بقلم الدكتور هاني بيشوي
عندما يسرق الإنسان ما ليس له
هناك شيء شديد الغرابة في العقل الديني عندما يفقد قدرته على التمييز:
الله يصنع المعجزة… والناس تصنع للإنسان تمثالًا!
الله يشفي… والناس تبحث عن اسم الشخص الذي صلى.
الله يمنح الموهبة… والناس تصنع من صاحب الموهبة «صاحب معجزات».
الله يستخدم إنسانًا كأداة… والناس تحول الأداة إلى مصدر للقوة والقداسة!
وهنا بالضبط تأتي كلمات بطرس لتفضح هذا التفكير:
««لماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا أو تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي؟»
أعمال 3: 12»
بطرس نفسه كان أمام معجزة عظيمة، ومع ذلك رفض أن يسمح للناس بأن تنظر إليه وكأنه صاحب القوة.
فهل نحن أكثر غباءً من بطرس؟
صناعة «الشفيع»… حين يتحول الخادم إلى بطل
من أخطر مظاهر هذا التفكير أن يبدأ الناس في صناعة الشفعاء.
شخص يصلي فيُشفى مريض؟
إذن: «عنده موهبة خاصة».
آخر يصلي فيحدث أمر خارق؟
إذن: «صلاته مستجابة».
ثم تبدأ الأسطورة في النمو:
هذا يشفي المرضى.
ذاك يحل المشاكل.
هذا متخصص في الأمراض المستعصية.
ذاك له «قوة» معينة.
ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلى تعلق مرضي بالأشخاص، وانتظار البركة منهم، والسفر إليهم، والبحث عنهم، وطلب صلواتهم وكأن الله أصبح بعيدًا لا يُسمع إلا بواسطة هؤلاء الأشخاص.
وهكذا، وبهدوء شديد، يتحول الوسيط إلى مركز.
والأداة إلى مصدر.
والخادم إلى صاحب سلطة روحية.
والإنسان إلى «شفيع»!
والسؤال البسيط الذي يجب أن يوقظ العقول:
من أعطى الإنسان هذه المكانة أصلًا؟
هل الكتاب المقدس قال لنا: ابحثوا عن شخص معين لأنه يمتلك قوة خاصة؟
أم قال إن المواهب نفسها عطايا من الله؟
«كُلُّ عَطِيَّةٍ صالِحَةٍ وكُلُّ مَوْهِبَةٍ كامِلَةٍ هيَ مِنْ فَوقُ، نازِلَةٌ مِنْ عِندِ أَبي الأنوارِ.»
يعقوب 1: 17
إذن الموهبة من فوق.
والقوة من فوق
والنعمة من فوق.
والشفاء من فوق.
فلماذا ننزل بكل ذلك إلى الإنسان؟!
والأكثر غرابة: تقديس رجال الدين
هنا نصل إلى مستوى أكثر خطورة.
بعض الناس لا يكتفون باحترام رجل الدين باعتباره خادمًا أو معلمًا، وإنما يبدأون في معاملته وكأنه يمتلك درجة مختلفة من الإنسانية.
كلامه يصبح شبه معصوم.
قراره لا يُناقش.
خطؤه يُبرر.
شخصه يُقدس.
وأحيانًا يُنظر إليه وكأنه يمتلك «قوة روحية» خاصة لا يمتلكها بقية المؤمنين.
وهذا تحديدًا هو عكس ما فعله بطرس.
بطرس عندما رأى الناس تنظر إليه بانبهار لم يستغل الموقف.
لم يقل لهم:
«نعم، أنا صاحب هذه القوة.»
لم يبنِ حول نفسه هالة.
لم يطلب منهم أن يلتفوا حول شخصه.
بل وبخهم:
«لماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا أو تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي؟»
يا للعجب!
بطرس يهدم الهالة التي صنعها الناس حوله، بينما نحن أحيانًا نقضي حياتنا في صناعة الهالات حول البشر!
أتعرفون أين المشكلة؟
المشكلة أن الإنسان يحب أن يكون له بطل بشري.
يحب أن يلمس شيئًا محسوسًا.
يريد شخصًا يراه أمامه.
شخصًا يذهب إليه.
شخصًا يطلب منه.
شخصًا يعلقه على جدرانه.
شخصًا يطلق عليه لقبًا.
شخصًا ينسب إليه القوة.
وهكذا تصبح العلاقه مع الله أحيانًا أقل أهمية من العلاقة مع الشخص الذي يُفترض أنه يقودنا إلى الله.
وهنا تكون الكارثة:
بدل أن يقودك الخادم إلى المسيح، يصبح المسيح هو الطريق الذي يقودك إلى الخادم!
هذه ليست مسيحية ناضجة.
هذه عودة إلى عقلية الإنسان القديم الذي يحتاج دائمًا إلى شخص مقدس يقف بينه وبين الإله.
لا تخلطوا بين الاحترام والتقديس
احترام رجل الدين شيء.
وتقديسه شيء آخر تمامًا.
احترام الإنسان لأنه يخدم الله أمر طبيعي.
لكن أن تمنحه ما ليس له من قداسة وقوة وسلطة روحية، فهذا أمر آخر.
أن يصبح نقده ممنوعًا.
وأن يصبح الاعتراف بخطئه خيانة.
وأن تصبح كلماته فوق السؤال.
وأن تُنسب إليه قدرات خارقة لمجرد أن بعض الناس حدث لهم شيء بعد صلاته…
فهذا ليس إيمانًا.
هذا صناعة بشرية حول الإنسان.
المعجزة لا تعطي صاحبها المجد
وهنا يجب أن نفهم قاعدة بسيطة جدًا:
من خلاله حدثت المعجزة ≠ هو صاحب المعجزة.
الطبيب قد يكون أداة.
المصلي قد يكون أداة.
الخادم قد يكون أداة.
والإنسان الذي يستخدمه الله قد يكون مجرد أداة في يد الله.
لكن الأداة لا تصبح صاحب المجد.
هل نمدح الميكروفون لأننا سمعنا من خلاله صوت المتكلم؟
هل نمجد القلم لأن رسالة عظيمة كُتبت بواسطته؟
إذن لماذا عندما يستخدم الله إنسانًا، ننسب إلى الإنسان ما فعله الله؟
الأداة ليست المصدر.
والخادم ليس السيد.
وصاحب الموهبة ليس صاحب الموهبة في أصلها.
ومن يصلي ليس هو الذي يقرر إن كان الله سيشفي أم لا.
كفى صناعة بشر مقدسين!
كفى صناعة «شفعاء».





