د.ماجد عزت إسرائيل
جريمة مقتل أسرة التجمع الخامس ليست مجرد واقعة جنائية مؤلمة نقرأ تفاصيلها ثم ننساها، بل هي جرس إنذار يدعونا إلى التأمل في الأسباب التي قد تدفع بعض النزاعات والخلافات إلى هذا المستوى المرعب من العنف. فمهما بلغ حجم الخلاف المالي، لا يمكن أن يكون المال مبررًا لإزهاق روح واحدة.وقد حذّر الكتاب المقدس بوضوح من خطورة التعلق بالمال، إذ يقول: «لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ» (رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 6: 10).فإذا كان الخلاف على المال قد يقود إلى كل هذا الشر، فما ذنب أسرة كاملة، وما ذنب أطفال لم يكونوا طرفًا في هذا النزاع؟ إن مواجهة مثل هذه الجرائم لا تكون بالعقوبة وحدها، رغم ضرورتها، وإنما بالوقاية، وبناء الإنسان أخلاقيًا ونفسيًا وروحيًا، وغرس قيم الرحمة وضبط النفس والتسامح واحترام قدسية الحياة، قبل أن نصل إلى لحظة الانفجار والجريمة.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم حرمة النفس، والرحمة، والتسامح، وضبط الغضب، وقبول الاختلاف، والتكافل الاجتماعي. ويبدأ ذلك من الأسرة والمدرسة ودور العبادة والجامعة والإعلام، فهذه المؤسسات جميعًا تشارك في تشكيل وعي الإنسان، وبناء منظومته الأخلاقية، وتحديد نظرته إلى الآخرين وطريقة تعامله معهم.
ولا يكفي أن نطالب بهذه القيم نظريًا، بل يجب أن تتحول إلى ممارسات حقيقية داخل المجتمع. ومن الأمور التي يمكن أن تسهم في حماية المجتمع والحد من العنف والجريمة:
• الإفراط في الصدقات وأعمال الخير بمعناها الإيجابي، أي الإكثار منها، وليس فقط تقديم المال؛ فإطعام المحتاج، ومساعدة المدين، وكفالة اليتيم، ومساندة الأسرة المتعففة كلها وسائل تعزز الرحمة والتكافل وتخفف الضغوط الاجتماعية.
• تعليم إدارة الغضب والخلافات منذ الصغر، وأن النزاع المالي أو الأسري أو المهني يُحل بالقانون والحوار والوساطة، وليس بالانتقام.
• التوسع في الدعم النفسي والإرشاد الأسري والاجتماعي وإزالة الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية عند الشعور بالغضب الشديد أو فقدان السيطرة.
• تقوية الروابط بين الجيران والأقارب والأصدقاء، لأن العزلة والأنانية المفرطة تضعف الإحساس بالآخر، بينما المجتمع المتماسك أكثر قدرة على اكتشاف الأزمات والتدخل مبكرًا.
• عدم تمجيد العنف والانتقام في الخطاب الاجتماعي والإعلامي، وعدم تحويل المجرمين إلى شخصيات مثيرة للشهرة، مع الحفاظ على كرامة الضحايا وخصوصيتهم.
• سرعة اللجوء إلى القانون عند وجود تهديدات أو نزاعات خطيرة، وعدم الاستهانة بالتهديد بالقتل أو الاعتداء أو الملاحقة.
• نشر ثقافة الصلح والوساطة في الخلافات القابلة لذلك، مع التأكيد أن الصلح لا يكون بديلًا عن القانون في حالات العنف والتهديد والخطر.
• تحقيق قدر أكبر من العدالة والتكافل الاجتماعي ومساعدة من يواجهون أزمات اقتصادية حقيقية، دون أن يعني ذلك أبدًا اعتبار الفقر أو الضغوط المالية مبررًا للجريمة.
وفي النهاية، لا يمكن للصدقة وحدها أن تمنع الجريمة، كما أن القانون وحده لا يستطيع أن يبني مجتمعًا رحيمًا. نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة: قانون يحمي ويردع، وتربية تُهذّب السلوك، ودين يرسخ قدسية النفس وحرمة الدم، وتعليم ينمّي الوعي والمسؤولية، ودعم نفسي واجتماعي يعالج الأزمات قبل انفجارها، وتكافل حقيقي يجعل الإنسان يشعر بأن هناك مجتمعًا يقف إلى جانبه ولا يتركه وحيدًا في مواجهة أزماته. رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ مجتمعنا من العنف والانتقام، وجعل الرحمة والعقل والحوار والعدل هي الطريق عند الاختلاف، وألا تتحول خلافات المال والمصالح إلى مآسٍ يدفع ثمنها أبرياء لا ذنب لهم.





