بقلم أيمن فايز 
ليس أخطر ما يصيب الإنسان أن يعتلي كرسيًا، بل أن يظن أن الكرسي هو الذي يمنحه قيمته. فمنذ تلك اللحظة، يتبدل ميزان الحياة؛ فلا يعود المنصب تكليفًا، بل يصبح تعريفًا للذات، ويغدو الرحيل عنه أشبه بفقدان جزء من الروح.
 
والسلطة ليست حكرًا على الحاكم أو السياسي، بل هي حالة إنسانية قد تتخفّى في مكتب مدير، أو رئاسة مؤسسة، أو قيادة فريق، أو حتى داخل أسرة. كل موقع يمنح صاحبه قدرة على التأثير يحمل في داخله امتحانًا خفيًا: هل سيستخدمه ليخدم الآخرين، أم ليحرس امتيازاته؟
 
العجيب أن الكرسي لا يتشبث بأحد، لكن بعض الناس هم الذين يتشبثون به حتى تتصلب أرواحهم. يخافون من الوجوه الجديدة، ويضيقون بكل موهبة صاعدة، ويحسبون أن غيابهم يعني انهيار المكان، مع أن الحياة أثبتت، جيلاً بعد جيل، أن أحدًا لم يكن أكبر من الزمن.
 
هناك من يغادر موقعه فيكبر، وهناك من يبقى فيه حتى يصغر. فالقيمة لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها الإنسان على كرسيه، بل بعدد القلوب التي ربحها، والعقول التي أنارها، والأبواب التي فتحها لمن جاء بعده.
 
ما أجمل الإنسان الذي يعرف أن الرسالة أطول عمرًا من المنصب، وأن صناعة الخلفاء أعظم من صناعة الأتباع، وأن أجمل لحظات القوة هي تلك التي يستطيع فيها أن يقول: لقد آن الأوان ليكمل غيري الطريق.
 
فالكرسي لا يخلّد أحدًا، بل الأخلاق هي التي تفعل. والمنصب لا يصنع العظمة، بل العظمة هي التي تُضفي على المنصب قيمته. أما الذين عاشوا أسرى للكراسي، فقد ماتوا فيها قبل أن يموتوا عليها؛ لأنهم فقدوا حريتهم يوم جعلوا مكانتهم أغلى من رسالتهم.
 
ويبقى السؤال الذي يواجه كل صاحب مسؤولية: هل أنت جالس على الكرسي لتخدمه، أم جالس عليه ليخدم الناس؟ بين الإجابتين يولد التاريخ… أو يُنسى صاحبه