نادر شكري 
لم تكن مأساة أسرة التجمع مجرد جريمة قتل عابرة، ولم تكن مجرد خلاف انتهى بجريمة، وإنما واقعة قاسية تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال أكثر خطورة من تفاصيل الجريمة نفسها:
 
كيف يمكن أن يتحول الحقد على نجاح إنسان، والطمع فيما يملك، إلى كراهية، ثم إلى عنف، ثم إلى قتل أسرة كاملة؟
 
في البداية، حاول المتهم ــ بحسب ما نُسب إليه ــ تقديم رواية تضع الجريمة في إطار خلاف مالي، فتحدث عن شراكة تجمعه بالمجني عليه، وعن أموال تقدر بنحو 100 ألف جنيه قال إن له حقًا فيها وإن المجني عليه رفض ردها إليه.
 
لكن مع استكمال التحقيقات والتحريات، لم تظهر ــ بحسب ما توصلت إليه جهات التحقيق ــ أدلة تثبت وجود تلك الشراكة أو المديونية التي تحدث عنها المتهم.
 
والأكثر صدمة أن التحريات كشفت، وفق ما ورد فيها، صورة مختلفة تمامًا للعلاقة بين الطرفين.
 
فالمجني عليه، بحسب التحريات، لم يكن شخصًا يطارده أو يحرمه من حق ثابت، بل كان قد وقف إلى جوار المتهم في مواقف سابقة، ومد له يد المساعدة والعون.
 
أي أن الرجل الذي انتهت حياته بهذه الطريقة المأساوية كان، في وقت من الأوقات، واحدًا ممن ساعدوا الشخص الذي أصبح متهمًا بقتله.
 
وهنا تصبح القصة أكثر ألمًا.
 
لأن الأمر ــ وفق ما توصلت إليه التحريات ــ لم يكن مجرد خلاف على مبلغ مالي، وإنما دخل الطمع والغيرة والحقد إلى المشهد، مع رغبة في الاستيلاء على أموال وممتلكات المجني عليه، مستفيدًا من المعرفة السابقة والعلاقة القريبة التي كانت تجمع الطرفين.
 
وهنا تتجلى واحدة من أخطر صور الانحراف الإنساني: أن تتحول يد المساعدة التي امتدت إليك يومًا إلى هدف ليدٍ أخرى تريد أن تنتزع منك حياتك وما تملك.
 
لم يتوقف الأمر عند الأب
 
كان يمكن أن تنتهي الجريمة عند مقتل الأب، لكن المأساة ــ بحسب التحريات ــ امتدت إلى زوجته وبناته.
 
ووفق ما توصلت إليه التحريات، تم استدراج الزوجة والبنات، وانتهت حياتهن، في إطار مخطط هدف ــ بحسب ما ورد في التحقيقات ــ إلى الاستيلاء على المشغولات الذهبية التي كن يرتدينها.
 
هنا لا نتحدث فقط عن سرقة أو قتل.
 
نحن أمام أسرة كاملة دفعت ثمن جريمة واحدة.
 
أب وأم وبنات، وحياة كاملة تحولت في لحظات إلى مأساة.
 
والأشد وجعًا أن الزوجة كانت حاملًا وفي شهرها الأخير.
 
أم كانت تنتظر طفلًا، تجهز لاستقباله، وتحلم باللحظة التي تضمه فيها إلى صدرها، فإذا بها ترحل قبل أن ترى وجهه.
 
وطفل لم يرَ الدنيا أصلًا، لكنه دفع ثمن جريمة لم يكن طرفًا فيها.
 
أي ثمن يمكن أن يساوي ذلك؟
 
أي مبلغ من المال يمكن أن يعوض طفلًا عن أمه؟
أو ابنة عن أبيها؟
أو أمًا عن ابنتها؟
أو أسرة كاملة عن أفرادها؟
 
لا شيء، ثم عاد يبحث عن المال
 
وبحسب ما توصلت إليه التحريات، لم تنتهِ الواقعة عند قتل الأسرة، إذ حاول المتهم بعد ذلك العودة إلى الشقة للاستيلاء على ما يستطيع من متعلقات، إلا أن فرد الأمن منعه من الدخول وطلب منه الحصول على إذن من أصحاب الشقة.
 
