بقلم أيمن فايز
لماذا كان الأنبا مرقس حكيم مختلفًا؟
هل لأنه كان راهبًا فرنسيسكانيًا؟
أم لأنه كان واعظًا يعرف كيف يفتح الكتاب المقدس، لا ليعرض معرفته، بل ليقود الناس إلى الله؟
أم لأنه أحب الفقير، وشعر بالمسن، واحترم العامل والعلماني، ورأى في الثقافة والكتاب والترنيمة والتكنولوجيا أدواتٍ يمكن أن تخدم الإنجيل؟
ربما كان مختلفًا لأنه جمع أشياءً نظنها متناقضة: روح الراهب وعقل المثقف، بساطة الأب وجرأة الراعي، أصالة الإيمان والانفتاح على العصر.
لكنني أظن أن سره الأعمق ظهر عندما استطاع أن يفعل ما يصعب على كثيرين: أن يترك.
فالإنسان قد يتعلم كيف يصعد إلى الكرسي، لكن قليلين يتعلمون كيف ينزلون عنه بسلام.
عرف الأنبا مرقس التملق، وربما وثق في أشخاص لم يكونوا أهلًا للثقة، وذاق مرارة أن تأتي الجراح أحيانًا من أهل البيت.
لكنه في النهاية لم يجعل الأسقفية معركةً من أجل البقاء، ولم يتعامل مع المنصب كأنه هويته ووجوده.
ترك الكرسي وعاد إلى الدير.
وهنا ربما كانت إحدى أعظم عظاته، تلك التي لم يحتج فيها إلى منبر:
يمكن للإنسان أن يترك السلطة دون أن يفقد قيمته.
بل قد يصبح أكثر حضورًا بعدما يتركها.
لهذا فإن الأنبا مرقس حكيم ليس مجرد ذكرى نضع أمامها الزهور، بل سؤال ينبغي أن يبقى مزعجًا لضمير الكنيسة:
أيها الأسقف، هل تستطيع أن تكون أبًا أكثر منك صاحب سلطان؟
أيها الكاهن، هل تحب شعبك أم تحب مكانتك بينهم؟
أيها الراهب، هل ما زال الدير يسكن داخلك بعدما خرجت منه إلى المسؤولية؟
وأيها العلماني، هل تبحث عن كنيسة الإنجيل أم عن دوائر النفوذ والمصالح؟
لقد رحل الأنبا مرقس عن الكرسي، ثم رحل عن عالمنا، لكن المفارقة أنه ما زال حاضرًا.
لأن بعض الناس يحضرون بالمناصب، فإذا زالت غابوا.
وبعضهم يغيبون بأجسادهم، فإذا بهم يصبحون أكثر حضورًا.
وهذا هو الغائب الحاضر:
رجلٌ أثبت أن الكرسي يمكن أن يفقد صاحبه،
أما الأب الحقيقي… فلا تفقده الكنيسة.





