بقلم الأب يسطس الأورشليمى
مقدمة الرسالة..
كُولُوسي Colosse مدينة صغيرة، تقع في مقاطعة فريجية في جنوب آسيا الصغرى، شرق مدينة أفسس، وغرب أنطاكيا بسيدية..
كُتبت الرسالة إلى أهل كُولُوسي من السجن مثل الرسائل إلى أهل أفسس وأهل فيلبي وفيلمُون، وقد جاء في التقليد أنها كُتبت في روما في سجن بُولس الرسُول الأول هُناك، ما بين عامي63،61 م..
 
جاءت الشواهد الداخلية والخارجية تؤكد أن بُولس هُو كاتب الرسالة، فقد جاء في مقدمة الرسالة أن كاتبها هما: بُولس وتيمُوثاوس، وأن الرسالة حملت ذات طابع رسائله في هيكلها حيثُ تبدأ بمقدمة تضم الشكر لله، ثم تعرض الجوانب العقائدية، يتبعها الجوانب العملية..
غاية وهدف الرسالة..
 
يظهر هدف الرسالة من سياق الرسالة نفسها، فقد ذهب أبفراس إلى  رُوما لينقل إلى الرسُول الأخبار السعيدة عن الكنيسة في كُولُوسي حيثُ ملك الإيمان والمحّبة، غير أنه تسللّت بدعة ما إلى المجتمع الكُولُوسي تُقلّل من شأن السيد المسيح، وتنكر رئاسته للكنيسة، وقد أرسل الرسُول هذه الرسالة مع أبفراس ليعالج هذه المشكلة، لكن ألقى القبض على أبفراس وسجن، فبعث الرسُول بها بيد تيخكُس (كو7:4-9).. 
 
بين الرسالتين: إلى أهل أفسس وأهل كُولُوسي..
لقد كتب رسالته إلى أهل أفسس على يد تيخيكس، وإلى أهل كُولُوسي بيد أنسيمُوس في نفس الوقت، وتتشابه الرسالتان لأنهما موجهتان إلى منطقتين متقاربتين في آسيا الصغرى، وكان شعبي المنطقتين من الأمم لهما سمات أجتماعية وسلوكية مشتركة، وقد أبرز في الرسالتين سرّ خطة الله لقبُول الأمم ومشاركتهُم لليهُود الميراث السماوي، إذ أبطل المسيح العداوة وخلق من الأثنين إنساناً واحداً جديداً، صانعاً سلاماً..
 
مع تشابه الرسالتين في الصياغة، إلا أن كُل منهما أكدت جانباً مُعيناً، فتحدثت الرسالة إلى أهل أفسس عن كُل المُؤمنين بكُونهم الجسد الواحد للسيد المسيح، أما الرسالة إلى كُولُوسي، فركزت على الرأس الواحد للجسد، تحدثت الأولى: عن كنيسة المسيح، والثانية: عن مسيح الكنيسة فالرسالتان تعتبران جناحي المُؤمن الذي يحلق بهما في السماويات.. 
 
تعتبر الرسالة إلى أهل أفسس هي أمتداد طبيعي للرسالة إلى كولوسي، وهما متكاملتان، فالأخيرة سلّطت الأضواء على مكانة المسيح وعمله لدحض الفكر الغنوسي الذي قلّل من شأن السيد وحجب مكانته، وجاءت الرسالة إلى أهل أفسس تُقدم حصيلة عمل المسيح ألا وهي الكنيسة جسد المسيح التي كانت في خطة الله قبل تأسيس العالم، وأنها العرُوس المحبُوبة لديه، ومن خلالها تعرف الرُؤساء، والسلاطين في السماء على حكمة الله المتنوعة، حسب قصد الدهُور..
 
+ الأفكار الرئيسية في الرسالة..
(1) شخص السيد المسيح..      (2) الإيمان والمعرفة..
(3) الكنيسة الإجتماعية..        (4) العقيدة والسلوك..
 
جاءت هذه الرسالة تُقدم صورة أمينة عن السيد المسيح في مجده وكرامته، فالمسيح هُو الكُل في الكُل، الذي هُو رأس كُل رياسة وسُلطان (كو10:2)، فهُو كُل شيء بالنسبة للمُؤمن..
 
لقد ظن البعض في أيام الرسُول أن يسُوع إنسان مُجرد، وأن المسيح هُو الرُوح الإلهي الذي حلّ عليه أثناء عماده وتركه على الصليب، أي أن المسيح لم يمت، إنما الذي مات هُو الإنسان يسُوع، فجاءت الرسالة تُؤكد لاهوت المسيح، وأن وحده فيه الكفاية دُون حاجة إلى وسطاء آخرين معه كما ظن البعض أن إله العهد القديم هُو خالق العالم والمادة، وقد جاء السيد المسيح ليخلص العالم منه، لذلك أوضح الرسُول بُولس أن الخلاص قد تم بالمسيح، وأنه تحقق حسب إرادة الآب ومحبته..
 
رأينا أن الغنوسيين يتطلعُون إلى المعرفة    Gnosis كأساس للإيمان وأن الإنسان في قدرته أن يخلص بمعرفته التي هي ثمرة نسكه وجهاده الذاتي،  وتطلع الغنوسيين إلى المسيحية أنها دعُوة إلى الجهل..
 
