دندراوى الهوارى
لنتفق على أن هناك قضايا تبدأ صغيرة، ثم سرعان ما تكشف تفاصيلها عن أزمة كبيرة، وقصة الفتاة التى قررت أن تصلى داخل المطعم وسط الزبائن، ورفضها الذهاب للمكان المخصص لتأدية الصلاة فى نفس المركز التجارى، ثم تحول اعتراض إدارة المكان على هذا التصرف إلى قضية رأى عام، وموجة اتهامات وتكفير وابتزاز باسم الدين، لخير دليل على ذلك.
فالأمر لم يعد فى حقيقته قصة صلاة فقط. إنها قصة أخطر بكثير، قصة استخدام الدين أداة للضغط، وتحويل الاختلاف فى النهج أو تقدير الموقف، إلى معركة على الإيمان والكفر، ثم توظيف الضجيج على وسائل التواصل الاجتماعى لتقنين أوضاع خاطئة وكارثية، وتوجيه لكمات قاتلة للمختلفين معهم، وابتزاز مؤسساتهم لطردهم وصب اللعنات عليهم.
ولنكن واضحين منذ البداية، وضوح الشمس فى كبد السماء، أن الصلاة فريضة، ولا يجوز الاستهانة بها أو التسخيف منها، والمسلم مطالب بأدائها فى وقتها، لكن الفريضة لا تمنح صاحبها صكوك اقتحام أى مكان كيفما شاء، ولا تجعل كل مساحة عامة، مسجدا بالضرورة، ولا تحول كل اعتراض إدارى إلى عداء للدين، وفى المقابل، لا يجوز لصاحب مكان أن يمنع إنسانا من الصلاة باعتباره شعيرة دينية، إذا كان بالإمكان معالجة الأمر بطريقة محترمة توفر مكانا مناسبا أو تسمح بأداة الصلاة دون تعطيل للمكان أو إيذاء للآخرين، المسألة تحتاج إلى عقل لا إلى صراخ وتكفير.
الكارثة فى قصة الفتاة التى أرادت أن تصلى بين الزبائن، أن بعض الذين تصدروا المشهد، تعاملوا مع الواقعة، وكأن هناك نصا شرعيا صريحا يقول إن المرأة لا يجوز لها مطلقا أن تصلى فى مكان يوجد فيه رجال، وهذا غير دقيق، فالنساء كن يحضرن الصلاة فى المسجد مع الرجال، وكن يقفن فى صفوف النساء خلف صفوف الرجال.
كما ثبت فى الحديث الصحيح أن صلاة المرأة فى بيتها خير لها من صلاتها فى حجرتها، وصلاتها فى حجرتها خير من صلاتها فى دارها، وهو ما يدل على تفضيل الستر والخصوصية فى صلاة المرأة، لا على تحريم أصل الصلاة أمام الرجال تحريما مطلقا.
تأسيسا على ذلك، فإنه يجب ومن الضرورى التفريق بين الحكم الفقهى وبين المزايدة الدينية، فوجود الرجال فى المكان لا يعنى أن الصلاة أصبحت كفرا أو فسقا أو اعتداء على الدين، وفى المقابل، لا يعنى كون الصلاة فريضة وعبادة أن كل مكان يصبح ملزما ومجبرا أن يسمح باستقبالها بالصورة التى يختارها الفرد!
المسألة ملغمة بتفاصيل تتعلق بستر المرأة وطبيعة المكان، وأن يكون هناك موضع لتأدية الصلاة أكثر خصوصية، وعدم تعريض الناس للفتنة أو الإحراج، وعدم تعطيل نشاط المكان، وغير ذلك من الاعتبارات التى يعرفها الفقهاء ولا تختصر فى شعار من نوع الصلاة حق ولا يحق لأحد الاعتراض.
وانطلاقا من هذه الحقائق الثابتة، فإنه ليس من حق أى شخص عادى كان أو ناشطا على مواقع التواصل الاجتماعى، أو حتى متحمسا للدين، أن يوزع أحكاما بالكفر على الناس كما يوزع الاتهامات، فالتكفير ليس شتيمة دينية، وليس وسيلة لتأديب الخصوم، وليس سلاحا يستخدم عندما يفشل الحوار والنقاش، وقد جاء التحذير النبوى الشريف، حاسما وواضحا وصريحا: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، وهو حديث صحيح رواه البخارى ومسلم.
الإشكالية الحقيقية أن بعض الناس يريدون أن يحولوا الدين إلى سلطة اجتماعية فوق القانون وفوق المؤسسات وفوق الآخرين فى إدارة أماكنهم، فإذا اعترض مدير مطعم على سلوك يراه غير مناسب، صار كارها للصلاة وإذا رفض شخص فكرة معينة صار معاديا للدين، وإذا ناقش حكما فقهيا، أصبح متهاونا فى الشرع، ثم تبدأ ماكينات التشهير والابتزاز واغتيال الحقيقة، فى العمل بقوة، يعقبها المطالبة بالإقالة أو الاعتذار وإنزال العقاب، وربما يصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق المكان نهائيا!
يا سادة.. إن الابتزاز الدينى يعد أخطر من الاختلافات ذاتها، لأنه يقتل مساحة الحوار، فحين يدرك الإنسان أن أى اعتراض يمكن أن يجعله متهما فى دينه، فسوف يصمت لا اقتناعا، بل خوفا، وحين تصبح كلمة كافر أسهل من كلمة لماذا، فنحن لا نبنى مجتمعا متدينا، وإنما نؤسس لمجتمع يخشى المتشددين!
أما مصطلح «فقه الضرورة» فلا يمكن توظيفه كشعار مطاطى لتبرير كل تصرف، فالضرورة فقهيا لها شروط وضوابط، وليست مجرد رغبة شخصية فى اختيار مكان معين، ومن ثم فإنه إذا كان هناك مكانا مخصصا للصلاة فى مركز تجارى أو منشأة عامة، ثم اختار مكانا آخر يثير إشكالا مع إدارة المكان، فلا يصح تحويل اختياره الشخصى إلى معركة بين الإيمان والكفر، وعليه الالتزام بقواعد المكان.
وفى زمن السوشيال ميديا، واغتيال الحقيقية بدم بارد، لا ينبغى أن تكون المرأة هدفا للسخرية لأنها صلت، ولا ينبغى أن يكون الرجل هدفا للتكفير لأنه اعترض، ولا ينبغى أن تتحول المؤسسة إلى متهم بازدراء الدين، لأنها حاولت تنظيم مكانها، كل طرف يجب أن يتحمل مسؤوليته، وأن يبقى داخل حدود اللياقة والأدب والقانون.
وفى الأخير، فإن الدفاع الحقيقى عن الدين لا يكون بإهانة الناس، ولا بتكفيرهم، ولا بإجبار المؤسسات على الخضوع تحت إرهاب خناجر الحملات، ولا بتحويل كل خلاف إلى معركة عقائدية، فالدين أقوى من ذلك، والصلاة أكرم من أن تتحول إلى أداة استعراض أو ابتزاز، والتكفير أخطر من أن يصبح «تعليق» مشجع على فيسبوك، ونحن كمصريين على وجه الخصوص، فى حاجة إلى استعادة معنى مهم للغاية، مفاده أن التدين ليس امتلاك الآخرين، وليس من حق أحد أن يصادر عقل غيره باسم الله، ولا أن يتحدث باسم الإسلام ليمنح هذا صكا بالإيمان وينزع من ذاك صك الإسلام.
نقلا عن اليوم السابع





