كمال زاخر
الإثنين 10 أغسطس 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العام 2009 اصدرت كتاب "العلمانيون والكنيسة ـ صراعات وتحالفات" وقدمت نسخته الأولى إلى قداسة البابا شنودة الثالث بالمقر البابوي، وعندما جلس قداسة البابا تواضروس الثاني بادرت بإهدائه نسخة من الكتاب ومعها الكتب اللاحقة وتوصيات مؤتمرات العلمانيين اللاحقة عليه (2006 ـ 2010)، انطلاقاً من أننا نعمل تحت مظلة الكنيسة ولصالحها.
وعندما عدت مجدداً لهذا الكتاب وجدت ـ بعد نحو عقدين من الزمان ـ أن قضاياه التي تناولها، في مجملها، مازالت قائمة ومازالت تنتظر فحصاً وقراءة ودراسة للوصول إلى حلول ومعالجات لحساب الكنيسة في عالم صار أكثر تعقيداً وشراسة.
ربما لهذا رأيت أن أعيد نشر مقدمة الكتاب ـ كما هي ـ بلا زيادة أو نقصان. أقدمها لأجيال لم تعاصر تلك الحقبة، ولأجيال اسقتطها ـ سهواً أو عمداً ـ من ذاكرتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة كتاب "العلمانيون الكنيسة ـ صراعات وتحالفات"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يحدث أن تباينت المواقف، ومن ثم ردود الأفعال، مثلما حدث مع ظهور "العلمانيون" كتيار فكرى فى الشارع القبطى بل والمصرى بالأساس، إذ تراوحت تلك المواقف وردود الأفعال بين اعتبارهم تياراً إصلاحياً طال غيابه وبين اعتبارهم تياراً هداماً تم زرعه داخل الكنيسة من جهات "ما" لتقويض وهدم مسيرة النهضة التى يقودها قداسة البابا شنودة الثالث، ولم يتوقف واحد من الرافضين ليقرأ ما قدموه من رؤى ودراسات وأوراق أو لتحليل ما عقدوه من مؤتمرات وما خرجوا به من توصيات.
ويحسب لتحرك العلمانيين أنه كشف عن واقع محمل بالإشكاليات بأكثر مما هو ظاهر على السطح وأخطر مما يتصور الغالبية من الكنسيين، الأمر الذى يتطلب تحركاً أكثر عمقاً بعيداً عن ثقافة التخوين والتكفير والتشكيك والمؤامرة، التى إخترقت المجتمع العام وانتقلت منه إلى المجتمع الكنسى القبطى وفقاً لنظرية الأوانى المستطرقة، وحتى يكون التحرك فاعلاً كان لابد أن يعتمد الحوار كآلية للعمل فى موضوعية وشفافية، والإنتقال من نسق المنولوج إلى الديالوج، وهو عين ما حرص عليه التيار العلمانى فى حراكه.
ولعل المصادمة جاءت من الطريقة التى قدم بها "العلمانيون" انفسهم، فلم يعتد الأقباط ـ الكنسيون تحديداً ـ على طرح إشكالياتهم البينية طرحاً عاماً وبعيداً عن الغطاء الكنسى، خاصة فى العقود الثلاثة الأخيرة، بينما يأتى العلمانيون ليتناولوا فى طرحهم أزمات الكنيسة ونمط إدارتها بشكل علنى متاح للكافة، الأمر الذى حسبه البعض كشفاً غير لائق لمستور يجب أن يظل متوارياً بعيداً فى ركن قصى فى أروقة الكنيسة الخلفية، وقد نتفهم هذا على خلفية الإحتقان الطائفى الذى حل بالمجتمع، وحالة التربص التى باتت نمطاً معيشياً داخله، وإن كان هذا التصور يكشف عن واقع كنسى بحاجة إلى تحليل وتقييم ومن ثم إلى تقويم، فمن المفترض ألا يكون لدينا ما نخفيه أو نخجل منه.
وهناك من يرى أن حدة الرفض التى تواجه به هذا التيار يرجع لأنه جاء فى توقيت رتب فيه البعض من القريبين للقيادة الكنسية أوراقهم وراحوا ينسقون خطوات التوريث، فى استقراء لمقبل الأيام تأسيساً على شيخوخة البابا البطريرك، وتعرضه لنوبات متوالية من اعتلال صحته، فى استغلال لثقته المفرطة منه لهم، وفى غياب رؤية تنظيمية واضحة تضبط حركة الكنيسة الإدارية، وقد اعطوا لأنفسهم حقوقاً ليست لهم وأوغلوا فى التعسف فى استخدام السلطة حتى صارت اسماؤهم لصيقة الإرتباط بالقهر وبث الرعب فى أروقة الكنيسة.
