الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يبدو أنّ أكبر أزمة واجهت فلك نوح لم تكن الطوفان، بل قسم الشكاوى بعد اكتشاف آكل النمل أنّ التموين كلّه كان نملتين فقط! ومن حسن الحظّ أنّ الزرافة لم تسأل عن ارتفاع السقف، ولا البطريق عن جهاز التكييف، وإلّا اضطر نوح إلى تعيين لجنة لإدارة الأزمات بدلًا من قيادة الفلك. 

المشكلة أنّنا كثيرًا ما نقرأ القصّة بالطريقة نفسها: نحوّلها إلى مسألة لوجستيّة، ثم نسأل كيف دخلت ملايين الأنواع إلى الفلك، وماذا أكلت، وأين وُضعت الفضلات، وهل سافر نوح قبل ذلك إلى أستراليا لإحضار الكنغر. أسئلة طريفة ومشروعة لو كان سفر التكوين يقدّم إلينا مخطّطًا هندسيًّا أو تقريرًا صادرًا عن هيئة الملاحة، لكنها قد تجعلنا نفوّت السؤال الذي كُتبت القصّة من أجله.

النصّ نفسه لا يتصرّف كما يتصرّف كشف الحمولة الدقيق في الموانئ. ففي موضع في السفر، يُطلَب من نوح إدخال ذكر وأنثى من كلّ نوع، وفي موضع آخر يُطلَب منه سبعة أزواج من الحيوانات الطاهرة والطيور، وزوجًا من الحيوانات غير الطاهرة. وقد احتفظ النصّ في صورته النهائيّة بهذه التقاليد المختلفة من دون أن يشعر بالحاجة إلى فتح تحقيق إداريّ في الأرقام. فالغاية ليست إشباع فضولنا بشأن عدد الأقفاص، بل إعلان أنّ الله يحفظ من الخليقة ما تبدأ به الحياة من جديد، وأن الحيوانات الطاهرة ستكون موجودة لتقديم الذبيحة بعد الخروج من الفلك.

ويضع كتاب «مدخل إلى العهد القديم» لجون برجسما وبرانت بتري (سيصدر عن دار الأكوينيّ) رواية الطوفان داخل عالم الشرق الأدنى القديم، حيث عُرفت روايات أخرى عن طوفان عظيم، مثل قصّة أتراحاسيس وملحمة جلجامش. لكنّ كاتب سفر التكوين لم ينسخ هذه الروايات كما هي ولكنّه أعاد صياغتها ليقدّم لاهوتًا مختلفًا. في بعض الروايات القديمة، تقرّر الآلهة إبادة البشر لأنّ ضجيجهم أزعجها، أمّا في سفر التكوين فالمشكلة أخلاقيّة: «امتلأت الأرض عنفًا». الله الواحد لا ينزعج من صوت البشر، بل يحزن لأنّ الإنسان حوّل الخليقة الحسنة إلى مكان للفساد والدم.

والطوفان في بناء القصّة هو "عكس عمليّة الخلق". في تكوين ١ فصلَ الله المياه، وأظهر اليابسة، وملأ العالم بالحياة؛ أمّا في الطوفان فتعود المياه لتغمر اليابسة وتنهار حدود العالم المنظَّم. ثم يمرّ «ريح» الله فوق المياه، وتنحسر المياه، وتظهر اليابسة من جديد، وتخرج الحيوانات، ويبارك الله نوحًا قائلًا له كما قال لآدم: «أثمروا واكثروا واملأوا الأرض». إنّها خليقة جديدة، ونوح يظهر بوصفه آدمًا جديدًا.

لكنّ سفر التكوين لا يسمح لنا بنهاية هوليووديّة مريحة: فما إن يخرج نوح من الفلك حتى ييعود إلى الخطيئة! لقد تجدد العالم، لكنّ قلب الإنسان لم يُشفَ تمامًا. الخليقة بدأت من جديد، أمّا الخطيئة فلم تغرق. وهنا تكمن المفارقة العميقة: خلاص العالم لن يأتي بالتخلّص من الأشرار والإبقاء على عائلة صالحة؛ لأنّ الشرّ ليس جماعةً يمكن إلقاؤها خارج الفلك، بل جرحٌ يسكن القلب البشريّ نفسه.

ومع ذلك، يقيم الله عهدًا لا مع نوح وحده، بل مع نسله و«كلّ نفس حيّة» خرجت من الفلك. وقوس قزح ليس زينة سعيدة في نهاية قصّة أطفال، بل علامة أنّ الله ألزم ذاته بحفظ الخليقة، مع معرفته بأنّ قلب الإنسان لم يصبح كاملًا. العهد هنا لا يقوم على تفاؤل ساذج بالإنسان، بل على أمانة الله ورحمته. لهذا رأت الكنيسة في الفلك والطوفان صورةً للمعموديّة: ماءٌ يضع نهايةً لعالم الخطيئة ويفتح بدايةً جديدة للحياة. ليست الرسالة أنّ علينا إثبات عدد النمل داخل الفلك، بل أن نسأل: ما العنف الذي يملأ أرضنا اليوم؟ وما العالم القديم الذي ينبغي أن يموت فينا؟ وكيف نخرج من المياه خليقةً جديدة؟

إذًا، يمكن لآكل النمل أن يستمرّ في شكواه؛ فهي وجيهة جدًّا في قسم التموين. أمّا في قسم التفسير، فسؤال القصّة ليس لماذا أحضر نوح نملتين فقط؟ ولكن: هل خرج الإنسان من الفلك مختلفًا عمّا دخله؟ 

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