هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
في جرائم القتل، قد تكشف الجريمة عن نفسها من خلال لحظة واحدة دامية، وقد تكشف – في جرائم أخرى – عن مشروع إجرامي متكامل سبقت فيه النتيجة النهائية سلسلة من الأفعال والتدابير والإعدادات التي لا يمكن تفسيرها بأنها وليدة اللحظة أو نتيجة انفعال عابر.
 
والواقعة التي شهدتها منطقة النرجس بالتجمع الخامس، بحسب المعطيات المتداولة وما أسفرت عنه إجراءات البحث والتحقيق، إذ تكشف وقائعها عن تسلسل إجرامي متعدد المراحل، بدأ بخلاف مالي سابق، ثم تحول إلى دافع للانتقام، أعقبه إعداد وسيلة التنفيذ، واستدراج رب الأسرة، وإطلاق النار عليه، ثم استدراج زوجته وابنتيه بالخداع، والتخلص منهن، مع إخفاء الجثامين ومحاولة طمس معالم الجريمة.
 
وهنا لا نكون أمام واقعة قتل عارضة نشأت في لحظة غضب، وإنما أمام وقائع متتابعة – إذا ثبتت على النحو المتداول – يكشف ترابطها عن تصميم سابق على ارتكاب الجريمة، وإعمال للفكر والتدبر، واختيار للوسيلة والتوقيت والمكان، ثم تربص بالمجني عليهم ومباغتتهم، بما تتوافر معه أركان القتل العمد المشدد بسبق الإصرار والترصد.
 
وتزداد خطورة الواقعة أن المجني عليهم لم يكونوا شخصًا واحدًا، وإنما أسرة كاملة، وأن تنفيذ الجريمة – بحسب المعطيات – لم يتم في واقعة واحدة عفوية، بل عبر مراحل متعاقبة، وهو ما يمثل قرينة قوية على أن إرادة القتل لم تنشأ لحظة التنفيذ، وإنما سبقتها مرحلة من التفكير والتخطيط والإعداد.
 
ومن ثم، فإن السؤال القانوني ليس: هل وقعت جريمة قتل فقط؟ وإنما السؤال الأهم هو: هل تكشف وقائع الدعوى عن قتل عمد سبقته إرادة إجرامية مستقرة وتصميم سابق، وصاحبه تربص بالمجني عليهم ومباغتة لهم؟
 
والإجابة – في ضوء المعطيات محل التحليل – هي توافر كل من سبق الإصرار والترصد.
 
أولًا: القتل العمد ثابت من طبيعة الأفعال ووسيلة ارتكابها
جريمة القتل العمد تقوم متى ثبت أن الجاني تعمد إزهاق روح المجني عليه.
 
وفي الواقعة محل البحث، فإن إطلاق النار على المجني عليه من سلاح ناري، وإصابته إصابات أودت بحياته، لا يمكن تفسيره – متى ثبتت هذه الوقائع فنيًا – إلا في إطار فعل مادي عمدي اتجهت إرادة مرتكبه إلى إزهاق الروح، ولا سيما إذا كان إطلاق النار قد تم من مسافة وفي مواضع قاتلة، على النحو الذي يكشف عنه تقرير الصفة التشريحية.
 
ولا يشترط لإثبات نية القتل أن يقر الجاني صراحة بأنه أراد إزهاق روح المجني عليه؛ إذ إن القصد الجنائي من الأمور الباطنة التي تستخلصها محكمة الموضوع من الظروف والملابسات الخارجية المحيطة بالفعل.
 
ومن ثم، فإن: السلاح الناري + إطلاق الأعيرة + مواضع الإصابة + جسامة الإصابات + حدوث الوفاة + سلوك الجاني قبل الواقعة وبعدها تتساند جميعها في الكشف عن القصد الجنائي.
 
ثانيًا: الباعث على الجريمة يكشف عن جذور التصميم الإجرامي
تفيد المعطيات محل البحث بوجود خلافات مالية سابقة بين المجني عليه والمتهم، وأن مبلغًا ماليًا كان محور الخلاف.
 
والخلاف المالي في ذاته لا يمثل دليلًا على سبق الإصرار، وإنما تكمن أهميته في أنه يكشف – عند اقترانه بباقي الوقائع – عن الباعث الذي يمكن أن تكون قد نشأت عنه فكرة الانتقام.
 
فإذا ثبت أن المتهم لم يكتف بمجرد الخلاف، وإنما انتقل من مرحلة النزاع إلى مرحلة التفكير في الانتقام، ثم أعد السلاح، وحدد المجني عليه، واستدرجه إلى مكان التنفيذ، وأطلق عليه النار، فإننا ننتقل قانونًا من مجرد وجود باعث إلى وجود تصميم سابق على تنفيذ جريمة القتل.
 
وهنا يصبح الخلاف السابق جزءًا من سلسلة متكاملة من القرائن، وليس دليلاً منفردًا على سبق الإصرار.
 
ثالثًا: سبق الإصرار هو تصميم سابق على الجريمة بعد تدبر وروية
نصت المادة 231 من قانون العقوبات على تعريف سبق الإصرار بأنه: “القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جناية أو جنحة يكون غرض الفاعل منها إيذاء شخص معين أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه…”
 
ومؤدى ذلك أن سبق الإصرار لا يعني مجرد وجود نية للقتل، وإنما يعني أن تكون هذه النية قد استقرت لدى الجاني قبل التنفيذ بعد أن أعمل فكره ودبر أمره.
 
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن سبق الإصرار حالة ذهنية لا يستدل عليها مباشرة، وإنما تستخلص من الظروف والأمارات والمظاهر الخارجية التي تكشف عنها.
 
وأن وجود تلك الوقائع في الجرائم الماثلة تكشف عن التفكير السابق والتدبير والإعداد يجعل استخلاص سبق الإصرار استخلاصًا سائغًا. (الطعن رقم 436 لسنة 95 قضائية، جلسة 17 فبراير 2026)
 
رابعًا: في الواقعة محل البحث.. عناصر سبق الإصرار لا تقوم على قرينة واحدة وإنما على منظومة متكاملة

إذا أخذنا الوقائع الواردة محل التحليل كوحدة واحدة، فإننا نجد أمامنا عدة عناصر متتابعة:-
أولًا: وجود خلاف سابق بين المتهم والمجني عليه.
 
ثانيًا: تحول الخلاف – بحسب المعطيات – إلى رغبة في الانتقام.
 
ثالثًا: إعداد سلاح ناري.
 
رابعًا: تحديد المجني عليه واستدراجه إلى اللقاء.
 
خامسًا: تنفيذ الاعتداء المسلح عليه وإزهاق روحه.
 
سادسًا: عدم انتهاء السلوك الإجرامي عند قتل الأب، وإنما انتقال المتهم إلى مرحلة ثانية من الخطة.
 
سابعًا: استدراج الزوجة وابنتيها باستخدام رواية كاذبة عن تعرض الزوج لحادث.
 
ثامنًا: الوصول إليهن ومباغتتهن والتخلص منهن.
 
تاسعًا: التعامل مع الجثامين ومحاولة إخفائها.
 
عاشرًا: اتخاذ إجراءات لاحقة تهدف إلى طمس معالم الجريمة وإبعاد الشبهة عن مرتكبها.
 
هذه الوقائع – إذا ثبتت بأدلة الدعوى – لا تكشف عن فعل قتل لحظي، وإنما عن سلوك إجرامي ممتد في الزمن ومتعدد المراحل.
وهذا هو جوهر سبق الإصرار.
 
فالجاني لم يجد نفسه فجأة أمام المجني عليه في مشاجرة انتهت إلى قتل، وإنما – وفق هذه المعطيات – كان لديه وقت ومساحة كافية للتفكير، ثم اتخذ قراره، وأعد وسيلة التنفيذ، واختار طريق الوصول إلى المجني عليه، ونفذ ما صمم عليه، ثم انتقل إلى تنفيذ مرحلة أخرى من الجريمة.
 
ومن ثم فإن العنصر الزمني والعنصر النفسي لسبق الإصرار يبدوان متحققين بصورة واضحة.
 
خامسًا: إعداد السلاح هنا لا يُنظر إليه منفردًا
من الخطأ القانوني القول إن مجرد حمل السلاح يساوي سبق الإصرار
 
لكن الصحيح أن إعداد السلاح في سياق باقي الوقائع يمثل قرينة قوية على التصميم السابق.
 
فالسلاح لم يظهر – وفق الرواية محل التحليل – مصادفة في لحظة اشتباك، وإنما كان أداة استخدمت في تنفيذ مخطط إجرامي سبقته خصومة ثم استدراج ومواجهة.
 
والعبرة ليست بوجود السلاح وحده، وإنما بالسؤال:
لماذا كان السلاح مع المتهم؟
 
ولماذا حمله إلى مكان اللقاء؟
 
ولماذا استخدمه في الموضع والزمان اللذين حددهما؟
 
إذا جاءت الإجابة من مجموع الأدلة بأن السلاح أُعد وحُمل بغرض تنفيذ القتل، فإن ذلك يكون عنصرًا ماديًا مهمًا في إثبات التصميم السابق.
 
سادسًا: انتقال الجاني من قتل الأب إلى استدراج باقي أفراد الأسرة يهدم فرضية الفعل اللحظي
 
هذه – في تقديري الشخصي – من أقوى القرائن على سبق الإصرار.
 
فلو كانت الواقعة مجرد اعتداء مفاجئ أو مشاجرة عابرة انتهت بقتل الأب، لكان من الممكن قانونًا بحث مدى وجود تصميم سابق على القتل.
لكن الرواية محل البحث تتحدث عن شيء مختلف تمامًا، قتل الأب لم يكن نهاية السلوك الإجرامي.
 
بل أعقبه انتقال المتهم إلى زوجته وابنتيه.
 
وإذا ثبت أنه استدرجهن بعد قتل الأب مستخدمًا حيلة محددة، ثم تمكن من الوصول إليهن وقتلهن، فإن ذلك يكشف عن استمرار الإرادة الإجرامية واستقرارها، وعدم كون القتل نتيجة انفجار غضب لحظي.
 
فالذي يقتل شخصًا ثم يعود فيبحث عن زوجته وبناته، ويستخدم وسيلة خداع للوصول إليهن، ثم ينفذ اعتداءً جديدًا، يكون قد أتيحت له – زمنيًا ونفسيًا – فرص متعددة للعدول عن الجريمة.
 
ومع ذلك استمر في التنفيذ.
 
وهذا من أقوى مظاهر التصميم السابق والإصرار على النتيجة الإجرامية.
 
سابعًا: الاستدراج بالخداع يكشف عن التدبير السابق
إذا ثبت أن المتهم استدرج الزوجة وابنتيها بإيهامهن بأن الزوج تعرض لحادث، فإن هذا السلوك لا يمثل مجرد وسيلة للوصول إليهن، بل يكشف عن إعمال الفكر واختيار وسيلة تنفيذ مناسبة لتحقيق الغرض الإجرامي.
 
فالجاني لم يواجه المجني عليهم مواجهة عشوائية، وإنما – بحسب الوقائع محل البحث:-
حدد هدفه و عرف وسيلة الوصول إليه و اخترع رواية كاذبة و استدرج المجني عليهم ثم وصل إليهم و نفذ جرائمه النكراء .
وهذه السلسلة تكشف بوضوح عن نشاط ذهني سابق على التنفيذ.
 
ومن ثم فإن الاستدراج هنا يمثل قرينة على التخطيط والتدبير، ويعزز توافر سبق الإصرار.
 
ثامنًا: الترصد متحقق من خلال التربص والمباغتة
الترصد يختلف عن سبق الإصرار.
 
فإذا كان سبق الإصرار يتعلق أساسًا بالتصميم السابق على الجريمة، فإن الترصد يتعلق بتربص الجاني بالمجني عليه وانتظاره في مكان يتوقع قدومه إليه لمباغتته والاعتداء عليه.
 
ومن ثم، فإن الترصد يتجسد في هذه الواقعة – وفق المعطيات – من خلال:
١- معرفة المتهم بمكان وجود المجني عليهم.
 
٢- التوجه إليهم بناء على هذه المعرفة.
 
٣- اختيار طريقة للوصول إليهم دون إثارة شكوكهم.
 
٤- انتظار أو مراقبة اللحظة المناسبة ثم مباغتتهم وتنفيذ الجريمة.
 
والاستدراج هنا لا ينفي الترصد، بل قد يكون وسيلته.
 
فقد يتربص الجاني بالمجني عليه مباشرة، وقد يستخدم الخداع والاستدراج للوصول إليه في حالة من الاطمئنان تجعله عاجزًا عن توقع الاعتداء.
وفي كلتا الحالتين يكون جوهر الترصد هو التربص والمباغتة والغدر.
 
تاسعًا: الترصد لا يشترط له مكان محدد أو مدة زمنية طويلة
ليس في القانون مدة محددة يجب أن ينتظرها الجاني حتى يتحقق الترصد.
 