فجاءت رياح العلمانيين لتبعثر تلك الأوراق وتربك اصحابها، فما كان منهم ـ حماية لمصالحهم التى استقرت وأحلامهم التى تراودهم ـ إلا إثارة العامة والشباب ضد هذا التحرك، فى ظرف اجتماعى وسياسى موات .
والقريبون من مسرح الإحداث يعرفون مدى حساسية وخطورة موقع الكرسى البابوى، وقد صار ذا أبعاد محلية ودولية، ولا يمكن إغفال تأثيره على توجه الأقباط الاجتماعى والسياسى، وقد عمقه غياب الحراك السياسى وضعف الدور الحزبى إضافة إلى إستبعاد الأقباط من المشاركة الفاعلة فى الشأن العام بفعل ضغط تيارات الإسلام السياسى التى تجد لها صدى عند بعض أجنحة الحكم، وقد مدت أذرعها لتخترق مؤسسات عدة، فى وجود قيادة كنسية تملك خلفية ثقافية وسياسية وحضوراً كَرَس توجه لعب الكنيسة لدور سياسى.
وهذه القيادة تمرست فى العمل الجماهيرى والإعلامى منذ حقبة الأربعينيات من القرن المنصرم، ربما يكون الهم السياسى قد فرض عليها كنتيجة لصعود وتوغل تيارات الإسلام السياسى التى أطلت على الشارع المصرى متواكبة مع تولى قداسته مهام الباباوية ، وهو توغل بدأ بترتيب وإرادة القيادة السياسية، والذى خلق مناخاً محتقناً طائفياً بفعل المد الإرهابى للجماعات السلفية الإسلامية التى دخلت فى مواجهات دامية مع النظام ـ عندما لم تقنع بما حُدد لها من دور ـ وكان وقود المواجهة والمصادمة الغالب هو الأقباط.
وقد استشعرت القيادة السياسية فى بداية الثمانينيات من القرن الماضى ما حسبته تطلعاً كنسياً للعب دور سياسى، ولم تحتمله، حتى انفجر البركان فى سبتمبر 1981، عندما صدر قرار رئيس الجمهورية بعزل البابا والتحفظ عليه بدير الانبا بيشوى بصحراء وادى النطرون، وهو القرار الذى وجد ترحيباً فى البرلمان عبرت عنه الصورة التى نقلتها شاشات التلفزيون بالتصفيق المدوى الهستيرى الذى أعقب إعلان القرار، وهى صورة تكشف جانباً من حجم الإحتقان، والإختراق الطائفى، الذى وجد له مكاناً عند مؤسسة ذات ثقل سياسى وشعبى وتشريعى، وهذا القرار جاء ضمن حزمة من القرارات العصبية التى قادت إلى حادث المنصة بعدها بنحو شهر، 6 اكتوبر 1981، حين أغتيل الرئيس السادات ـ صاحب تلك القرارات ـ على يد عناصر من تلك الجماعات الإرهابية .
وبات السؤال؛ ماذا بعد غياب البابا ؟، هل تملك الكنيسة آليات أو رؤى محددة لإستمرارها فى تبنى ذات التوجه ؟، وهل يمكن تكرار المصادمة حينئذ، وهل تحتملها الكنيسة والوطن؟، وهل يملك البابا القادم أدوات وخلفيات البابا شنودة؟، وهل هذا التوجه ـ والقراءة الرسمية والكنسية له ـ دقيقاً؟.
الأسئلة واجاباتها المتعددة، الواقعية والإحتمالية، تحمل معاً نُذر كارثية، عمقت الحاجة إلى تحرك منظم يعيد قراءة واقع الكنيسة بموضوعية، حتى تعود مسيرة الكنيسة إلى مسارها الصحيح الذى من أجله تعمل وبه تحيا وإليه تصبو، وهو قيادة النفوس فى طريق الأبدية وفق ما حُمِّلت به من السيد المسيح نفسه ووفق ما رتبه الآباء،
على خلفية هذا يأتى التحرك العلمانى.
ربما لهذا تعمق توجه الرفض الذى قوبل به التيار العلمانى الوليد من كثيرين، حتى وصل إلى التشكيك فى الإنتماء الكنسى بل والدينى بجملته، وذهب للمطالبة بمحاكمة عناصره وعزلهم من الكنيسة، بل اعتبر البعض أن الأمر ليس بحاجة إلى محاكمة، فإدانتهم محسومة بغير حاجة إلى شهود، وكانت الأصابع الممسكة بخيوط الهجوم فى أغلبها لأناس استقرت لهم مصالح ومواقع يخشون عليها من طرح العلمانيين.