وهنا ربما تكون الصورة الأكثر قسوة.
 
لأن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة يرى فيها آثار جريمته، ثم لا يرى أمامه إلا المال الذي يريد الحصول عليه، يكون قد فقد شيئًا أخطر من المال نفسه:
 
فقد إنسانيته.فالمال يمكن تعويضه، الممتلكات يمكن استردادها، الخسارة المادية يمكن تجاوزها، لكن حياة الإنسان إذا ذهبت، لا تعود.
 
كيف يتحول النجاح إلى سبب للكراهية؟
 
هذه الجريمة ــ بعيدًا عن تفاصيلها التي ما زالت أمام جهات التحقيق والقضاء ــ تطرح قضية اجتماعية أخطر.
 
لماذا ينظر بعض الأشخاص إلى نجاح الآخرين باعتباره تهديدًا لهم؟
 
لماذا يرى البعض منزلًا جميلًا، أو مشروعًا ناجحًا، أو سيارة، أو مالًا، فيشعر بالغضب بدلًا من أن يشعر بالفرح أو يحاول أن يصل إلى ما وصل إليه الآخر؟
 
تبدأ المسألة أحيانًا بمقارنة بسيطة:
 
لماذا هو؟ ولماذا ليس أنا؟
 
ثم تتحول المقارنة إلى غيرة.
 
والغيرة إلى حسد.
 
والحسد إلى حقد.
 
والحقد، إذا لم يُقاوم، قد يتحول إلى رغبة في إسقاط الآخر أو الانتقام منه أو الاستيلاء على ما يملك.
وهنا تكمن الخطورة.
 
المشكلة ليست في أن يمتلك إنسان المال، وإنما في أن يعتقد شخص آخر أن امتلاك المال يعطيه الحق في سلب حياة صاحبه.
 
فالنجاح ليس جريمة.، والثراء ليس جريمة، وامتلاك منزل أو مشروع أو سيارة ليس جريمة.
 
والفقر أو الحرمان أو الشعور بالظلم لا يعطي أي إنسان الحق في الاعتداء على غيره.
 
هيلين.. تفصيلة صغيرة كسرت القلب
 
ومن بين التفاصيل الإنسانية التي زادت وجع هذه المأساة، صورة إحدى بنات الأسرة، الطفلة هيلين، وهي ترتدي سلسلة تحمل اسم «فلسطين»، في إشارة إلى التضامن مع إخوتنا الفلسطينيين.
 
طفلة تحمل على رقبتها اسم قضية وأرض وأناس تتمنى لهم السلام..
 
طفلة ربما كانت تنظر إلى معاناة أطفال آخرين وتتألم من أجلهم، ولم تكن تعرف أن المأساة ستطرق بابها هي أيضًا.
تفصيلة صغيرة.. لكنها موجعة جدًا. 
 
أن ترتدي طفلة اسم فلسطين تضامنًا مع أطفال فقدوا حياتهم، ثم تصبح هي نفسها ضحية وتفارق الحياة، يجعل الصورة أكثر قسوة وإنسانية.
 
ليس كل نجاح يستحق الحقد
 
ربما يكون أهم درس في هذه المأساة أن نجاح إنسان آخر لا يعني أنك فشلت.
 
امتلاك شخص للمال لا يعني أنه أخذ نصيبك.
 
امتلاك شخص لبيت أفضل لا يعني أن بيتك أقل قيمة.
 
نجاح شخص في عمله لا ينتقص من نجاحك.
 
وحياة الناس ليست مسابقة يجب أن يفوز فيها شخص ويخسر الآخر.
 
لكن ثقافة المقارنة المستمرة قد تجعل الإنسان ينسى نعمه، ويركز فقط على ما لدى الآخرين.
 
فيبدأ في كراهية ما يراه بدلًا من السعي للحصول عليه.
 
وهنا يغيب الرضا، ويكبر الحسد، ويبدأ الحقد في أكل صاحبه من الداخل.
 
وعندما تغيب القيم الدينية والأخلاقية ويضعف الضمير، قد تتحول الرغبة في المال من وسيلة للحياة إلى غاية تبرر كل شيء.
 
