تأمل في الخدمة والامتنان لمن سبقونا
بقلم: أيمن فايز
في رحلة العمر نكتشف، شيئًا فشيئًا، أن القليل جدًا مما نحمله بدأ معنا.
فوراء كل فكرة نضجت فينا معلّم، ووراء كل قيمة أسرة، ووراء كل خطوة أشخاص سبقونا ومهّدوا الطريق. بعضهم ما زال معنا، وبعضهم غاب عن أعيننا وبقي أثره، وبعضهم ربما لا يعرف أصلًا أنه ترك في حياتنا شيئًا لا يُنسى.
ونحن، قبل كل شيء، أبناء كنيسة.
منذ طفولتنا تعلمنا بين أحضانها الصلاة، وأصغينا إلى كلمة الله، وعرفنا وجوه كهنة وخدام ومعلمين أحبوا الكنيسة فساعدونا أن نحبها. ومن أهلنا تعلمنا أشياء لم تكن يومًا في الكتب، ومن أصدقائنا ورفاق الطريق تعلمنا الحياة، وحتى ممن اختلفوا معنا تعلمنا أن نسأل ونراجع ونبحث.
ولهؤلاء جميعًا ندين بالكثير.
لذلك كلما تأملت معنى الخدمة، ازددت اقتناعًا بأننا لسنا بداية لشيء، بل امتداد لمسيرة؛ نتسلّم شعلة حملها آخرون قبلنا، ونحاول أن نحفظ نورها ونضيف إليه بما يناسب زماننا، ثم يأتي يوم نسلّمها فيه إلى من بعدنا.
ومن هذه الزاوية أحب أن أتأمل تجربة المونسينيور فرنسيس فايز.
ولست أكتب عنه من بعيد؛ إنه أخي التوأم. ولهذا أعرف أن شهادتي قد تُحسب شهادة أخ لأخيه، وهذا مفهوم. لكنني أعرف أيضًا بحكم هذا القرب شيئًا لا يظهر كله أمام الناس: ما وراء العمل من تعب.
أرى ساعات البحث والسهر، والمراجعة والعودة إلى التفاصيل، والمحاولة المستمرة لأن تخرج الرسالة بصورة أفضل. وأرى ذلك السؤال الذي لا ينتهي بسهولة: كيف يمكن أن نقول الكلمة نفسها، الأمينة لجذورها، بطريقة تصل إلى إنسان اليوم؟
ولست أقول هذا لأرسم صورة للكمال؛ فنحن أبعد الناس عن ادعائه. ما زلنا نتعلم، ونخطئ، ونراجع، ونبحث، وسيظل أمامنا دائمًا من نتعلم منه.
لكن الجميل في الإنسان، في رأيي، ليس أن يصل، بل ألا يفقد شغف السير.
وهذا الشغف أراه حاضرًا في تنوع رسالة «مائدة الرب المقدسة»: في العظة والتعليم والمحاضرة، وفي القداسات المباشرة، والترانيم والأفلام القصيرة، وفي إفساح المجال لآباء ورهبان وأساقفة ومرنمين من مصر ومن بلدان أخرى.
ولعل ما أثار انتباهي مؤخرًا هو محاولة تقديم أفلام تعليمية قصيرة بلغات مختلفة، إلى جانب ترانيم جديدة تستلهم الكتاب المقدس والعقيدة والتعليم الآبائي.
فالرسالة واحدة، لكن أبواب الوصول إلى القلب كثيرة.
هناك من تلمسه عظة، ومن توقظه ترنيمة، ومن تجذبه صورة، ومن يفتح أمامه فيلم قصير سؤالًا لم يفكر فيه من قبل.
ومن هنا أفهم العبارة التي طالما عبّر بها فرنسيس عن ضرورة أن تبحث الكنيسة عن طرق جديدة لإعلان الإنجيل. فالعالم يجيد أحيانًا تقديم ما هو أقل قيمة بأساليب شديدة الجاذبية، بينما نحمل نحن كنزًا عظيمًا، وقد نحتاج إلى مزيد من الإبداع في طريقة تقديمه.
