بقلم الفنان أيمن فايز عطية
لا تسقط المؤسسات العريقة عندما يشتد هجوم خصومها، فالهجوم الخارجي غالبًا ما يكون متوقعًا. لكنها قد تتعثر حين تُخطئ في تمييز من يستحق الثقة، فتمنح مفاتيحها لمن لا يحمل رؤيتها، وتُقصي أصحاب الضمير لأن كلماتهم لا تُرضي، بل تُوقظ.

فالخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من خارج الأسوار، بل قد ينمو داخلها، حين تختلط المجاملة بالحكمة، والولاء بالمصلحة، والصمت بالإخلاص. عندها يصبح صاحب الرأي المستقل مصدر إزعاج، بينما يعلو شأن من يجيد ترديد ما يرغب الآخرون في سماعه.

إن أخطر لحظات أي منظومة ليست عندما يهاجمها خصومها، بل عندما تتبنى، من حيث لا تدري، أفكارهم، وتستبدل معاييرها بمعاييرهم، حتى يصبح القرار صادرًا من داخل المؤسسة، لكنه يخدم اتجاهًا آخر.

ليس كل من اقترب من دائرة القرار كان حارسًا لها، وليس كل من اختلف كان خصمًا. فكم من صوتٍ صادق أُبعد لأنه قال الحقيقة، وكم من صوتٍ مُزيَّن اقترب لأنه أتقن فن الموافقة.

الثقة نعمة، لكنها حين تُمنح بلا بصيرة، تتحول إلى ثغرة ينفذ منها كل ما لم يكن ليستطيع الدخول بالقوة. ولهذا، فإن المؤسسات لا تحتاج إلى مزيد من المصفقين، بقدر حاجتها إلى أصحاب ضمير يملكون شجاعة الاختلاف، لأن الاختلاف المخلص يحمي، أما الاتفاق المصطنع فيُخدِّر حتى تأتي لحظة السقوط.

ويبقى السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها، قبل أن تبحث عن خصومها في الخارج:
هل دخل العدو من الباب… أم أننا نحن من فتحنا له باب الثقة؟