خالد منتصر
وكأن مصر أصبحت جنة النصابين فى الأرض، خاصة النصب والدجل الطبى، مما شجع السيدة أونيل على الهبوط إلى حيث مارس العوضى أجمل غزواته فى ساحة عقول الوعى الجمعى المصرى الذى صار مثقوباً كغربال قديم، والدجل الطبى له وجوه كثيرة، لكنه غالبًا يستخدم الوصفة نفسها،
فكرة شديدة البساطة تفسر أمراضًا شديدة التعقيد، عدو خفى تتآمر المؤسسات الدولية، تارة الصهيونية، وتارة الماسونية..الخ، لإخفائه، علاج سهل يستطيع المريض تطبيقه بنفسه، ثم قصص لأشخاص يقولون إنهم شفوا بعد أن عجز عن شفائهم الأطباء، وبين تجربة الأسترالية باربرا أونيل وتجربة الطبيب المصرى الراحل ضياء العوضى، يمكن أن نرى بوضوح كيف تُصنع هذه الخلطة، باربرا أونيل، التى يصفها البعض خطأً بأنها «دكتورة أسترالية»، ليست طبيبة مسجلة، بل كانت تقدم نفسها كممارسة للعلاج الطبيعى ومثقفة صحية،
وفى عام ٢٠١٩ أصدرت لجنة شكاوى الرعاية الصحية فى ولاية نيو ساوث ويلز قرارًا بمنعها بصورة دائمة من تقديم أى خدمات صحية، ومن بين الادعاءات التى سجلتها اللجنة عليها قولها إن السرطان «فطر» يمكن علاجه ببيكربونات الصوديوم، إلى جانب ادعاءات أخرى عن التطعيمات والمضادات الحيوية وتغذية الأطفال اعتبرتها اللجنة غير قائمة على الأدلة وقد تعرض المرضى للخطر، والسرطان بالطبع ليس فطرًا، الورم السرطانى يتكون من خلايا بشرية أصابتها تغيرات جينية وبيولوجية جعلتها تنمو وتنقسم بصورة غير منضبطة، نعم، قد توجد علاقة معقدة بين بعض الميكروبات والفطريات والسرطان،
وقد تشبه بعض العدوى الفطرية الأورام فى الأشعة، لكن هذا شيء مختلف تمامًا عن الادعاء بأن «الورم نفسه مجرد فطر»، وعلى الجانب الآخر هنا؛ فى مصر تجربة «نظام الطيبات» المرتبطة بالدكتور ضياء العوضى، الفارق هنا مهم وخطير، نحن أمام شخص ذى خلفية طبية، وهو ما يمنح الكلام لدى الجمهور سلطة أكبر، النظام تم تقديمه باعتباره رؤية واسعة تتجاوز مجرد اختيار غذاء صحى إلى تفسير الأمراض المزمنة والحديث عن قدرة الجسم على «الاستشفاء الذاتي»
إذا تغيرت مدخلاته الغذائية، وعلاج السكر بمزيد من السكر والونتيلا والبسبوسة، وإيقاف مثبطات مناعة لزارعى الكلى... إلى آخر المصائب التى كتبنا عنها فى نفس الصفحة، وأثناء حياة العوضى نفسه، والمشكلة ليست فى الدعوة إلى تحسين الطعام، فالتغذية جزء أصيل من الطب، وإنما تبدأ عندما تتحول فرضية شخصية إلى نظرية علاجية شاملة قبل أن تمر باختبارات العلم المعروفة، حتى أحد المواقع المخصصة لشرح «الطيبات» يقر صراحة بأن النظام لم يخضع لدراسات علمية محكّمة أو أبحاث سريرية معتمدة، وعلى حسب تصريح العوضى «مين ده اللى يقيمنى،
أنا المهدى المنتظر، حد قيم أينشتين؟!»، وهنا يلتقى النموذجان، أونيل تختزل السرطان فى «فطر»، والعوضى وطيباته تختزل طيفًا هائلًا من الأمراض المعقدة فى منظومة غذائية وتصور موحد تقريبًا للجسد والمرض، ويلخص مجلدات الطب فى القولون!، وفى الحالتين تبدو الفكرة جذابة لأنها تمنح الإنسان إجابة سهلة، الطب يقول إن السرطان مئات الأمراض المختلفة، وإن السكرى والمناعة والضغط والسرطان لها آليات معقدة، أما الخطاب البديل فيقدم مفتاحًا واحدًا يزعم أنه يفتح معظم الأبواب، والأخطر أن هذا الخطاب يستفيد من كلمة سحرية منومة مغناطيسياً «إحنا بنعالح بالطبيعي»، فالطبيعى يبدو بريئًا، والدواء يبدو «كيميائيًا»، والغذاء يبدو آمنًا، بينما العلاج الطبى يبدو مخيفًا، لكن السموم طبيعية أيضًا، والمرض طبيعى،
وما يحدد صلاحية العلاج ليس أصله من النبات أو المصنع، وإنما الدليل على فعاليته وأمانه، وفى حالة ضياء العوضى تجاوز الأمر الخلاف الأكاديمى، ففى مايو ٢٠٢٦ أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أنه تلقى مخاطبات رسمية من وزارة الصحة ونقابة أطباء مصر بشأن محتوى مرتبط به، ووصف المجلس هذا المحتوى بأنه من شأنه «الإضرار بالصحة العامة»، ويمثل «تهديدًا مباشرًا لحياة المواطنين»، وقرر منع وسائل الإعلام الخاضعة للقانون من نشر أو تداول محتواه، كما أكد نقيب الأطباء أن النظام الغذائى يمكن أن يكون عنصرًا مساعدًا، لكنه ليس بديلًا للعلاج الطبى المثبت، وبالنسبة لأونيل تصرفت النقابة واستفادت من البطء السابق، وسارعت بمنع أونيل من الظهور، القضية ليست أونيل ولا العوضى وحدهما، القضية هى الطريقة التى يولد بها «السوبر ستار الطبي» على السوشيال ميديا، يبدأ بسؤال مشروع عن قصور الطب،
والطب نفسه لم يدعى أنه سخر يأتى بالمعجزات، بل هو علم نسبى يجرى التجارب، ويعدلها وينقحها طبقاً للنتائج، ثم يقدم العوضيون والأونيليون إجابة غير مثبتة، ثم تتحول شهادات المتابعين إلى بديل للتجارب السريرية، ويتحول الاعتراض العلمى إلى دليل على «المؤامرة»، وهنا يصبح المؤمن بالفكرة محصنًا ضد النقد، إذا وافقه الأطباء فهو منتصر،
وإذا رفضوه فهم جزء من المؤامرة، العلم مختلف تمامًا يا سادة، العالم الحقيقى لا يقول: «وجدت سر الأمراض كلها»، بل يقول هذه فرضيتى، وهذه تجربتى، وهذه نتائجها، وهذه حدودها، وقد أكون مخطئًا، الفارق بين الطب والدجل ليس أن الطبيب لا يخطئ، الأطباء يخطئون، والعلم يغير آراءه، الفارق أن العلم يملك آلية لاكتشاف الخطأ وتصحيحه، بينما الدجل يحوّل الخطأ إلى عقيدة، وصاحبه إلى بطل، والشك فيه إلى مؤامرة، هذه هى المعضلة الكبرى التى يرفض العقل المصرى فهمها أو محاولة حلها.
نقلا عن المصري اليوم