وكان هناك من هالهم ـ وقد استغرقتهم ماكينة الإعلام الكنسى ـ أن نقول بسلبيات ومآخذ على عصر قداسة البابا شنودة الثالث ـ بحسب عريضة الإتهام التى أعدها البعض ضدنا ـ وهو المشهود له، برأيهم، من البعيدين والقريبين بدوره النهضوى، ويلمس الكافة ما قدمه للكنيسة، ويكفى أنه تعرض للإعتقال والنفى بعد تصادمه مع القيادة السياسية بسبب مواقفه ودفاعه عن حقوق الأقباط.
فضلاً عن امتداد الخدمة الكنسية لتصل إلى أقصى المسكونة فى كل قارات العالم وبلاد المهجر، ومد خيوط التواصل والحوار مع الكنائس الأخرى عبر اللقاءات الثنائية أو عبر عضوية مجلس كنائس الشرق الأوسط أو مجلس الكنائس العالمى.
وعلى المستوى المحلى يشيرون إلى المد التعليمى والإهتمام بالشباب حتى خصص لها أسقفية خاصة توليهم إهتماماً يغطى الكرازة بأسرها والسنة بكاملها، وغيرها الكثير كنهضة الأديرة والرهبنة وامتداد الخدمة الى القرى والنجوع وازدهار حركة التأليف فى مجالات الكتب الطقسية والروحية والتفسيرية بشكل غير مسبوق.
ولا يمكن هنا إغفال دور الإعلام فى صناعة النجم الشعبى ، فقد وجد الشارع القبطى فيه القيادة القادرة على تجسيد أحلامه على خلفية الإستبعاد المتواتر لهم من المشاركة فى الشأن العام، وإن كان هذا يأتى فى سياق استبعاد عام كرسته ثورة يوليو منذ يومها الأول حينما تبنت النهج الأبوى وانقلبت على الديمقراطية بزعم أنها لا تتفق مع مرحلة بناء المجتمع الجديد فرّحلتها إلى أجل غير مسمى.
ولم يلتفت كل هؤلاء أننا لسنا بصدد تقييم "شخص" البابا أو نقده، فتلك مهمة لا نملك أدواتها، ولا نسعى إلى إنكار انجازات عصره، أو التقليل من جهد مبذول، لكننا بصدد رصد إشكاليات تعوق مسيرة الكنيسة نحو تحقيق هدفها المحملة به وقراءة الواقع ووضع اصابعنا على اشكالياته وطرح رؤى حلها إلزام وواجب، حتى تستطيع الكنيسة أن تنقى هذا الواقع لتأتى بثمر أكثر.
ويأتى التحرك العلمانى إنطلاقاً من فرضية مستقرة؛ أن الكنيسة مع كونها جسد المسيح، فهى أيضاً تجمع بشرى يحمل كل محدودية البشر ويظل بحاجة مستدامة لمراجعة واقعه قياساً على النموذج الآبائى وتقليده الصحيح ، وصولاً الى قياس قامة ملء المسيح.
وتأتى صفحات هذا الكتاب لا لتدافع عن تجربة العلمانيين، فتكفى أوراقهم التى قدموها فى مؤتمراتهم عبر سنتين لتقوم بهذه المهمة، ولا لتبرئ ساحتهم أمام قوائم الإتهام والمحاكم التى نُصبت لإدانتهم، وجاءت فى غالبها من غير ذى صفة أو دراية، لذلك فهم يحيلون قضيتهم للتاريخ الذى حتماً سينصفهم، بعيداً عن سطوة اللحظة وزيف الحشد الصارخ "أصلبه ..أصلبه"، بل تأتى وريقات هذا الكتاب ساعية إلى قراءة الدور الشعبى فى ادارة الكنيسة .. ولتنبه إلى حتمية العمل الرسمى داخلها لوضع تقنين كنسى موثق ومكتوب يضبط حركتها بشكل معاصر على أرضية التقليد الآبائى .وتعيد قراءة فترة من أخصب الفترات الكنسية وأكثرها ثراءً فى الحراك الشعبى الذى قاوم محاولة اختطاف الكنيسة والقضاء على توجهها الشعبى، فى القرنين الماضيين، وتكشف تفاعلات وهموم شباب الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. وتقرأ أوراق فصيل فاعل منهم "جماعة مدارس الأحد"، تقارن ماذا قالوا حينها ... وماذا نفذوا عندما دانت لهم مقاليد قيادة الكنيسة.
