جبل: الإنسان ذو الهويّتَين
حين يبدأ الضمير في إفساد راحة الامتياز
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يدخل جبلٌ الروايةَ من مكان يختلف تمامًا عن الموضع الذي يعيش فيه أهله. هو واحد من آل حمدان، لكن حياته تشكّلت بعيدًا عنهم. كان طفلًا يتيمًا ترعاه بياعة دجاج، إلى أن رأته هدى هانم، زوجة ناظر الوقف، فتبنّته وربّته في البيت، وأدخلته الكُتّاب، ثم صار بعد بلوغه مسؤولًا عن إدارة الوقف. وفي الحارة يُنادَى «حضرة الوكيل»، وتحوطه الهيبة التي يمنحها القرب من السلطة.
هذا التفصيل مهم لأن محفوظ لا يصنع بطله من خارج النظام. جبل "نتاج هذا النظام نفسه": تلقّى منه التعليم، والمكانة، والأمان، والحنان أيضًا. البيت الذي يشارك في ظلم آل حمدان هو البيت نفسه الذي أنقذ طفلًا يتيمًا ومنحه أمًّا وحياة لم يكن يحلم بها. ومن هنا تصبح الأزمة الأخلاقية أعقد من الاختيار بين شر واضح وخير واضح.
فجبل يحب هدى هانم فعلًا، ويدين لها بالكثير. وحين يسمع بما يُدبَّر ضد آل حمدان لا يستطيع ببساطة أن يقف في وجه البيت الذي «آواه وربّاه وتبنّاه». وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتجاهل ما يحدث لأهله، حتى إن كانوا هم أنفسهم لا يحبونه ويعاملونه ببرود.
وهنا يكتب محفوظ واحدة من أهم الجمل في قصة جبل: «وجد جبل أنه ليس شخصًا واحدًا كما توهم طوال عمره ولكنه شخصان. أحدهما يؤمن بالوفاء لأمه، وثانيهما يتساءل في حيرة: وآل حمدان؟!» وهذه ليست أزمة نفسية عابرة. إنها بداية اكتشاف الذات. فنري مثلا بول ريكور يرفض أن نفهم الهوية الإنسانية بوصفها شيئًا مغلقًا نحمله منذ الولادة ثمّ نظل مطابقين له. الإنسان يتعرّف إلى نفسه خلال الزمن، ومن خلال الأفعال والعلاقات والوعود والقرارات التي تدخل في قصته.
ولهذا يميّز بين هوية الشيء الذي يظل «هو نفسه» وبين هوية الشخص الذي يجيب عن السؤال: مَن أنا؟¹ جبل كان يملك جوابًا سهلًا قبل الأزمة: هو ربيب البيت، ووكيل الوقف، وابن هدى بالتبنّي، والرجل الذي يحظى باحترام الجميع. لكن دخول آل حمدان إلى وعيه يجعل هذا الجواب غير كافٍ. ولعل جادامير يسمح لنا بالذهاب خطوةً أبعد.
فالإنسان لا يبدأ فهم ذاته من الصفر، لأنه يجد نفسه داخل تاريخ ولغة وعلاقات سبقت اختياراته.² جبل لم يختر أن يكون يتيمًا، ولم يختر أن تنتشله هدى من الحفرة، ولم يختر أصله من آل حمدان. لكنه سيُطالَب لاحقًا بأن يؤوّل معنى كل ذلك، وأن يقرر أي نوع من الوفاء يليق بتاريخ حياته. هنا تكمن المفارقة: الوفاء نفسه ينقسم. الوفاء لهدى يدعوه إلى البقاء بجانبها.
والوفاء لأصله يدعوه إلى الوقوف إلى جانب قومه. لكن المسألة ستتجاوز رابطة الدم أيضًا، لأن جبل يبدأ في اكتشاف أن الظلم لا يصير مقبولًا لأن الظالم أحسن إليه شخصيًا.
ولهذا ستصل الأزمة إلىعبارة شديدة القسوة حين يُطلَب منه أن يختار: «أأنت معنا أم علينا؟» ويحاول جبل حتى اللحظة الأخيرة أن يحفظ الجميل الذي تلقّاه، فيقول: «ما أنا إلا ربيب نعمتك فلا يمكن أن أكون عليك، ولكن من العار أن أترك أهلي يبادون وأنا أنعم بظلك». الجملة الأخيرة تكشف التحول كله: «وأنا أنعم بظلك».
فالمشكلة لم تعد في أن آخرين يتألمون بعيدًا عنه. جبل يكتشف أن راحته نفسها صارت مرتبطة بعالم يُذَل فيه الآخر. والامتياز الذي كان يبدو له عطية بريئة يبدأ في إثارة سؤال أخلاقي: هل أستطيع أن أستمر في التمتع بخيري الخاص حين أعرف الثمن الذي يدفعه غيري؟ من هنا تحمل قصة جبل
ملمحًا لاهوتيًا عميقًا من دون حاجة إلى تحويلها إلى أطروحة سياسية. فالإنسان لا يُدعى إلى الخير داخل فراغ؛ إنه يستيقظ داخل علاقات معقدة، فيها الحب والدَّين والامتنان والمصلحة والظلم متشابكة. والضمير لا يمحو هذا التعقيد، لكنه يمنع الإنسان من الاختباء وراءه. وحين يضع الناظر أمامه الاختيار الأخير: إما أن يبقى «واحدًا منا»، وإما أن يذهب إلى أهله، يجيب جبل: «يا سيدي إنك تطردني، وإني ذاهب».
في الظاهر يُطرَد جبل من البيت. أمّا في العمق، فقد بدأ يخرج من هوية صنعها له الآخرون!
وسيكون لهذا الخروج ثمنٌ باهظ، لأن اكتشاف الذات لا يحدث دائمًا حين يجد الإنسان مكانه، وأحيانًا يبدأ
حين يفقد المكان الذي كان يمنحه هويّته القديمة.
للموضوع بقيّة