ليس المطلوب أن نغيّر الكنز، بل أن نحسن حمله.
ولعل الفكرة نفسها تظهر في الاهتمام بالكتاب والتأليف، وبالإيقونة والفن المقدس، وكذلك في ترميم بعض الكنائس والحفاظ على روحها وتراثها، مع محاولة أن يلتقي جمال الماضي باحتياجات الحاضر دون خصومة بينهما.
فالوفاء لما تسلمناه لا يعني أن نكرر الماضي حرفيًا، كما أن التجديد لا يعني أن نقطع جذورنا.
الأصالة والتجديد ليسا عدوين؛ حين يكون الجذر حيًا، يستطيع الغصن أن ينمو.
وبالتأكيد، قد يختلف معنا آخرون في وسيلة أو رؤية أو أسلوب، وهذا حقهم، وربما يكون في اختلافهم ما يساعدنا على أن نرى ما لم نره.
فالاختلاف لا ينبغي أن يقلقنا ما دامت المحبة تجمعنا والغاية تتجاوزنا جميعًا.
حقل الرب لا يملكه أحد.
فيه من يزرع، ومن يسقي، ومن يعلّم، ومن يرتل، ومن يكتب، ومن يرسم، ومن يخدم في صمت لا يعرف عنه أحد شيئًا. وقد تصل كلمة إلى إنسان من طريق لم يكن ليصل إليه من طريق آخر.
لهذا لا ينبغي أن يكون نجاح أحد سببًا لغيرة الآخر، بل سببًا للفرح؛ لأننا لا نتنافس على حقل، بل نعمل جميعًا في الحقل نفسه.
وحين أكتب اليوم عن أخي فرنسيس، فإن شكري له يقودني قبل كل شيء إلى شكر الذين سبقونا.
إلى أهلنا، وإلى كنيستنا، وإلى معلمينا وكهنتنا وأصدقائنا، وإلى كل إنسان وضع فينا بذرة خير أو معرفة أو إيمان.
فنحن نحمل شيئًا منهم جميعًا.
وإذا كان الله قد أعطى كل واحد منا موهبة، فالجميل ألا نسأل: كم صنعتُ بها لنفسي؟ بل: كم أعطيتُ منها للآخرين؟
وهنا أجد أن كلمات الكتاب المقدس تختصر ما أحاول قوله كله:
«لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ، وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ»
(1 أخبار الأيام 29: 14).
هذه الآية تضع الأشياء في موضعها الصحيح.
فالموهبة عطية، والفرصة عطية، ومن علّمونا عطية، ومن شجعونا عطية، وحتى قدرتنا على أن نبدأ من جديد بعد خطأ أو إخفاق هي عطية.
لذلك أشكر الله من أجل أخي، ومن أجل ما وضعه فيه من شغف بالخدمة والبحث والتجديد. وأشكره بالقدر نفسه من أجل كل خادم أمين، وكل إنسان يعمل في مكانه، ظاهرًا أو خفيًا، لكي تصل كلمة الله إلى قلب إنسان.
وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه.
وربما يكون هذا هو الأجمل.
أن نبقى تلاميذ مهما تقدمنا، ممتنين مهما أنجزنا، وباحثين مهما عرفنا.
فلسنا أساس البناء، وإنما أحجار أضيفت إلى أحجار كثيرة سبقتنا. ولسنا أصحاب النور، بل نحاول أن نحمل منه ما استطعنا.
وإذا جاء من بعدنا من يحمل الشعلة أبعد، ويقدم الرسالة بصورة أجمل، ويصل بها إلى حيث لم نستطع أن نصل، فلن يكون قد ألغى ما فعلناه؛ بل سيكون قد أكمله.
وهكذا تستمر الحكاية:
نتسلّم بمحبة، نضيف بتواضع، ثم نسلّم بأمانة.
ويبقى صاحب الحقل واحدًا،
وتبقى الرسالة أكبر منا جميعًا،
ويبقى المجد لله وحده.