فالعبرة ليست بطول فترة الانتظار، وإنما بوجود قصد التربص والمباغتة.
 
ومن ثم، فإن السؤال القانوني ليس: كم دقيقة انتظر المتهم وإنما: هل كان وجوده في المكان مرتبطًا بقصد انتظار المجني عليه ومباغتته؟
فإذا ثبت ذلك، توافر الترصد.
 
وفي الواقعة محل البحث، فإن تتبع تحركات المتهم، وكاميرات المراقبة، وسجلات الهاتف، وأماكن وجود الضحايا، والسيارات المستخدمة، وتوقيتات اللقاءات، يمكن أن يكشف بصورة دقيقة عن كيفية تنفيذ هذا التربص.
 
عاشرًا: تعدد مراحل التنفيذ دليل قوي على سبق الإصرار
من أقوى ما يميز هذه الواقعة أن الجريمة – بحسب المعطيات – لم تتم في لحظة واحدة.
 
فهناك: مرحلة الخلاف والدافع. ثم: مرحلة التفكير والانتقام. ثم: مرحلة إعداد وسيلة التنفيذ. ثم: مرحلة استدراج الأب.ثم: مرحلة قتله. ثم: مرحلة إخفاء أو نقل جثمانه.ثم: مرحلة استدراج الزوجة والبنتين. ثم: مرحلة قتلهم. ثم: مرحلة إخفاء الجثامين وآثار الجريمة.
 
كل مرحلة من هذه المراحل كانت تمنح الجاني فرصة للعدول.
 
لكنه – وفق الفرض الثابت من المعطيات – لم يعدل. بل واصل التنفيذ.
 
وهذا التسلسل الزمني لا ينسجم مع صورة الاعتداء المفاجئ، وإنما يتفق مع صورة المشروع الإجرامي المصمم عليه مسبقًا.
 
الحادي عشر: توافر العنصر النفسي لسبق الإصرار
العنصر النفسي لسبق الإصرار يتمثل في أن الجاني لم يقدم على القتل تحت تأثير انفعال لحظي، وإنما كان قد عقد العزم عليه بعد تفكير وتدبر.
 
وفي الواقعة محل البحث، فإن الخلاف السابق، ثم إعداد السلاح، ثم الاستدراج، ثم التنفيذ، ثم الانتقال إلى باقي أفراد الأسرة، كلها مظاهر خارجية تكشف – عند ثبوتها – عن إرادة إجرامية مستقرة.
 
ومن ثم، فإن القول بأن المتهم كان في حالة غضب لحظي لا يستقيم مع تعدد المراحل التي استغرقها تنفيذ الجريمة.
 
فالانفعال اللحظي قد يفسر فعلًا مفاجئًا.
 
أما الاستدراج وإعداد السلاح والتنقل بين أماكن متعددة والتعامل مع أكثر من مجني عليه وإخفاء الجثامين، فهي أفعال تحتاج إلى وقت وإرادة مستمرة.
 
الثاني عشر: توافر العنصر الزمني لسبق الإصرار
العنصر الزمني لا يعني أن القانون يشترط ساعات أو أيامًا معينة.
 
وإنما يعني أن يكون هناك فاصل يسمح للجاني بإعمال الفكر والتدبر.
 
وفي الواقعة محل البحث، فإن تعدد المراحل يفترض بالضرورة مرور فترة زمنية بين نشوء الفكرة وتنفيذها.
 
فالمتهم – وفق المعطيات – لم يطلق النار على الأب في ذات اللحظة التي نشأ فيها الخلاف.
 
بل كان هناك: خلاف سابق وقرار بالانتقام و إعداد مسبق و استدراج و تنفيذ.
 
ثم تكرر الأمر مع باقي أفراد الأسرة.
 
ومن ثم، فإن الفاصل الزمني بين الفكرة والتنفيذ، مقترنًا بالأفعال التحضيرية، يحقق العنصر الزمني لسبق الإصرار.
 
الثالث عشر: محاولة إخفاء الجثامين تكشف عن وعي الجاني بطبيعة فعله
التصرفات اللاحقة للجريمة لا تثبت وحدها سبق الإصرار بالضرورة، لكنها قد تكون من القرائن التي تكشف عن شخصية الجاني وطريقة تفكيره وسلوكه عقب التنفيذ.
 