حتى حياة الآخرين.
 
الطيبة لا تعني أن نتخلى عن الحذر
 
المأساة تذكرنا أيضًا بأن الإنسان يمكن أن يكون طيبًا، وأن يساعد الآخرين، وأن يقف إلى جوار من يحتاج إليه، لكن ذلك لا يعني أن يعيش بلا وعي أو حدود.
 
ساعد من تستطيع، لكن كن واعيًا.
ثق، لكن لا تلغِ عقلك.
كن طيبًا، لكن لا تكن غافلًا.
 
ليس المطلوب أن نشك في كل من حولنا، ولا أن نتوقف عن فعل الخير بسبب جريمة بشعة.
 
فالخير يظل خيرًا.
 
لكن الثقة مسؤولية، والقرب من الآخرين لا يعني بالضرورة أننا نعرف كل ما يدور في داخلهم.
 
الجريمة تبدأ أحيانًا قبل لحظة القتل
 
أخطر ما في هذه الجرائم أن الجريمة قد لا تبدأ عندما يرفع الجاني يده على ضحيته.
 
قد تبدأ قبل ذلك بكثير.
 
تبدأ بفكرة خاطئة،ثم مقارنة.،ثم غيرة.،ثم حسد.، ثم حقد.،ثم تبرير.ثم يصبح ما كان الإنسان يستحيل أن يفعله في الماضي أمرًا ممكنًا في ذهنه.
 
ولهذا فإن مواجهة الجريمة لا تكون بالعقاب فقط، رغم أهمية القانون والعدالة، وإنما أيضًا بمواجهة ثقافة الحقد والطمع، وتعظيم قيمة المال على حساب الإنسان، وتربية الأجيال على أن نجاح الآخرين ليس إهانة لهم.

في النهاية.. ماذا بقي من المال؟

هذا هو السؤال الأكثر قسوة.

بعد كل ما حدث..ماذا بقي من المال الذي كان يبحث عنه؟

وماذا بقي من الممتلكات؟

وماذا يمكن أن يفعل الإنسان بكل ما جمعه إذا فقد حريته وضميره وإنسانيته؟
 
في المقابل، هناك أب لن يعود إلى أسرته.
 
وأم رحلت وهي تحمل طفلًا لم يرَ النور.
 
وبنات لن يعدن إلى بيتهم.
 
وأسرة كاملة أصبحت ذكريات وصورًا وقبورًا.
 
المال يُعوَّض.. الممتلكات تُعوَّض.. لكن الإنسان لا يُعوَّض.
 
ولهذا فإن مأساة أسرة التجمع يجب ألا تمر علينا باعتبارها مجرد خبر جديد سرعان ما يختفي من صفحات الأخبار.
 
هي جرس إنذار.
 
إنذار من الحسد عندما يتحول إلى حقد.
 
ومن الطمع عندما يقتل الرحمة.
 
ومن المقارنة عندما تتحول إلى كراهية.
 
ومن المال عندما يصبح عند الإنسان أهم من الإنسان نفسه.
 
ويبقى السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا:
 
كيف يمكن لإنسان أن يقتل شخصًا كان قد ساعده؟ وكيف يمكن للطمع في المال أن يصل بصاحبه إلى هذه الدرجة من القسوة؟
 
ربما لا نملك الإجابة الكاملة.
 
لكننا نملك أن نتعلم.
 
أن نربي أبناءنا على الرضا.
 
أن نعلمهم أن النجاح يُحترم ولا يُحقد عليه.
 
أن المال وسيلة وليس قيمة الإنسان.
 
وأن حياة البشر أغلى من كل الممتلكات.
 
رحم الله ضحايا أسرة التجمع، وألهم أهلهم الصبر، وأظهر التحقيق الحقيقة كاملة، وأخذ القانون مجراه، حتى ينال كل من تثبت مسؤوليته جزاءه العادل.
 
ففي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يخفي جريمته عن الناس لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يهرب من الحقيقة إلى الأبد.
 
ولا يوجد مال في الدنيا يستحق أن تُراق من أجله نقطة دم واحدة.