الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في البداية حابب أوضح إني مش بقول إن الناس بتلحد بسبب سوء فهم الكتاب المقدّس وحده. فللإلحاد أسباب فكريّة ونفسيّة واجتماعيّة كتير. لكن عندنا في مصر مفارقة غريبة: المؤمن والملحد ممكن يختلفوا في النتيجة، لكنهم بيتّفقوا على مفهوم طفولي واحد للكتاب. المؤمن يتخيّله كلامًا أملاه الله حرفًا حرفًا، وكل قصة فيه تقريرًا صحفيًّا دقيقًا، والملحد يقبل الفرضية نفسها، ثم يثبت إن التقرير لا يطابق العلم والتاريخ، فيتصوّر إنه كده هدم المسيحيّة!
في الخلق مثلًا، المؤمن بيصرّ إن سفر التكوين كتاب أحياء يشرح ظهور الكون والكائنات علميًّا، والملحد يردّ عليه بالتطوّر، مع إن السؤال اللاهوتي للنص هو: مَن أصل الوجود؟ وما معنى أن يكون العالم خليقةً حسنة والإنسان على صورة الله؟ أمّا التطوّر فيبحث في الآليات البيولوجيّة لنشأة الأنواع وتنوّعها. تحويل الاثنين إلى خصمين سببه قراءة خاطئة للكتاب، لا العلم ولا الإيمان.
وفي روايات الطوفان، بدل ما ندرس تقاليد الطوفانات القديمة في الشرق الأدنى، واحتمال وجود ذاكرة تاريخيّة لكوارث إقليميّة كبرى، ونقارن النصّ بالمكتشفات الأثريّة والجيولوجيّة، يصرّ المؤمن على تحويل الرواية إلى تقرير عن طوفان عالمي غطّى الكوكب، ثم يأتي الملحد ليثبت استحالة التقرير. وهكذا ينشغل الطرفان بحجم المياه وحركة الحيوانات، بينما لا يسألان كيف صاغ الكاتب تقليدًا قديمًا ليشرح العنف البشريّ والدينونة والرحمة والعهد وتجديد الخليقة.
والأمر نفسه في روايات الحروب: هل عبارة «أفناهم جميعًا» كشف إحصائي صادر من ميدان المعركة، أم لغة حربيّة ملحميّة معروفة في نقوش ملوك مصر وآشور والشرق القديم؟ ولماذا يذكر النصّ أحيانًا إبادة شعب، ثم نراه موجودًا في الفصول التالية؟ هنا يبدأ البحث الحقيقيّ: نقارن الرواية بالنقوش القديمة، وطبقات الدمار، وتسلسل الاستيطان، والمصادر المتعدّدة، ونميّز بين البؤرة التاريخيّة وطريقة صياغتها اللاهوتيّة.
وإذا وجدنا اختلافًا في الأرقام، أو ترتيبًا مختلفًا لبعض الوقائع، أو تقاليد من مراحل تاريخيّة متعدّدة اجتمعت في النصّ النهائيّ، فليس أمامنا اختياران فقط: إمّا ليّ النصوص حتى تبدو كأنها محضر شرطة واحد، وإمّا إعلان الكتاب كلّه خرافة. نستطيع أن ندرس تاريخ تكوين النصّ، ونوعه الأدبيّ، ومصادره، وهدف محرّره، وما يريد تأكيده لاهوتيًّا. فالكتاب المقدّس يحتوي على تاريخ، لكنه لم يُكتب وفق قواعد البحث التاريخيّ الحديث، كما أنه لا يتحوّل إلى خيال لمجرّد أن التاريخ وصل إلينا من خلال ذاكرة الجماعة وإيمانها ولغتها.
والمضحك أن البعض يتعامل مع هذا الكلام كأنه «تجميل» اخترعه المسيحيّون بعدما حاصرهم ملحدو فيسبوك! يا عزيزي، أنت فقط وصلت متأخرًا أكثر من قرن: المدرسة الفرنسيّة لدراسة الكتاب المقدّس والآثار بالقدس تأسّست سنة 1890 على يد رهبان دومنيكان، والمعهد البابويّ للكتاب المقدّس في روما تأسّس سنة 1909، فضلًا عن جامعات مثل أكسفورد وكامبريدج وهارفارد ولوفان. وشارك في الدراسات النقديّة منذ زمن طويل كهنة ورهبان ولاهوتيّون ومؤمنون، لا لتجميل الكتاب، بل لفهمه بلغاته وتاريخه وآثاره وأنواعه الأدبيّة.
رسالتي للمؤمن: سوء فهمك للوحي ممكن يصنع صراعًا وهميًّا بين الإيمان والعقل، ثم يطلب من الناس أن يضحّوا بعقولهم لكي يحافظوا على إيمان لم تعلّمه الكنيسة أصلًا. ورسـالتي للملحد: لو كان سقف انتصار إلحادك هو هزيمة قراءة طفوليّة عند شخص غير متخصّص، فأنت لم تنقد الكتاب المقدّس، بل نقدتَ أسوأ تفسير سمعته عنه. وحين يظهر أمامك تفسير أكاديميّ مختلف، لا تتّهمه فورًا بأنه «ترقيع»؛ ربما المشكلة ببساطة أنك لم تعرف من المسيحيّة إلا الصورة التي رفضتها.
قبل أن تقول: «العلم هدم الكتاب» أو «الإيمان يرفض العلم»، اسأل أولًا: أيّ كتاب تقرأ؟ وبأيّ مفهوم للوحي؟ وبأيّ أدوات للتفسير؟ وماذا يقول التعليم الرسمي لأكبر الكنائس في العالم؟ لأن المؤمن الأصوليّ والملحد السطحيّ قد يبدوان عدوَّين، لكنهما أحيانًا يشتركان في الخطأ نفسه: كلاهما يأخذ الكتاب على حرفيّته، ثم يختلفان فقط في ما إذا كان سيصدّقه أم يسخر منه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





