حين يصبح تغيير الوجوه بديلاً عن تغيير المنهج

بقلم: أيمن فايز

هناك وهمٌ يتكرر حتى أصبح جزءًا من ثقافتنا. كلما تعثرت مؤسسة، أو ضعفت كنيسة، أو اهتزت أسرة، أو فقد المجتمع ثقته بقياداته، كان أول ما نفكر فيه هو تغيير الأشخاص. نغيّر المدير، وننتخب رئيسًا جديدًا، ونعيد تشكيل اللجان، ونبدّل الأسماء على أبواب المكاتب، ثم ننتظر نتائج مختلفة، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا: هل تغيّر المنهج، أم اكتفينا بتغيير أصحابه؟

لقد رحل كثيرون، وجاء كثيرون، لكن الفشل بقي في مكانه؛ لأنه لم يكن يومًا مقيمًا في الأشخاص وحدهم، بل في الثقافة التي تديرهم، وفي العقلية التي تصنع القرار، وفي منهجٍ يرفض أن يراجع نفسه. فالوجوه تتبدل، أما الأفكار الجامدة فتبقى، ولهذا تتكرر الأخطاء، وإن اختلفت الأسماء.

ولعل أول ما ينبغي أن نعترف به أن الأزمة ليست دائمًا أزمة موارد، بل كثيرًا ما تكون أزمة إدارة. فكم من مؤسسة بدأت بإمكانات متواضعة، ثم أصبحت مدرسة في النجاح، لأنها امتلكت رؤية، وأدارت القليل بحكمة. وكم من مؤسسة أغرقتها الأموال، لأنها فقدت البوصلة، فأصبحت المشاريع غاية، بعد أن كانت وسيلة، وصار التقرير أهم من الأثر، والصورة أهم من الإنسان.

لقد أصبح بعضنا يجيد كتابة مقترحات التمويل أكثر مما يجيد صناعة التنمية. نبحث عن الممول قبل أن نبحث عن الفكرة، وننتظر المنحة قبل أن نستثمر الإنسان، حتى غدت التنمية عند البعض مرتبطة بالعقود، لا بالقدرات، وبالموازنات، لا بالإبداع. والسؤال الذي لا بد أن يؤرقنا: هل نبني مؤسسات تعيش برسالتها، أم مؤسسات تعيش على التمويل؟

ثم نصل إلى العقدة الأكثر حساسية: هل نقدم أهل الكفاءة، أم أهل الثقة؟ فالثقة فضيلة، لكنها لا تعوض نقص الخبرة، والولاء قيمة، لكنه لا يجوز أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وحين يصبح التصفيق أقرب إلى القيادة من الرأي الحر، وحين يُكافأ الصمت أكثر من المبادرة، تبدأ المؤسسة في فقدان قدرتها على التجدد، لأنها تستبعد من يصحح مسارها، وتحتفظ بمن يؤكد لها أنها على صواب دائمًا.

والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات لا تكتفي باختيار أهل الولاء، بل تعيد تشكيل أدوات الرقابة نفسها لتصبح جزءًا من منظومة الولاء. فيتحول المستشار القانوني من حارسٍ للعدالة إلى مفسّرٍ للنصوص بما يرضي الإدارة، فتُفصَّل اللوائح على مقاس الأشخاص، لا على مقاس المبادئ. وما كان ينبغي أن يكون ميزانًا، يصبح وسيلة لتبرير القرار.

وكذلك الشأن في الإدارة المالية؛ فليست المشكلة في حفظ الأسرار، فالأمانة المهنية تقتضي ذلك، لكن الكارثة تبدأ عندما تُستخدم السرية لحماية الأخطاء بدل حماية المؤسسة، وعندما يصبح الصمت شهادة إخلاص للمسؤول، لا شهادة وفاء للحقيقة. فالقانون، والرقابة، والمال، لم تُوجد لحماية الكراسي، بل لحماية المؤسسة من أخطاء أصحاب الكراسي.

ولعل أكثر المفارقات إيلامًا أننا نتغنى بثقافة التطوع، لكننا نمارس ثقافة مختلفة تمامًا. نطلب من المتطوع أن يدفع ثمن الرسالة وحده؛ من وقته، وجهده، وماله، وصحته، بينما يصبح الحديث عن امتيازات المسؤولين، أو رواتبهم، أو مكاتبهم، أو كثرة مستشاريهم، منطقةً محرمة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
أي رسالة هذه التي تجعل التضحية واجبًا على القاعدة، وامتيازًا للقمة؟

إن القيادة ليست أول من يأخذ، بل أول من يعطي. وليست أول من يتصدر الصورة، بل أول من يتحمل المسؤولية. فالقائد الحقيقي لا يقاس بما يحصل عليه من المؤسسة، بل بما يتنازل عنه من أجلها. وعندما يصبح المنصب بابًا للمكاسب بدل أن يكون بابًا للتضحيات، تفقد الرسالة معناها، ويتحول التطوع من قيمة إنسانية إلى وسيلة لسد عجز مؤسسة فقدت قدرتها على مراجعة نفسها.

أما ثقافة التقييم، فهي الغائب الأكبر في كثير من مؤسساتنا. فإذا نجح العمل، صُنع للمسؤول مجدٌ شخصي، وإذا تعثر، بدأ البحث عن موظف صغير أو متطوع بسيط يحمل وحده وزر الإخفاق. وكأن المنصب يمنح حصانة من النقد، وكأن السلطة تعفي صاحبها من المساءلة.

المؤسسات لا تنهار يوم تفشل، بل يوم تتوقف عن مراجعة نفسها، ويصبح النقد تهمة، والمجاملة فضيلة، والولاء بديلًا عن الكفاءة.

عندها لا يعود الفشل حادثة عابرة، بل يتحول إلى ثقافة. ولا تصبح المشكلة في قلة المال، أو ضعف الإمكانات، أو نقص العاملين، بل في طريقة التفكير التي تدير كل ذلك، وفي الخوف من الاعتراف بأن الخلل قد يكون في القمة قبل أن يكون في القاعدة.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقرار إداري، ولا ببيان صحفي، ولا بتغيير أسماء على أبواب المكاتب. الإصلاح يبدأ عندما نمتلك شجاعة السؤال قبل أن ندّعي امتلاك الإجابة، وعندما نقبل أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين، وأن نراجع المنهج قبل أن نغيّر الوجوه.

فالنهضة لا تصنعها الوجوه الجديدة، بل تصنعها عقول جديدة، وثقافة جديدة، ومنهج جديد يؤمن بأن الرسالة أكبر من المنصب، وأن الإنسان أهم من المشروع، وأن الكفاءة ليست تهديدًا للقيادة، بل ضمانة لنجاحها، وأن القانون ليس خادمًا للمسؤول، بل حارسًا للمؤسسة، وأن المال ليس غاية، بل وسيلة، وأن التطوع ليس استغلالًا لطيبة الناس، بل شراكة في حمل الرسالة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يلاحق كل مسؤول، وكل موظف، وكل متطوع، وكل أب وأم، وكل قائد روحي واجتماعي:
إذا كان كل الذين سبقونا قد رحلوا… فلماذا بقي الفشل؟
لعل الإجابة ليست فيمن رحل، بل في ما لم نجرؤ نحن على تغييره.
✍ أيمن فايز