فإذا ثبت أن المتهم قام بنقل الجثامين أو إخفائها أو التخلص منها أو محاولة طمس الأدلة، فإن ذلك يكشف عن وعيه الكامل بجسامة ما ارتكبه، وعن استمراره في إدارة آثار الجريمة بعد وقوعها.
 
وعندما تضاف هذه التصرفات إلى الوقائع السابقة، فإنها تشكل جزءًا من الصورة الكاملة التي تستخلص منها المحكمة حقيقة ما كان يضمره المتهم.
 
الرابع عشر: الأدلة الفنية تؤيد البناء المنطقي للجريمة
في مثل هذه الجرائم، لا ينبغي النظر إلى كل دليل بصورة منفردة، وإنما إلى تساند الأدلة وتكاملها.
 
فإذا جاءت: كاميرات المراقبة
 
متوافقة مع: بيانات الهاتف
 
ومتوافقة مع: تحركات السيارات ومتوافقة مع: تقرير الطب الشرعي ومتوافقة مع:
آثار الدماء والبصمات أو البصمة الوراثية ومتوافقة مع:
 
أقوال الشهود واعتراف المتهم – إذا ثبتت صحته قانونًا –
 
فإن هذه الأدلة لا تكون مجرد عناصر متفرقة، وإنما حلقات متصلة ترسم الصورة الكاملة للجريمة.
 
وقد أكدت محكمة النقض حديثًا سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة للواقعة وتقدير الأدلة والشهادات والتحريات، متى كان استخلاصها سائغًا وله أصل ثابت في الأوراق. الطعن رقم 24006 لسنة 95 قضائية، جلسة 28 أبريل 2026.
 
الخامس عشر: الاعتراف – إذا ثبت – يعزز باقي الأدلة ولا يعزل عنها
إذا ثبت أن المتهم اعترف بارتكاب الجريمة، فإن الاعتراف يصبح عنصرًا مهمًا في الدعوى، ولا سيما إذا جاء متسقًا مع الأدلة المادية والفنية.
 
لكن قوة الاعتراف لا تقاس بمجرد صدور عبارة “أنا ارتكبت الجريمة”، وإنما بما إذا كان الاعتراف محددًا في تفاصيله؛
 
ومتسقًا مع تقرير الطب الشرعي؛ و متوافقًا مع كاميرات المراقبة؛ و متوافقًا مع أماكن العثور على الجثامين؛ متوافقًا مع الأدلة الرقمية؛ ومؤيدًا بالمضبوطات وآثار الجريمة.
 
فإذا تساندت هذه العناصر، فإن الصورة تصبح أكثر إحكامًا.
 
السادس عشر: لكل قتيل واقعة قتل عمد مستقلة
قتل الأب يمثل واقعة قتل عمد مستقلة، وقتل الزوجة يمثل واقعة أخرى، وقتل كل من الابنتين يمثل واقعة مستقلة كذلك.
فتعدد المجني عليهم لا يغير من حقيقة أن الحق المعتدى عليه في كل حالة هو حق مستقل في الحياة.
 
ومن ثم، فإن ثبوت أن المتهم قتل أربعة أشخاص عمدًا يعني ثبوت أربع وقائع قتل، مع مراعاة ما قد يثور بشأن الارتباط القانوني بين الجرائم عند تحديد العقوبات.
 
السابع عشر: اقتران الجرائم الأخرى بالقتل
إذا ثبت أن المتهم أحرز سلاحًا ناريًا أو ذخائر بغير ترخيص، فقد تقوم إلى جانب جرائم القتل جريمة مستقلة وفق أحكام قانون الأسلحة والذخائر، بحسب طبيعة السلاح والذخيرة وظروف الإحراز.
 
كما قد تكشف التحقيقات عن جرائم أخرى مرتبطة بالواقعة، بحسب ما يثبت من أفعال نقل أو إخفاء الجثامين أو الأدلة.
 
لكن جوهر الاتهام يظل في هذه الحالة هو جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
 
الثامن عشر: لماذا تنطبق المادة 230 من قانون العقوبات؟
المادة 230 من قانون العقوبات تقرر عقوبة الإعدام لمن قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار أو الترصد.
 
وهنا يجب التوقف أمام كلمة “أو”.
 
فالمشرع لم يشترط اجتماع الظرفين. بل يكفي قانونًا تحقق: سبق الإصرار وحده أو: الترصد وحده حتى تدخل جريمة القتل العمد في نطاق المادة 230.
 
