الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تميّز وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة» بين تعبيرين متقاربين، لكنّ الفرق بينهما أساسيّ: تستخدم في نصّها الإنجليزيّ تعبير the literal sense، أي «المعنى الحرفيّ»، في مقابل the “literalist” sense، أي «أخذ النصّ بحرفيّته». وتقول بوضوح: «لا ينبغي أن يُخلَط بين المعنى الحرفيّ وأخذ النصّ بحرفيّته الذي يتشبّث به الأصوليّون». فالمعنى الحرفيّ لا يعني تحويل كلّ كلمة أو تفصيل إلى معلومة تاريخيّة أو علميّة، بل هو المعنى الذي يقوله النصّ كاملًا من خلال كلماته وبنائه ونوعه الأدبيّ.
تؤكّد الوثيقة أهمّيّة الوصول إلى هذا المعنى، فتقول: «لا يقتصر السعي إلى تحديد المعنى الدقيق للنصوص، على النحو الذي صاغها به كُتّابها، على كونه أمرًا مشروعًا فحسب، بل إنّه يُعَدّ ضرورةً قصوى؛ وهو ما يُعرَف بالمعنى الحرفيّ». ثم تضيف: «إنّ المعنى الحرفيّ للكتاب المقدّس هو ذاك الذي عبّر عنه الكتّاب البشريّون المُلهَمون بصورة مباشرة». فالسؤال الأول عند قراءة أيّ نصّ ليس: ماذا تعني كلّ كلمة منفردة؟ بل: ماذا أراد الكاتب أن يقول بهذه الكلمات في هذا السياق، وباستخدام هذا النوع الأدبيّ؟
لهذا تقول الوثيقة: «لا يكفي أن يُترجَم النصّ كلمةً بكلمة لبلوغ معناه الحرفيّ، بل يجب أن يُفهَم وفقًا للأعراف الأدبيّة السائدة في حقبته». وتستخدم مثال قول المسيح: «لتكن أوساطكم مشدودة» (لو ١٢: ٣٥). فالمعنى المباشر للكلمات يتعلّق بشدّ الثياب حول الخصر، لكنّ معنى الجملة في ثقافتها هو: «كونوا على أهبة الاستعداد». وتوضح الوثيقة: «حينما يكون النصّ مجازيًّا، فإنّ معناه الحرفيّ لا يتجلّى فيما يتبادر فورًا من ترجمته الحرفيّة، بل فيما يوافق الاستخدام المجازيّ لتلك العبارات». المعنى الحرفيّ هنا ليس ما تقوله الكلمات منعزلة، بل ما تقوله الجملة فعلًا.
لكنّ المشكلة الأهم تظهر في النصوص التي تتحدّث عن خلق العالم والتاريخ والكون والطبيعة. ففي هذه المواضع قد يظنّ القارئ أن الأمانة للوحي تقتضي احتساب كلّ تفصيل وصفًا مباشرًا للواقع. وتقول الوثيقة إن التفسير الأصوليّ يفترض أن الكتاب المقدّس «ينبغي أن يُقرأ ويُفسَّر حرفيًّا في تفاصيله كافّة»، لكنه يفهم ذلك، حسب النصّ الإنجليزيّ، بوصفه a naively literalist interpretation، أي «تفسيرًا يأخذ النصّ بحرفيّته بصورة ٍساذجة»، ويقصي «كلّ مسعًى لفهم الكتاب المقدّس يأخذ في الحسبان أصوله التاريخيّة وتطوّره».
يظهر الفرق بوضوح في رواية الخلق في الفصل الأوّل من سفر التكوين. البحث عن المعنى الحرفيّ يدرس النصّ كما صاغه كاتبه: بناء أدبيّ منظّم في ستّة أيّام يعقبها اليوم السابع، وتكرار لعبارات محدّدة، ومقابلة بين الأيّام، وحركة من الخواء والظلمة إلى النظام والحياة والراحة. ومن خلال هذا البناء يعلن النصّ أن الله خالق كلّ شيء، وأن الخليقة حسنة، وأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأن الزمن يجد غايته في العلاقة بالله. أمّا أخذ النصّ بحرفيّته فيحوّل أيام الخلق إلى وحدات زمنيّة من أربع وعشرين ساعة، وترتيب أعمال الخلق إلى جدول علميّ يمكن مقارنته بعلوم الطبيعة.
وتحذّر الوثيقة من هذا الخلط، لأن التفسير الأصوليّ «يشدّد تشديدًا مفرطًا على عصمة بعض التفاصيل في النصوص الكتابيّة، ولا سيّما فيما يخصّ الأحداث التاريخيّة أو الحقيقة العلميّة المزعومة». كما أنه «يسلّم بالحقيقة الحرفيّة لكوزمولوجيا قديمة عفا عليها الزمن، فقط لأنّه قد عُبِّر عنها في طيّات الكتاب المقدّس». المشكلة، إذًا، ليست في الإيمان بأنّ الله خلق العالم، بل في الخلط بين الرسالة التي أراد النصّ إعلانها والصورة القديمة للكون التي استخدمها الكاتب للتعبير عنها.
وعندما يقول المسيح عن حبّة الخردل إنها «أصغر جميع البزور التي على الأرض» (مر ٤: ٣١)، لا يقدّم حكمًا علميًّا عن جميع بذور العالم، بل يستخدم صورة مألوفة لدى سامعيه عن بذرة صغيرة تنمو فتصير نباتًا كبيرًا. المعنى الحرفيّ للمثل هو ما يقوله عن ملكوت الله الذي يبدأ بداية صغيرة ثم ينمو على نحو يفوق التوقّعات. أمّا أخذ النصّ بحرفيّته فيحوّل العبارة إلى مسألة في علم النبات، ثم يحاول إثبات أن الخردل هو أصغر بذور العالم دفاعًا عن عصمة الكتاب. وهذا ما تقصده الوثيقة حين تنتقد تحويل التفاصيل العرضيّة إلى «حقيقة علميّة مزعومة».
ويمتدّ التمييز نفسه إلى القصص والأمثال. تقول الوثيقة: «حينما يتعلّق الأمر بقصّةٍ ما، فإنّ المعنى الحرفيّ لا يستلزم بالضرورة الاعتقاد بأنّ الوقائع التي تُسرَد قد وقعت بالفعل؛ إذ لا يُشترَط في القصّة أن تندرج ضمن الجنس التاريخيّ، بل قد تكون عوضًا عن ذلك عملًا من نسج الخيال الإبداعيّ». فعندما يبدأ المسيح مثل السامريّ الصالح بقوله: «كان إنسان نازلًا من أورشليم إلى أريحا» (لو ١٠: ٣٠)، لا يعني استخدام الماضي أن يسوع يقدّم تقريرًا عن واقعة تاريخيّة. المعنى الحرفيّ للمثل يتعلّق بالسؤال الذي يجيب عنه: «من هو قريبي؟»، وبالدعوة إلى أن نصير نحن أقرباء للإنسان المحتاج.
لهذا تنتقد الوثيقة التفسير الذي «يَعُدّ تاريخيًّا كلّ ما يُنقَل أو يُروَى بأفعالٍ في صيغة الماضي»، لأنه لا ينتبه بما يكفي إلى «احتماليّة انطواء النصّ على معنًى رمزيّ أو مجازيّ». صيغة الماضي لا تحدّد وحدها النوع الأدبيّ؛ فقد تستخدمها الرواية التاريخيّة والمثل والقصّة الرمزيّة والرؤيا. ولذلك تؤكد الوثيقة أن البحث عن المعنى الحرفيّ يتطلّب «تحديد النوع الأدبيّ للنصوص»، وأن «دراسة الأجناس الأدبيّة القديمة أمر بالغ الضرورة».
وهذا لا يسمح لنا بتحويل كلّ ما في الكتاب المقدّس إلى رمز. فالعهد الجديد لا يقدّم قيامة المسيح بوصفها قصّةً عن انتصار الأمل، إنّه يقدّمها بوصفها حدثًا حقيقيًّا يتوقّف عليه الإيمان: «إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم» (١ قور ١٥: ١٤). الاهتمام بالنوع الأدبيّ لا يهدف إلى نفي التاريخ، بل إلى تمييز النصوص التي تقصد تقديم شهادة تاريخيّة من الأمثال والشعر والرؤى. والوثيقة نفسها تذكّر بأن قضية المعنى تظهر بصور مختلفة في «روايات تاريخيّة، وأمثال، وأقوال نبويّة، وشرائع، وحِكَم، وصلوات، وترانيم». فلا يمكن قراءة هذه الأنواع جميعها بالطريقة نفسها.
ويرتبط هذا التمييز بطبيعة الوحي المسيحيّ. فالكتاب المقدّس ليس كلمات أُمليت من السماء في لغة لا تنتمي إلى زمان أو ثقافة، بل كلمة الله التي عبّر عنها كتّاب بشريّون حقيقيّون. وتقول الوثيقة إن المشكلة الأساسيّة في التفسير الأصوليّ هي أنه، «لرفضه أخذ الطابع التاريخيّ للوحي الإلهيّ في الحسبان، يجعل ذاته عاجزًا عن قبول الحقيقة الكاملة للتجسّد عينه». فهو «يرفض الإقرار بأنّ كلمة الله الموحى بها قد عُبِّر عنها بلغة إنسانيّة»، ويميل إلى التعامل مع النصّ «وكأنّه قد أُملي كلمةً بكلمة من لدن الروح القدس».
أمّا الإيمان المسيحيّ فيعترف بأن الله هو المؤلّف الرئيس، وبأن الكتّاب البشريّين مؤلّفون حقيقيّون استخدموا قدراتهم والوسائل المتاحة في عصورهم. لذلك تقول الوثيقة إن الوصول إلى المعنى الحرفيّ يتمّ «من خلال تحليلٍ دقيق للنصّ، ضمن سياقه الأدبيّ والتاريخيّ». وهذا هو التوجّه الذي أقرّه المجمع الڤاتيكانيّ الثاني في دستور «كلمة الله»، حين دعا إلى البحث عمّا قصده الكتّاب المقدّسون، مع مراعاة الأنواع الأدبيّة وظروف عصرهم وثقافتهم وطرائق التعبير المعتادة في زمانهم.
ولا يعني المعنى الحرفيّ دائمًا أن للنصّ مستوًى واحدًا يسيرًا. تستشهد الوثيقة بقول قيافا: «خيرٌ لكم أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كلّها» (يو ١١: ٥٠). في قصد قيافا السياسيّ، كانت العبارة مناورةً غير أخلاقيّة للتضحية بيسوع، لكنّ الإنجيل يرى فيها أيضًا نبوّة عن موت المسيح من أجل الشعب. وتقول الوثيقة إنّ العبارة «تعبّر، في آن واحد، عن مناورةٍ سياسيّة لاأخلاقيّة وعن وحي إلهيّ»، وإن الجانبين «ينتميان إلى المعنى الحرفيّ، إذ إنهما يُستجليان من خلال السياق». وهذا تحذير من «تبنّي تصوّر بالغ الضيق للمعنى الحرفيّ للنصّ الموحى به».
وفي المقابل، لا يسمح رفض أخذ النصّ بحرفيّته بأن نضع فيه أيّ معنًى نريده. تقول الوثيقة: «لا يُستَنتَج من ذلك أنّه يسعنا أن نضفي على النصّ الكتابيّ أيّ معنًى يروق لنا، مفسّرين إيّاه بطريقة ذاتيّة بحتة». كما تؤكد أن المعنى الحرفيّ يظلّ بالنسبة إلى المعنى الروحيّ «الأساس الذي لا غنى عنه». فلا يمكن أن نعرف ماذا يقول النصّ لنا اليوم قبل أن نصغي إلى ما يقوله فعلًا.
المعنى الحرفيّ، إذًا، هو المعنى الذي عبّر عنه الكاتب البشريّ الملهم من خلال النصّ، كما يتّضح من لغته وسياقه ونوعه الأدبيّ. أمّا أخذ النصّ بحرفيّته فهو افتراض أن الأمانة للكتاب تقتضي اعتبار كلّ عباراته وتفاصيله أوصافًا مباشرة للتاريخ أو الطبيعة. الأول يصغي إلى النصّ كما كُتب؛ أمّا الثاني فقد يجعل النصّ يقول ما لم يقصده. لذلك لا نحتاج إلى قراءة أقلّ إيمانًا، بل إلى قراءة أكثر أمانة لطبيعة كلمة الله الإنسانيّة والإلهيّة معًا.
وفي الحلقة القادمة: هل كلّ ما يُروى في الكتاب المقدّس حدث تاريخيّ؟
رحلة في فنّ التفسير مع وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»





