أمينة خيري
«رميت الشنطة على الأرض، والشنطة فيها كتاب الدين!»، هنا يتجمع القاصى والدانى دفاعاً عن الدين، وذوداً عن المتدينين. يبكى البكاءون حزناً على ضياع العقيدة، ويلطم اللطامون كمداً بعد ما أصبح الدين فى مهب الريح وطريح الأرض. تصل أصوات البكاء والعويل واللطم إلى الشوارع والحارات المجاورة والبعيدة، يهرع الناس للتحقق مما يجرى، يخبرهم من سبقوهم أن الدين بات فى خطر، وأن المتدينين مطاردون مضطهدون، يتم التنكيل بهم، والعصف بمعتقدهم، وحرق كتبهم، فتتسع دائرة اللطم والصراخ والعويل، وبينهم من يبادر بالبحث عن هذا العميل الخائن، الكافر الزنديق، الملحد الرعديد، الفاسق المارق للثأر منه، وتلقينه درساً فى الإيمان، ومحاضرة فى الالتزام، ليكون عبرة لغيره من المنفلتين الداعرين السافلين الفاسقين من أعداء الدين وكارهى المتدينين. أصبح ما سبق أسلوب حياة. لا الشنطة لها علاقة بالدين، أو وقوعها على الأرض له علاقة بالمتدينين، أو هسهس كل الناس يتربصون بديننا ويتآمرون على إيماننا له علاقة بقوة الإيمان، أو تجييش الجيوش الإيمانية لمواجهة من ألقى الشنطة على الأرض وتأديبه وتقويمه له علاقة بالمؤمنين. العلاقة الوحيدة التى يمكن رصدها هى هيمنة وسواس قهرى اسمه التربص بالدين.
أسلوب الحياة هذا آخذ فى الانتشار فى كل حدب وصوب، وشارع وحارة. مسكوت عليه، ويكاد يكون حاصلاً على صك المباركة. يصدح صوت أجش قبيح لشخص قرر أن يؤذن للصلاة فى الـ١٥ ميكروفونا المثبتة أعلى مسجد مبنى بين مسجدين، تعترض على ارتفاع الصوت، ورداءة صوت الشخص الذى قرر أن يؤذن، تنهال عليك اتهامات كراهية الدين وضمر العداء للمتدينين.
يخبرك السباك أنه قادم إليه فى الثالثة، فلا يظهر إلا فى السابعة. تعترض وتحتج، فينظر إليك نظرة المؤمن الملتزم حبيب الله للزنديق الكافر عدو الله ورسوله والمؤمنين. «يعنى ما صليش يعنى؟!» تتحول فجأة من مواطن ينتظر عاملا لتقديم خدمة يتقاضى عنها أجراً، وغالباً الأجر مبالغ فيه، والعمل ردىء، والنصب والاحتيال على أشدهما، وقطع الغيار مضروبة، إلى عدو الدين وكاره الصلاة. تتعجب لانتشار النقاب فى مصر بلد الوسطية والفنون والثقافة والسماحة، فترتعد الأوصال وتتفجر عروق الغضب، ويخبرونك أنك فاسق زنديق، وتريد أن تمشى النساء عرايا فى ميدان العتبة ووصلة دهشور.
تتساءل عن التناقض الكبير بين المظهر الملتزم والسبحة المتدلية من الأيدى وعلامات الصلاة على الجباه واللحى كاملة النمو، وبين انتشار القمامة فى الشوارع، والبصق على الأرض، واللكلكة فى العمل، والاعتداء على حق الجار، وتدهور حالة النظافة الشخصية، وانتشار البذاءة والسباب والشتائم فى العلن، فيتهمونك أنك أنت الفاسق المنحرف الذى تتعمد تشويه الدين وسمعة المتدينين، ويسلطون عليك لجان الجهاد فى سبيل الله، فيمطرونك سباباً وشتائم، ولو كان المتسائل سيدة، ينهلون من منهل الشتائم الجنسية، والاتهامات المشككة فى السمعة والشرف. الاعتراض على عودة زوايا الصلاة غير المرخصة، والتى تقع على مرمى حجر من حفنة من المساجد، يعكس رغبة المعترض فى انتشار الانحلال والفجور. فعلاً، «هلك المتنطعون». صدقت يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
نقلا عن المصري اليوم