أما في الواقعة محل البحث، فإن المعطيات – إذا ثبتت – لا تقف عند أحد الظرفين، وإنما تكشف عن اجتماعهما معًا:
التصميم السابق والتدبير = سبق إصرار.
 
التربص والمباغتة والغدر = ترصد.
 
ومن ثم تكون الواقعة في أشد صور القتل العمد خطورة.
 
التاسع عشر: اجتماع سبق الإصرار والترصد في الواقعة
عندما تتجمع عناصر سبق الإصرار والترصد في واقعة واحدة، فإننا نكون أمام صورة شديدة الخطورة من القتل العمد.
 
فالجاني: فكر قبل التنفيذ. وصمم على ارتكاب الجريمة.
 
وأعد وسيلة تنفيذها. وحدد ضحاياه. واستدرجهم. وتربص بهم.وباغتهم. ثم نفذ القتل.
 
وهذه ليست صورة جريمة وليدة لحظة انفعال.
 
بل هي – وفق المعطيات – جريمة سبقتها إرادة إجرامية واعية ومخططة، ثم أعقبها تنفيذ منظم ومتتابع.
 
العشرون: الرد على القول بأن الجريمة قد تكون وليدة انفعال مفاجئ
هذا الدفاع – في ضوء الوقائع محل البحث – يصطدم بطبيعة التسلسل الإجرامي ذاته.
 
فالانفعال المفاجئ قد يفسر واقعة اعتداء واحدة تقع فور نشوء الخلاف.
 
أما أن: ينشأ الخلاف، ثم يفكر الجاني، ثم يعد السلاح، ثم يستدرج المجني عليه، ثم يقتله، ثم ينتقل إلى باقي أفراد أسرته، ثم يخدعهم ويستدرجهم، ثم يقتلهم، ثم يتعامل مع الجثامين ويحاول إخفاء آثار الجريمة،
 
فإن هذه الأفعال لا تقع في لحظة واحدة. بل تحتاج إلى وقت وإرادة وتدبير.
وهذا تحديدًا هو الفارق بين نية قتل عارضة وسبق إصرار.
 
وكشفت الوقائع الثابتة عن التفكير السابق والتدبير والإعداد، فإن سبق الإصرار يكون مستخلصًا من هذه الوقائع.
 
وبناءً على ما تقدم في ضوء المعطيات محل البحث، فإن البناء القانوني للواقعة يقوم على سلسلة مترابطة كما أوضحناها وهذه السلسلة، إذا ثبتت بأدلة الدعوى، لا تكشف فقط عن توافر القصد الجنائي في القتل، وإنما تكشف كذلك عن سبق الإصرار والترصد معًا.
 
ومتى ثبتت أمام محكمة الجنايات توافر عناصر جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار أو الترصد، فإن المادة 230 من قانون العقوبات تقرر عقوبة الإعدام.
 
ولا يشترط اجتماع الظرفين، إذ يكفي تحقق أحدهما، إلا أن اجتماع سبق الإصرار والترصد – متى ثبت – يكشف عن جسامة استثنائية في السلوك الإجرامي.
 
إن أخطر ما تكشف عنه هذه الواقعة – إذا ثبتت تفاصيلها على النحو المطروح – ليس فقط عدد الضحايا، وإنما الطريقة التي ارتكبت بها الجريمة.
 
ومن هنا فإن التكييف القانوني الصحيح – في ضوء هذه المعطيات – هو: جنايات قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.
 
وهو الوصف الذي يندرج تحت حكم المادة 230 من قانون العقوبات متى ثبتت أركانه أمام المحكمة.
 
إننا هنا أمام جرائم يسبقها تفكير وتدبير وإعداد واستدراج وتربص ثم تنفيذ.
 
وفي الواقعة محل البحث، فإن اجتماع هذه العناصر في تسلسل واحد يكشف – متى ثبت بالدليل – عن إرادة إجرامية مستقرة، وعن تصميم سابق، وعن تربص ومباغتة، بما يحقق الظرفين المشددين معًا: سبق الإصرار والترصد.
 
ولذلك، فإذا انتهت التحقيقات والمحاكمة إلى ثبوت هذه الوقائع في حق المتهم ثبوتًا يقينيًا، فإن تطبيق المادة 230 من قانون العقوبات يكون هو التكييف القانوني الصحيح لجريمة القتل العمد المشددة بسبق الإصرار أو الترصد، مع ما يترتب على ذلك من العقوبة المقررة قانونًا.