ومن خلالها نتتبع خط سير فكر هذه المجموعة تحديداً فى سنوات (47ـ 54)، ثم بعد أن إنتقلوا من صفوف العلمانيين إلى صفوف الإكليروس الأمامية فى شخص رئيس تحرير مجلة مدارس الأحد الأستاذ نظير جيد، والذى تركها للرهبنة 18 يوليو1954، ليصبح راهباً بإسم الأب انطونيوس السريانى ـ ثم رُسم أسقفاً للتعليم 30 سبتمبر1962، وفى يناير1965 يصدر مجلة جديدة بإسم "الكرازة" ويرأس تحريرها، والتى إستمر اصدارها الأول من يناير1965 حتى اكتوبر1967، ثم تتوقف بعد المصادمة التى حدثت بين البابا كيرلس واسقف التعليم والتى اقتضت عودة الأسقف إلى الدير، ثم يعاد لمهام عمله ولم تعد المجلة، ثم تعاود الظهور بنفس الشكل والحجم، مع تتويج البابا شنودة، فى عددين، الأول يضم شهور يناير وفبراير ومارس1972، وهو عدد احتفالى خصص لسرد مسيرة انتخاب البابا الجديد واختياره بالقرعة الهيكلية، بعد انتخابات جرت بين المرشحين، ثم "تتويجه" بحسب وصف المجلة كبابا، وتنتهى المجلة بمتابعة رسامة اسقفين للغربية والبحيرة، وقد حفل العدد بنحو 180 صورة تسجل رحلة رسامة البابا واستقبالاته ونشاطاته، والعدد الثانى يضم شهور يونيو ويوليو واغسطس، ثم تتحول المجلة إلى شكلها المتداول اليوم، وتحفل المجلة فى إصدارها الأول بالعديد من الإشارات التى نحاول أن نفهم مدلولاتها.
وتقترب من فصيل مواز فى سنوات النشأة "جماعة الأمة القبطية" (1952ـ1954) والذى لم تقف توجهاته عند إصلاح الكنيسة وحسب بل سعى إلى بعث الحياة فى الأمة القبطية بالمعنى المجتمعى، ليصبح الأقباط، بحسب رؤية الجماعة، شركاء حقيقيون فى وطن لكل المصريين، وهو ما عجل بمحاصرة تلك الجماعة والقضاء عليها.
نقلب فى بعض الأوراق المتاحة عن هذه الجماعة بعد أن تضاربت الآراء حولها، وأُختزلت فى حادثة إختطاف البابا يوساب الثانى، فبدت وكأنها تشكيل عصابى متمرد، ولم يلتفت أحد إلى طرحها الفكرى ورؤيتها، ساعد على ذلك صمت قادتها، واعتزالهم العمل العام، وقد إجتمعت ضدهم تيارات عدة لم تجتمع ـ بحكم تضارب توجهاتها ومصالحها ـ فى غير ذلك.
وفى سياق التفاعل مع إهتمامات الشارع القبطى، وربما المصرى بجملته، نفسح مساحة مناسبة لثلاث إشكاليات على قدر كبير من الأهمية:
إشكالية إنتخاب البابا البطريرك، فى ضوء المتغيرات التى شهدتها الكنيسة عبر النصف الأخير من القرن العشرين، وتنامى دور الكنيسة المجتمعى والإنسانى، وما استتبعه من تقاطعات مع الشأن السياسى، محلياً أو إقليمياً أو على الساحة الدولية، على خلفية الإمتداد الجغرافى للكنيسة فيما يعرف بكنائس المهجر.
ولا نتوقف فقط عند طرح ما يراه التجمع العلمانى فيها لكننا نطرح العديد من الإسهامات البحثية
لأجيال مختلفة طرحت خلال ستين سنة (1947ـ2007)، تؤكد أهمية أن نحسمها كنسياً بشكل جاد وموضوعى، اليوم لا غداً.
إشكالية المشاركة الشعبية فى إدارة الكنيسة، فيما عرف تاريخياً بـ "المجلس الملى" تلك التجربة الملتبسة والمنتجة لتاريخ طويل وممتد من المصادمات بين الإكليروس والعلمانيين منذ لحظة والولادة، وخاصة بعد تفريغه من مضمونه عبر ما شهدته البلاد من تطورات سياسية كان لها أثارها السالبة لإختصاصات ذلك المجلس ودوره، فى تواز مع التطور المتسارع فى نظريات وطرق الإدارة، واختلاف الموارد الكنسية وتعدد المصارف والإحتياجات، وحاجتها للتوظيف التنموى لمواردها دعماً لرسالتها، وتفعيلاً لنظرية الإدارة بالأخرين، فى توظيف حقيقى لثراء التنوع الذى للشارع القبطى المدنى (العلمانى).
