عبد اللطيف المناوي
لم تكن واقعة المطعم فى أحد المولات مجرد خلاف حول مكان أداء الصلاة. ربما كانت أهميتها الحقيقية أنها كشفت جانبًا من ثقافة اجتماعية تستحق النقاش، الخلط بين التدين واحترام الدين، وبين ممارسة الشعائر وتحويلها إلى اختبار لتدين الآخرين، ثم ذلك النوع من النفاق الاجتماعى الذى يدفع المؤسسات إلى المبالغة فى إظهار «التدين» خوفًا من غضب مواقع التواصل.
إذا صحت العبارات غير اللائقة المنسوبة إلى مدير المطعم، فهذا غير مقبول. ومن حق إدارة المطعم التحقيق معه ومحاسبته على سوء التعامل.
لكن لماذا يصبح الاعتراض على الصلاة فى مكان بعينه اعتراضًا على الصلاة نفسها؟ وهل احترام الشعائر يعنى أن تتحول أى مساحة عامة إلى مكان للصلاة بمجرد أن يقرر أحدنا ذلك؟.
هنا تظهر مشكلة «التدين الشكلى»، حين يصبح اهتمامنا بالمشهد الدينى أكبر من اهتمامنا بالقيم التى يفترض أن ينتجها الدين.
فقد يترك موظف عمله لمدة طويلة بحجة الصلاة، ولا يرى فى إهدار وقت العمل الذى يتقاضى عنه أجرًا مشكلة أخلاقية. وقد يُغلق شارع أمام السيارات بسبب الصلاة دون التفكير فى حق الآخرين فى المرور. وقد يضع أحدهم سيارته فى مكان يعطل الناس ليذهب إلى المسجد، وكأن حق الله منفصل عن حقوق البشر.
وفى المقابل قد نتسامح بصورة مدهشة مع الكذب والغش والرشوة وإهمال العمل وعدم احترام المواعيد والنظافة والحق العام. وهى كلها أمور تتصل بجوهر الأخلاق التى يقوم عليها الدين، لكنها أقل قدرة على إنتاج مشهد مؤثر على «فيسبوك». هذا هو التدين الشكلى، أن يصبح مظهر العبادة بديلًا عن أثرها.
اعتذرت الشركة، وهو تصرف يكون مفهومًا إذا ثبت سوء التعامل. لكنها، بحسب ما أعلنته صاحبة الشكوى، فصلت مدير الفرع، وأكدت السماح بالصلاة، وأعلنت تخصيص أماكن لها.
ربما استحق المدير عقابًا ما، وأن يكون نتيجة تحقيق مهنى وليس استجابة لموجة الغضب والخوف من المقاطعة.
تحولت وسائل التواصل إلى محكمة، وتخشى المؤسسات إصدار حكم لا يرضى الجمهور. فتسارع إلى الاعتذار واتخاذ إجراءات ترضى «الجموع». وهذا شكل من أشكال النفاق الاجتماعى، فالقرار يحكمه اتجاه «الترند».
ولا ينبغى أن يُفهم هذا الكلام باعتباره اعتراضًا على الصلاة أو على تسهيلها. العكس صحيح. من واجب المجتمع المتحضر أن يحترم حق الإنسان فى العبادة، وأن يوفر أماكن لها كلما كان ذلك ممكنًا. لكن هناك فارق بين احترام الحق وبين أن يصبح حقًا مطلقًا يعيد تنظيم المكان والعمل وحقوق الآخرين حوله.
الدين لم يأتِ لتعطيل دورة الحياة، وإنما لتنظيمها والارتقاء بها. وقيمة الصلاة ليست فقط فى أدائها، وإنما فيما تتركه فى صاحبها من أمانة وانضباط ورحمة واحترام للآخر.
لا يحتاج الدين إلى أن نوقف الحياة لإثبات حضوره فيها. فإذا اتسعت مساحات الصلاة وضاقت مساحات الأمانة وإتقان العمل واحترام حقوق الناس، نكون قد احتفظنا بكثير من شكل التدين، وفقدنا الكثير من روحه.





