د. عايدة نصيف
ظلَّ التخصص لعقود طويلة أحد أهم معايير التقدم العلمي والمهني. فكلما تعمق الإنسان في مجال محدد، ازدادت قدرته على فهم تفاصيله والإضافة إليه. ومن هنا قامت الجامعات على الأقسام العلمية الدقيقة، ونشأت المهن على أساس الخبرة المتخصصة، وأصبح لقب «المتخصص» قرينًا بالمعرفة والثقة والكفاءة.

لكننا نعيش اليوم تحولات سريعة تطرح سؤالًا يستحق التأمل: هل نعيش عصر موت التخصص؟

قد يبدو السؤال مبالغًا فيه، لكن تأمل ما يحدث حولنا يكشف أن الحدود التقليدية بين التخصصات لم تعد بالصلابة التي كانت عليها. فالطبيب يستخدم علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، والجغرافي يتعامل مع البرمجة والاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات الضخمة، والفيلسوف يناقش قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية، والاقتصادي يحتاج إلى الإحصاء وعلوم الحاسب، بينما أصبحت قضايا البيئة والمناخ والطاقة والسكان عصية على أن يحتويها تخصص واحد.

إن المشكلات الكبرى في عالم اليوم لا تعترف بالحدود التي رسمناها بين أقسام الجامعات.

فهل يمكن دراسة التغير المناخي من خلال الجغرافيا وحدها؟ وهل يمكن فهم الذكاء الاصطناعي من خلال علوم الحاسب فقط؟ وهل يمكن مواجهة مشكلات الفقر والهجرة والزيادة السكانية من منظور اقتصادي منفرد؟ بالطبع لا. فهذه القضايا تتشابك فيها العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا برزت بقوة مفاهيم الدراسات البينية ومتعددة التخصصات وعابرة التخصصات، وأصبح الباحث الأكثر قدرة على الابتكار هو الذي يمتلك أساسًا قويًا في تخصصه، لكنه يستطيع في الوقت نفسه التواصل مع تخصصات أخرى.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليزيد المشهد تعقيدًا.

لقد أصبحت المعرفة التي كان الوصول إليها يحتاج إلى سنوات من البحث متاحة في ثوانٍ، وأصبح الإنسان قادرًا على الاستعانة بأدوات تستطيع تحليل كم هائل من المعلومات، وكتابة النصوص، والمساعدة في البرمجة والترجمة وتحليل البيانات. وهذا التحول سيؤثر بلا شك في مفهوم «الخبير» نفسه.

لكن هل يعني ذلك بالفعل موت التخصص؟

أعتقد أن الإجابة هي: لا، وإنما نحن نشهد موت التخصص المنغلق.

فالعالم لن يستغني عن الطبيب المتخصص، ولا عن المهندس، ولا عن الجغرافي، ولا عن المؤرخ، ولا عن الفيلسوف، ولا عن عالم الفيزياء أو الكيمياء. بل ربما تصبح المعرفة المتخصصة أكثر أهمية مع ازدياد تعقيد العلوم.

ما سيتراجع هو نموذج المتخصص الذي يعرف كل شيء تقريبًا عن مساحة ضيقة جدًا، ولا يعرف شيئًا عما يجري خارجها.

لقد انتهى تقريبًا عصر الجزر العلمية المنعزلة.

فالجامعة الحديثة لم يعد دورها أن تنتج خريجًا يحمل شهادة في تخصص محدد فحسب، وإنما أن تنتج عقلًا قادرًا على التعلم المستمر، والعمل مع الآخرين، واستخدام التكنولوجيا، وفهم المشكلات المركبة، والانتقال بين حقول معرفية متجاورة دون أن يفقد عمقه العلمي.

وهنا يظهر تحدٍّ كبير أمام جامعاتنا العربية.
فما زالت الهياكل الأكاديمية في كثير من الأحيان تقوم على حدود صارمة بين الأقسام والتخصصات ومازالت الشلالية تحكم . وقد يدرس الطالب أربع سنوات داخل قسم علمي دون أن يحصل على فرصة حقيقية لدراسة مقررات من تخصصات أخرى، رغم أن سوق العمل الذي سيخرج إليه لا يعمل بالطريقة نفسها.

سوق العمل لا يسأل دائمًا: ما اسم تخصصك؟
بل يسأل بصورة متزايدة: ماذا تستطيع أن تفعل؟

قد يحمل شخصان الشهادة نفسها، لكن أحدهما يجيد اللغة والتكنولوجيا وتحليل البيانات والتواصل والعمل الجماعي واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما لا يمتلك الآخر سوى المعرفة التقليدية المرتبطة بالمقرر الدراسي. هنا لن تكون الشهادة وحدها كافية لصناعة الفارق.

ولهذا فإن مستقبل  التعليم الجامعي ينبغي أن يقوم على معادلة جديدة: تخصص عميق و معرفة متعددة بالاضافة الى المجالات والمهارات الرقميةو قدرة دائمة على التعلم.

وهذه المعادلة لا تعني إلغاء الأقسام العلمية أو دمج التخصصات بصورة عشوائية. فالانفتاح بلا أساس معرفي قوي قد ينتج معرفة سطحية؛ شخص يعرف القليل عن أشياء كثيرة دون أن يمتلك القدرة الحقيقية على البحث أو التحليل في أي منها.

وهذا ربما يكون أحد أخطر أوهام عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي: الخلط بين سهولة الوصول إلى المعلومة وامتلاك المعرفة.

أن تستطيع الحصول على إجابة في ثوانٍ لا يجعلك متخصصًا. وأن تستخدم برنامجًا طبيًا لا يجعلك طبيبًا، وأن تستخدم تطبيقًا هندسيًا لا يجعلك مهندسًا، وأن تطلب من الذكاء الاصطناعي تحليل قضية فلسفية لا يجعلك فيلسوفًا.

المعلومة يمكن أن توفرها التكنولوجيا، أما الحكم على المعلومة وفهم سياقها ونقدها وربطها بغيرها وتحمل مسؤولية استخدامها، فهذه أمور تحتاج إلى معرفة وخبرة وتكوين علمي حقيقي.

ولذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل نعيش عصر موت التخصص؟
بل: أي نوع من المتخصصين يستطيع البقاء في العصر الجديد؟


الإجابة في تقديري هي أن المستقبل سيكون للمتخصص المرن؛ ذلك الذي يمتلك جذورًا عميقة في علمه، لكنه لا يبني حول نفسه أسوارًا معرفية. يعرف تخصصه جيدًا، ويتقن أدوات العصر، ويفهم لغة التخصصات المجاورة، ويستطيع العمل ضمن فرق متعددة المجالات، والأهم من ذلك أنه يدرك أن التخرج من الجامعة ليس نهاية رحلة التعلم، وإنما بدايتها.

إننا إذن لا نشهد موت التخصص، وإنما نشهد إعادة تعريفه.

فالتخصص في القرن الحادي والعشرين لن يكون غرفة مغلقة، وإنما نافذة نطل منها على عالم واسع من المعرفة. وكلما ازدادت سرعة التطور العلمي والتكنولوجي، أصبح البقاء داخل تلك الغرفة أكثر صعوبة.

المستقبل ليس لمن يعرف كل شيء عن شيء واحد، ولا لمن يعرف شيئًا قليلًا عن كل شيء، وإنما لمن يمتلك تخصصًا حقيقيًا ويعرف كيف يربطه بالعالم من حوله.
نقلا عن الحرية