رحلة في فنّ التفسير مع وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»
كلام الله بلغة البشر: ماذا يعني الوحي اليهوديّ-المسيحيّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يسمع المسيحيّ في البلدان الناطقة بالعربيّة كلمة «الوحي»، قد يتبادر إلى ذهنه تلقائيًّا النموذج الإسلاميّ: كلامٌ إلهيّ يتلقّاه نبيّ بواسطة ملاك، ثم يبلّغه كما تسلّمه. لكنّ استخدام الكلمة نفسها في اليهوديّة والمسيحيّة من جهةٍ، والإسلام من جهةٍ أخرى لا يعني أنّ مفهوم الوحي متطابق في الديانتين. وهذه نقطة مهمّة جدًّا لفهم الكتاب المقدّس؛ لأنّ بعض المسيحيّين يقرؤونه وفق تصوّرٍ عن الوحي استعاروه، من دون قصد، من البيئة الإسلاميّة المحيطة بهم.
في البداية، من المفيد التمييز بين "الوحي الإلهيّ" و"الإلهام الكتابيّ". الوحي أوسع من الكتاب: إنّه إعلان الله عن ذاته في التاريخ، من خلال أفعاله وكلماته، ويبلغ ملئه، في الإيمان المسيحيّ، في شخص يسوع المسيح. أمّا الإلهام، فهو عمل الروح القدس في الكتّاب البشريّين الذين دوّنوا الأسفار المقدّسة. وبعبارةٍ يسيرة: الكتاب المقدّس ليس الوحي كلّه، بل هو الشهادة المكتوبة والملهمة للوحي الإلهيّ. وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة» لا تدّعي تقديم لاهوتٍ كامل للوحي، لكنها تضع مبدأ أساسيًّا لا يمكن فهم الكتاب من دونه. فهي تقول إنّ الكتاب المقدّس: «لا يقدّم ذاته إعلانًا مباشرًا لحقائق متسامية على الزمن، بل شهادة مكتوبة لسلسلة من التدخّلات التي يعلن الله فيها عن ذاته في التاريخ البشريّ». الله في التصوّر الكتابيّ لا يُرسِل إلى البشر مجموعة من المعلومات المجرّدة عن نفسه فقط، بل يدخل تاريخهم: يدعو إبراهيم، ويحرّر شعبًا من العبوديّة، ويقيم عهدًا، ويرسل الأنبياء، ثم يدخل التاريخ بصورة نهائيّة في شخص يسوع المسيح. الوحي هنا حدثٌ وكلمة، تاريخٌ جرى وتفسيرٌ إيمانيّ لهذا التاريخ. ولهذا تقول الوثيقة إنّ «الكتاب المقدّس كلمة تمسّ الواقع، كلمة نطق بها الله في سياق تاريخيّ، ويخاطبنا بها اليوم عبر وساطة كُتّاب بشر».
عبارة «عبر وساطة كُتّاب بشر» ليست تفصيلًا صغيرًا. فالكتّاب لم يكونوا أقلامًا بلا عقل، ولم يتحوّلوا في أثناء الكتابة إلى آلات نسخ. لقد استخدموا لغاتهم، وثقافاتهم، وذاكرتهم، ومصادرهم، وقدراتهم الأدبيّة، وطرق التفكير المتاحة في عصورهم. ولهذا تقرّر الوثيقة أنّ النصوص الكتابيّة هي «نتاج كتّاب بشريّين، وظّفوا قدراتهم الخاصّة في التعبير، فضلًا عن الوسائل التي أتاحها لهم عصرهم وسياقهم الاجتماعيّ».
وهذا هو أيضًا تعليم المجمع الڤاتيكانيّ الثاني: اختار الله بشرًا، واستخدمهم وهم يستخدمون قدراتهم وإمكاناتهم، فكتبوا بوصفهم «مؤلّفين حقيقيّين» كلّ ما أراد الله أن يُكتب من أجل خلاصنا (المجمع الڤاتيكاني الثاني، كلمة الله، ١١).
إذًا، الله مؤلّف الكتاب المقدّس، والإنسان مؤلّفه الحقيقيّ أيضًا. وليس المقصود أنّ بعض النصّ من الله وبعضه من الإنسان، أو أنّ الله قدّم الأفكار ثم أضاف الكاتب الكلمات من عنده. تقول الوثيقة: «تنتمي الفكرة والكلمات، في آنٍ واحد، إلى الله وإلى البشر معًا، على نحو يجعل الكتاب المقدّس بأسره صادرًا، في الوقت عينه، عن الله وعن الكاتب البشريّ الملهَم». هذا التلاقي بين الإلهيّ والإنسانيّ هو قلب مفهوم الإلهام المسيحيّ. وهو لا يلغي إنسانيّة النصّ، لكنّه يفترضها. فالله لم يتكلّم بلغة سماويّة لا علاقة لها بالتاريخ، فهو تكلّم بالعبرية والآرامية واليونانية، وفي داخل ثقافات حقيقيّة. وتقول الوثيقة: «في مخاطبته البشر… استعان الله بإمكانات اللغة البشريّة كافّة، مرتضيًا في الوقت عينه أن تخضع كلمته للقيود الناجمة عن قصور هذه اللغة». قد تبدو العبارة جريئة: هل تخضع كلمة الله لحدود اللغة البشريّة؟ نعم، لأنّ هذا هو منطق التجسّد نفسه. فكما أنّ كلمة الله الأزليّ صار إنسانًا حقيقيًّا في زمان ومكان وثقافة محدّدة، كذلك تصل إلينا كلمة الله في الكتاب من خلال كلمات بشريّة حقيقيّة. ولهذا تربط الوثيقة بين إنكار إنسانيّة الكتاب وعدم قبول التجسّد قبولًا كاملًا، فتقول إنّ القراءة الأصوليّة، حين ترفض الطابع التاريخيّ للوحي، «تجعل ذاتها عاجزة عن قبول الحقيقة الكاملة للتجسّد عينه». ومن هنا تنتقد الوثيقة التصوّر الذي يتعامل مع النصّ «وكأنّه قد أُملي كلمةً بكلمة من لدن الروح القدس». فالكتاب المقدّس ليس تسجيلًا لإملاء سماويّ، والكتّاب ليسوا مجرّد كتبة دوّنوا كلمات سمعوها من الله. إنّهم مؤلّفون حقيقيّون، «ذوو قدرات وموارد محدودة»، وقد تشكّلت كلمة الله في لغتهم وتعبيرهم وظروفهم التاريخيّة.
