المسيحي:
أولاً: يمكن أن يصنع الإنسان بالآخرين شرُوراً، ويكُون مع الشيطان وهُو لا يدري ويظن أنه بذلك يعمل عمل الله ويدافع عن الحقّ الإلهي.. 
حقاً ستأتي ساعةٌ يظُن كُل مَن يقتلكُم أنه يُقدم خدمة لله (يو2:16)..
 
ثانياً: طالما أن الإنسان يملك قلباً مخلصاً، فالله لن يتركه ولن يتخلى عنه وإنما يتأنى عليه ويطيل أناته من جهته لعله يعُود إلى الحقّ من تلقاء ذاته فالله يحترم إرادة الإنسان، وإنما يمهله فرصة التوبة..
 
ثالثاً: لقد صنع شاول شرُوراً كثيرة بالمسيحيين، ومع ذلك يحمل قلباً مخلصاً، لذلك كان خلاصه قريباً، فيقُول: فإنكُم قد سمعتُم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهُودية، وكيف كنت أضطهد كنيسة الله..
 
رابعاً: أن الله أبونا وراعينا كليّ الرحمة، طويل الأناة، يُمهل ولا يُهمل يسره عودة الخاطيء، وبطول أناته يستطيع أن يحول الشرّ إلى خير، ويقُول أحبُوا أعدائكُم، باركُوا لاعنيكُم، أحسنُوا إلى مُبغضيكُم، وصلوا لأجل الذين يُسيُؤن إليكُم ويطردُونكُم، لكي تكُونُوا أبناء أبيكُم الذي في السماوات.. 
راجع الكتاب المُقدس (مت43:5-48؛ لو34:6-36).. 
 
  + مَن الذي يقُود سفينة حياتك، هل الرّب أم الذات الأنا؟!
أجعل يارّب رُوحك القدُوس هُو الرئيس، وربان السفينة الذي يمسك بالدفة، هُو الذي يُحركني ويُقودني، لأن ذاتي أمسكت بدفة الحياة وأدخلتني في متاهة وصخُور الحياة، وحطمت سفينتي وأغرقتها..
 
 حقاً أن نفسيتك هي سفينتك في رحلة الحياة، فعليك الحفاظ عليها، وإصلاح ثقُوبها باستمرار لئلا تُغرقك، فتتحّول حياتك من رحلة ممتعة إلى كارثة محققة، فسّد ثقوب الخوف، وشرُوخ القلق، والإحباط، بالإيمان، والرجاء الموضُوع أمامك، فإن الرّب يسُوع نائم عندك في السفينة.. 
 
راجع الكتاب (مت24:8؛ عب18:6؛ 2:12)..
 
   + قال القديس يُوحنا ذهبي الفم في نفسه: 
أن نفتكِ الإمبراطورة، فالأرض للرّب ومسيحه، 
 
وأن حكمت عليكِ بقطع رأسكِ، فقد تشبهت بيوحنا المعمدان، 
 
وأن حكمت عليكِ بالرجم فقد تشبهتِ بـ إستفانُوس الشهيد، 
 
وأن ألقت بكِ في أتُون النار فقد تشبهتِ بالثلاثة فتية، 
 
وأن ألقت بكِ للأسُود فقد تشبهتِ بدانيال، 
 
وأن نشرت جسدكِ فقد تشبهتِ بـ إشعياء النبي، وأن حكمت عليكِ بالصّلب فليس لكِ يا نفسي أن تتشبهي بسيدكِ يسُوع المسيح، وأن صادرت جميع ممتلكاتكِ فعريان خرجت من بطن أمي وعريان أعُود إلى هُناك، وأن كان المُوت هُو طريقكِ، فيُوم الممات خير من يُوم الولادة..      
 
   + أي إنسان منكُم إذا سأله ابنه خُبزاً (الحياة) يعطيه حجراً أي (المُوت)، وإن سأله سمكة (بركة) يعطيه حية (لعنة) ؟! فإن كنتُم وأنتُم أشرار تعرفُون أن تعطُوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحريّ أبُوكم الذي في السموات، يهب خيرات للذين يسألونه !! راجع الكتاب (مت7:7-12)..