إشكالية المحاكمات الكنسية، وهى بمثابة صداع فى رأس الكنيسة، ولا يمكن النظر إليها بعيداً عن رسالة الكنيسة وطبيعة تكوينها، ولا يمكن حصرها فى جانبها الإجرائى ـ على أهميته ـ وحسب، أو باعتبارها شأناً كنسياً يختص به الإكليروس وحدهم، إذ تمتد آثاره لكل الكنيسة، فتطول المدنيين أيضاً، بحسب قراءة واقع الحال والنماذج العديدة التى طالتها، وتتعمق الأزمة عندما تسند إلى شخوص غير مستوعبين لرسالة الكنيسة وهدفها، أو ربما كانوا بحاجة إلى الخضوع لعلاجات نفسية.
ولعل علامة الإستفهام التى تبحث عن إجابة، بل وتعد الدافع الرئيسى لإهتمام التجمع العلمانى بهذه الإشكالية، هى كيف يستساغ وقد عبرنا مشارف القرن الواحد والعشرين، وفى ضوء حتمية التوثيق والتقنين، مازلنا نتعاطى ضبط العلاقات البينية فى مؤسسة بحجم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وفقاً للعرف والتقدير الشخصى؟!، وبحدة مشخصنة تمتد أثارها إلى الأبدية، بحسب الذهنية القبطية الشعبية.
وتشير وريقات الكتاب إلى مجمل رؤية التيار العلمانى فى ضوء القراءة للجذور، فى محاولة للإجابة على الأسئلة التى صاحبت الإعلان عن ميلاده وصاحبت فعالياته ومازالت تلاحقه بل وتتعقبه. فتوضح، عبر فصل تذكيرى وثائقى، مجمل نشاط التجمع العلمانى وما طرحه من أفكار ورؤى عبر اللقاءات والمؤتمرات التى عقدها، وتناول فيه الشأن الكنسى والشأن العام، وفى سياق ذلك نوضح من نحن، وما هى القواعد والأطر الحاكمة لتحركنا وطرحنا، فى يقين كامل بأننا ـ شأن كل التجارب الإنسانية ـ لا نزعم الكمال بل نقر بأننا نعيش تجربة وليدة، ليست منبتة الصلة بالتجارب السابقة، وليست وليدة لحظة إنفعالية تتبنى نهج تصفية الحسابات كما يزعم منتقدوها، لذا فنحن نحرص على تقييمها تباعاً، نرصد سلبياتها ونقومها وننقيها.
وتتوقف الأوراق ملياً عند إشكالية "أقباط المهجر"، المسمى والحراك، فى محاولة لقراءة دورهم الكنسى والوطنى، خاصة وقد ذهب البعض إلى تحميلهم مسئولية الإحتقان الطائفى واتهامهم بالإستقواء بالخارج، فيما يراهم أخرون أنهم الصوت الصارخ فى الخارج لرفع الظلم الواقع على أقباط الداخل، فى إطار تداعيات العولمة وعلى خلفية المد الحادث لمنظمات حقوق الإنسان وصعود نسق المواطنة، وتغيرات موازين القوى، فى تواز مع المد الطائفى الإجرامى.
ثم تنتهى الأوراق إلى الإقتراب من منظومة الرهبنة باعتبارها واحدة من الآليات الكنسية المؤثرة بل والحاكمة، وباعتبارها منظومة شعبية تولدت بمبادرة علمانية، ووجدت فيها الكنيسة قيمة مضافة لحساب سعيها الرعوى والتدبيرى، نقرأ ضوابطها ونقترب من حاضرها، ونتطارح رؤى تفعيل رسالتها.
وتسعى صفحات الكتاب فى مجملها إلى تكريس ثقافة الحوار الموضوعى والمتجنب لشخصنة الطرح أو مصادرته.فى إقرار بديهى أن ما نطرحه هو رؤية تقبل النقد وتتطلب الإستزادة والتصحيح والمراكمة، وهما ـ الرؤية والطرح ـ لم يأتيا من فراغ بل تأسسا على وقائع وخبرات ممتدة، لكنها تبقى محكومة بما توفر من معلومات وقاعدة بيانات، ومن هنا نأمل أن تنجح فى فتح الباب لحوار ممتد سعياً لولادة منظومة فكرية تقودنا لحل الإشكاليات الكنسية.