في هذا النقطة يظهر الفرق العامّ بين المفهوم الكتابيّ اليهوديّ-المسيحيّ والمفهوم الإسلاميّ للوحي.
في التراث الكتابيّ الذي يتقاسمه اليهود والمسيحيّون، يكشف الله عن ذاته من خلال تاريخ طويل، ثم تُروى أحداث هذا التاريخ وتُفسَّر وتُكتب وتُعاد قراءتها داخل جماعة الإيمان. أمّا المسيحيّة فتؤمن بأنّ ملء الوحي ليس كتابًا، بل شخص يسوع المسيح، كلمة الله المتجسّد. ولهذا يقول التعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ إنّ الإيمان المسيحيّ ليس «دين كتاب»، بل دين كلمة الله، «لا كلمة مكتوبة وصامتة، بل الكلمة المتجسّد والحيّ» ([التعليم المسيحيّ، ١٠٨]. أمّا في المفهوم الإسلاميّ الغالب، فالقرآن هو كلام الله الذي أُوحي إلى محمّد باللغة العربيّة. ويصف القرآن نفسه بأنّه «تنزيل ربّ العالمين»، نزل به «الروح الأمين» على قلب النبيّ «بلسان عربيّ مبين» (الشعراء ٢٦: ١٩٢-١٩٥). كما يتحدّث عن أنماط كلام الله للبشر: وحيًا، أو من وراء حجاب، أو بواسطة رسولٍ ملائكيّ (الشورى ٤٢: ٥١). وفي هذا التصوّر، محمّد هو متلقّي القرآن ومبلّغه، وليس مؤلّفًا بشريًّا مشاركًا في صياغة كلماته (الشعراء ٢٦: ١٩٢-١٩٥)؛ (الشورى ٤٢: ٥١).
الفرق، إذًا، يتعلّق بطبيعة الوحي نفسه. في التصوّر الإسلاميّ، تتعلّق القداسة بصورة أساسيّة بالكلام الإلهيّ المتلو بالعربيّة، وتظلّ الترجمات «ترجمات لمعاني القرآن». أمّا الكتاب المقدّس فقد وُلد بلغات متعدّدة، وانتقل منذ وقت مبكر بين اللغات والثقافات، ولا توجد في المسيحيّة لغة واحدة تحتكر كلمة الله. لكنّ هذا لا يعني أنّ المسلمين لا يحتاجون إلى التفسير؛ فالتراث الإسلاميّ يملك علومًا واسعة في التفسير، واللغة، وأسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ. الفرق هنا ليس بين دين يفسّر ودين لا يفسّر، بل بين مفهومين مختلفين لكيفيّة حضور كلام الله في النصّ. ومن الخطأ أن يقيس المسيحيّ كتابه على النموذج القرآنيّ، ثم يظنّ أنّ الإيمان بالكتاب المقدّس يقتضي الاعتقاد بأنّ الله أملى كلّ كلمة فيه. إنسانيّة الكتاب ليست عيبًا يجب إخفاؤه، وليست طبقة خارجيّة نزيلها حتى نصل إلى كلام الله. إنّها الطريق التي اختارها الله نفسه لكي يتكلّم إلينا. ولهذا يلخّص تمهيد الوثيقة المسألة بقوله إنّ معنى الكتاب المقدّس هو المعنى الذي «تتضافر فيه الكلمة البشريّة وكلمة الله». فإذا تجاهلنا الكلمة البشريّة، سقطنا في قراءة أصوليّة تتجاهل التاريخ واللغة. وإذا تجاهلنا كلمة الله، اختزلنا الكتاب إلى وثيقة قديمة لا تحمل إلينا نداءً إلهيًّا.
نقرأ الكتاب إذًا بعينين: عين تدرس اللغة والتاريخ والثقافة والمؤلّف البشريّ، وعين الإيمان التي تصغي إلى الله المتكلّم من خلال هذا كلّه. وكلّما أخذنا إنسانيّة النصّ بجدّيّة أكبر، لم نبتعد عن كلمة الله، بل اقتربنا من الطريقة التي اختار الله أن تصل بها كلمته إلينا.
وفي الحلقة القادمة: ما الفرق بين المعنى الحرفيّ والقراءة الحرفيّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





