هل كلّ ما يُروى في الكتاب المقدّس حدث تاريخيّ؟ (٢)

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الجزء الأوّل انتهينا إلى أنّ الكتاب المقدّس لا يقدّم كلّ ما يرويه بالطريقة نفسها: ففيه التاريخ، والشعر، والحكمة، والأنبياء، والأمثال، والرؤى. ولذلك لا يجوز أن نقرأ كلّ نصّ كما لو كان تقريرًا صحفيًّا. لكن السؤال الأهمّ: إذا كانت الأحداث الكتابيّة تُروى داخل الإيمان، فهل يعني ذلك أنّها لم تقع؟ وماذا تقصد الوثيقة تحديدًا حين تقول إنّ «الأحداث التي يرويها الكتاب المقدّس هي أحداث مؤوَّلة»؟

أوّلًا: ما معنى «أحداث مؤوَّلة»؟
تقول الوثيقة: «إنّ الهرمنيوطيقا المعاصرة تُعَدّ ردّ فعلٍ صحيًّا على الوضعيّة التاريخيّة، وعلى نزوع تطبيق المعايير الموضوعيّة البحتة ــ المتّبعة في العلوم الطبيعيّة ــ على دراسة الكتاب المقدّس. فمن ناحية، تُعَدّ الأحداث كافّة التي يُروَى خبرها في الكتاب المقدّس أحداثًا مؤوَّلةً. ومن ناحية أخرى، فإنّ أيّ تفسير لروايات هذه الأحداث ينطوي بالضرورة على ذاتيّة المفسّر عينه».

الحدث المؤوَّل ليس حدثًا مختلَقًا بالضرورة، بل حدث أدركه إنسان، وفهمه، ونقله من داخل إيمانه وخبرته. فالحدث التاريخيّ لا يدخل الكتاب المقدّس كما تدخل صورة خام إلى آلة تصوير، بل يرويه شاهد أو جماعة تسأل: ماذا حدث؟ وماذا يعني ما حدث؟ وأين كان الله في هذا الحدث؟ ولهذا لا ينقل الكتاب المقدّس الوقائع بوصفها موادّ محايدة، بل بوصفها أحداثًا كُشف معناها في ضوء الإيمان. وتقول الوثيقة إنّ «مجمل كتابات العهدين القديم والجديد تتجلّى بوصفها ثمرة مسار طويل يُعاد فيه، باستمرار، تفسير الأحداث التأسيسيّة عبر ربطها بحياة جماعات الإيمان». فالخروج من مصر، مثلًا، لم يبقَ ذكرى جامدة لحدث ماضٍ، بل أعادت التوراة والمزامير والأنبياء قراءته كلّما واجه الشعب عبوديّة جديدة أو سبيًا أو انتظارًا للخلاص. الحدث واحد، لكن معناه يتّسع كلّما دخل في خبرة جديدة. ولا يعني ذلك أنّ الجماعة كانت تخترع معنى كيفما تشاء. فالوثيقة تحذّر من القراءات الذاتيّة، وتؤكّد أنّ «التفسير الصالح للعصر الراهن يتأسّس على دراسة النصّ، ويُخضِع مسلّماته المسبقة، على الدوام، لاختبار التحقّق على محكّ النصّ عينه». التأويل ليس تصريحًا للقارئ بأن يجعل النصّ يقول ما يريده، بل حوار بين النصّ والحدث وجماعة الإيمان والقارئ.

ثانيًا: هل يلغي التأويل وقوع الحدث؟
الجواب: لا. الوثيقة ترفض تحويل الكتاب المقدّس إلى سجلّ محايد، لكنها ترفض أيضًا إفراغ الأحداث من واقعها التاريخيّ. ولهذا تنتقد تفسير بولتمان حين يؤدّي «نزع الأسطرة» المفرط إلى تفريغ رسالة الكتاب المقدّس «من واقعها الموضوعيّ»، واختزالها في رسالة تتعلّق بالوجود الإنسانيّ وحده. وتؤكّد أن موضوع التفسير المسيحيّ ليس فكرة مجرّدة، بل «شخص يسوع المسيح والأحداث الخلاصيّة التي أُنجِزَت في التاريخ الإنسانيّ».

إذًا، قولنا إنّ الحدث مؤوَّل لا يعني أنه لم يقع، بل يعني أنّ الكتاب المقدّس لا يفصل بين وقوع الحدث ومعناه. فموت يسوع، مثلًا، واقعة تاريخيّة، لكنّ العهد الجديد لا يكتفي بالقول إنّ يسوع مات في عهد بيلاطس، بل يفسّر موته بوصفه موتًا «من أجل خطايانا». والقيامة ليست في الكرازة الرسوليّة فكرةً عن استمرار الأمل، بل حدثًا أعاد التلاميذ في ضوئه قراءة حياة يسوع والعهد القديم كلّه.

وتشرح الوثيقة هذه العلاقة بعبارة دقيقة: «إنّ الكتاب المقدّس يكشف عن معنى الأحداث، وإنّ الأحداث بدورها تكشف عن معنى الكتاب المقدّس؛ أي إنّ الأمر يقتضي أن تُنحَّى جوانب معيّنة من التفسير المتلقّى، وأن يُعتمَد تفسير جديد». فقد أدّى موت المسيح وقيامته إلى إعادة قراءة المزامير والنبوءات المسيانيّة. لم تُختلق النصوص القديمة من جديد، لكنّ الحدث الجديد كشف فيها أبعادًا لم تكن قد ظهرت من قبل. لهذا لا ينبغي أن نُجبَر على الاختيار بين طرفين: إمّا تقرير تاريخيّ حديث يسجّل الوقائع من دون تفسير، وإمّا قصّة دينيّة لا علاقة لها بالتاريخ. الكتاب المقدّس يقدّم لنا تاريخًا مشهودًا له داخل الإيمان؛ أحداثًا لها بؤرة تاريخيّة، وصلت إلينا من خلال ذاكرة الجماعة ولغتها وأنواعها الأدبيّة وقراءتها اللاهوتيّة.

السؤال الصحيح، إذًا، ليس فقط: «هل وقع هذا الحدث؟»، ولكن أيضًا: «كيف صاغه النصّ؟ وما الذي أراد أن يقوله من خلاله؟ وكيف أعيدت قراءته داخل الكتاب المقدّس نفسه؟». فالأمانة للنصّ تقتضي ألّا نحوّل الشهادة اللاهوتيّة إلى محضر شرطة، وألّا نحوّلها في المقابل إلى خيال منفصل عن التاريخ.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رحلة في فنّ التفسير مع وثيقة «تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة»