يوسف إدوارد

العبادة في أصلها شأن خاص بين الإنسان وربه ولحظة يبتعد فيها عن العالم قليلًا ويجلس الإنسان مع نفسه، يراجعها ويصغي إلى صوت الضمير بعيدًا عن تدخلات اليوم. لكن هذا الإيمان مهما بدأ من الداخل لا يبقى حبيس الداخل طويلًا، والمفروض أن الإنسان الذي يخرج بعد عبادته هو نفسه الإنسان الذي يعود إلى بيته وعمله وشارعه ويحمل معه شيئًا مما آمن به.

من هنا تبدأ العلاقة الحقيقية الهادئة وتصبح عادةً بين طقوس العبادة والشأن العام.

لا أقصد أن تتحول دور العبادة إلى ساحات جدل اجتماعي ولا أن تصبح الطقوس أداة سياسية. المقصود هو: أن نعيد النظر في الأثر الذي تتركه العبادة في تكوين الإنسان الذي يعيش بين الناس، فقيمة الطقس لا تتوقف عند لحظة أدائه، زلكنها تظهر أيضًا وربما أكثر في السلوك بعد ذلك.

الصلاة ليست كلمات تُقال في وقتها فقط ولكن تدريب على الانضباط والتأمل، والصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام بل فرصة لمراجعة العادات وطريقة التعامل مع الآخرين، والاحتفال والمناسبات الدينية لا تنتهي بانتهاء طقوسها إذ تحمل معها معنى المشاركة والتضامن.

بهذا المعنى لا تكون العبادة بعيدة عن الشأن العام لكنها أيضًا لا تحتاج أن تدخله من بوابة إثبات الذات والصراعات.

الشأن العام في جوهره هو كل ما يتعلق بحياة الناس المشتركة: التعليم والصحة والعمل والأسرة والبيئة. مجالات تحتاج قبل الخطابات الكبيرة إلى مواطن صالح عادي. وهنا يمكن للإيمان أن يقدّم إسهامه الأهم عبر بناء إنسان منتج ومتزن ومتفهم أساس الاحتياجات، ويستطيع أن يرى الآخر شريكًا في الوطن لا خصمًا في الحياة.

أتذكر مرة أنّ جارًا لنا رجلًا عاديا لا يتحدث كثيرًا عن ايمانه، كان يوقف سيارته كل صباح ويحرص كل يوم على الاطمئنان على عجوزٍ وحيدة في الحي، ويساعدها في توفير وقضاء ما يلزمها، لأنها لم تكن تجد من يرعاها قبل أن يذهب إلى عمله، والحقيقة لم يخطب ويعظ في أحد ولم يكتب منشورًا عن "قيم الإيمان". أظنه فعل ذلك فقط كل يوم تقريبًا لسنوات، وفي تصوري هذا هو الإيمان وهو يتحول إلى شأن عام بدون صناعة وتكتيك.

المشكلة تبدأ حين نخلط بين قوة الإيمان والرغبة في فرضه على الآخرين. الإيمان الحقيقي لا يحتاج خصومة دائمة ليثبت حضوره ولا رفع صوت ليكون مؤثرًا وأحيانًا يكفيه سلوك بسيط: موظف أمين أو مسؤول يقدّم المصلحة العامة على مصلحته أو شاب يرفض التنمر.

هنا يتحول الإيمان من خطاب إلى ممارسة.

ولعل أجمل ما تقدمه دور العبادة للمجتمع هو مساعدة الإنسان على اكتشاف قيمة الآخر لأن المجتمع لا يعيش على التشابه بل على القدرة على إدارة الاختلاف باحترام. وحين يتعلم الإنسان داخل مجتمعه الديني معنى المحبة والتسامح، يبقى السؤال: كيف ينعكس ذلك حين يلتقي من يختلف عنه فكرًا أو ثقافة أو معتقدًا؟

هذه المساحة تحديدًا هي التي تجعل الإيمان شأنًا عامًا دون أن يتحول إلى صراع.

طبعًا ليس هذا سهلًا دائمًا وأعرف أن كثيرين يرون في فصل الإيمان عن السياسة تفريغًا له من معناه، وأنا لا أملك جوابًا حاسمًا يرضي الجميع في هذه النقطة. لكن ما أميل إليه هو أن العبادة لا تفقد خصوصيتها حين تُنتج إنسانًا أكثر اهتمامًا بمجتمعه، كما أن المشاركة في الشأن العام لا تعني بالضرورة تسييس الدين وهناك مسافة بين أن يحمل الإنسان قيمه إلى المجال العام، وبين أن يحاول تحويل هذا المجال إلى مساحة لإثبات أحقية جماعته على غيرها.

المجتمعات المنتجة تحتاج هذا التوازن. إنسان يحتفظ بإيمانه وخصوصيته ويعرف في الوقت نفسه أن الوطن مساحة مشتركة.

الطقس الذي لا يغيّر شيئًا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين يظل محصورًا في لحظته. أما حين تصبح العبادة مصدرًا للصدق والأمانة واحترام الإنسان وخدمة المحتاج فإنها تتجاوز حدود المكان دون أن تفقد قدسيتها.

الإيمان لا يحتاج إلى إعلانات كي يُرى ويكفي أن يظهر في الإنسان نفسه من خلال سلوكه العام الطبيعي وفي التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد غالبًا، مثل جارٍ يلقي التحية على جاره كل صباح.
نقلا عن نيوز رووم