وقد أوضح الرسُول بطريقة إيجابية أن المعرفة لازمة، وضرُورية في خلاصنا، لكنها هي هبة من نعمة الله علينا، فالمعرفة الرُوحية التي تسمو فوق الفكر البشري يقدمها لنا الله، ويُقدسها وينميها فينا بعمل رُوحه القُدس واهب الاستنارة، وكثيراً ما يكرر الرسُول كلمة: معرفة، كما أعتاد أن يُشير إلى سرّ الله والمسيح، ليوضح أن المعرفة مكتُومة حتى عن السمائيين، يُعلنها لهُم ولنا، ثم يربط أيضاً المعرفة بالسلوك في المسيح، حتى لا ننشغل بالمعرفة النظرية، بل معرفة الخبرة اليومية..  
 
يعتقد الغنُوسيُون بأن المجتمع ينقسم إلى طبقتين:
(1) طبقة الكاملين، الذين يليق بهم ألا يتزوجوا، ولا يأكلوا أنواعاً معينة من الطعام، حيث أن الزواج في نظرهم دنس، وبعض الأطعمة دنسه..
(2) طبقة الوسطاء غير الكاملين، ويسمح لهم بالزواج، ويأكلوا ما يشاءون لأنهم ضعفاء، وقد أزال الرسُول بُولس هذا التمايز الطبقي مُتحدثا عن السيد المسيح أنه يصالح الكُل لنفسه (كو20:1؛ 28)، وكثيراً ما يكرر كلمة:  كل أو جميع في آية واحدة.. 
 
تكشف لنا عن عظمة شخصية المسيح بصورة رائعة غير أنه لا يُدرك هذه العظمة إلا الذين يعيشُون في المسيح يسُوع، فيعرفُون من كنُوز نعمته، ويجدُون فيه كُل الشبع، فهي رسالة عقائدية..
 
ففي رسالة أهل رُومية نُدرك أن المسيح برّنا..
 
وفي كُورنثُوس الأولى المسيح عنـــــــــــــــــــــــانا.. 
 
وفي كُورنثُوس الثانية المسيح راحـــــــــــــــــــــــتنا.. 
 
وفي رسالة غلاطية المسيح محـــــــــــــــــــــــرّرنا.. 
 
وفي أفسس المسيح حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاتنا.. 
 
وفي فيلبي المسيح ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعادتنا.. 
 
وفي رسالتي تسالونيكي المسيح قادم لمجدنا.. 
 
وفي رسالة تيطس المسيح مُعلمــــــــنا ومثالنا.. 
 
وفي رسالة فليمون المسيح مثال لنــــــــا كسيد.. 
 
وفي رسالة العبرانيين المسيح شفيعنا الكفاري.. 
 
أما في رسالة كُولُوسي فالمسيح هُو كُل شيء لنا، وأنتُم مملوُؤن فيه، الذي هُو رأس كُل رياسة وسُلطان، فهو رأس الكنيسة، هُو النور الذي ينقذنا من سُلطان الظُلمة، ونقلنا إلى ملكُوت ابن محبته، لنصير نحنُ أنفُسنا نُور العالم، راجع (يو12:8؛ كو12:1)..
 
هُو المُخلّص الذي يُخلصنا من سُلطان إبليس وجنُوده وكُل أثاره، والذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا (كو14:1)، ينقلنا إلى ملكُوته، أي مملكة ابن محّبة الآب، فبالمعمُودية باسمه نتمتع بالبنُوة للآب، ونُحسب أولاد الله المحبُوبين لديه، راجع (رو16:8)..
 
من جهة لاهوته فهُو صورة الآب غير المنظُور، بكر كُل خليقة، فيه تتجدّد طبيعتنا، ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة..
 
هُو الخالق، فيه خلق الكُل (كو16:1)، وحملنا فيه كجسد له، وقادنا مستنيرين فيه لننعم بحياته المقامة، الذي هُو البداءة، بكر من الأموات، لأنكُم قد متم وحياتكُم مُستترة مع المسيح في الله..
 
صار رأساً لنا نحن جسده، وهُو رأس الجسد: الكنيسة، الذي هُو البداءة بكر الأموات، لكي يكُون هُو مُتقدماً في كُل شيء..
بعمله الخلاصي كشف لنا سرّ الحب الإلهي الفائق، فتمتعنا بالرجاء في المجد، الذي هُو المسيح فيكُم رجاء المجد (كو27:1)، متى أظهر المسيح حياتنا، فحينئذٍ تظهرُون أنتُم أيضاً في المجد..
 
إن كانت الغنُوسية قد أساءت إلى شخص المسيح، فإن الرسًول يدعونا إلى التمتع بالشركة معه لنختبر آلامه، وموته، ودفنه، وبالتالي نشترك في مجده، (كو24:1؛ 12:2؛ 3:3) أكمل نقائص شدائد المسيح في جسدي لأجل جسده، الذي هو الكنيسة، مدفُونين معه في المعمُودية، وهكذا لا يعوزنا المسيح شيء، فالغنُوسية تدعوهُم إلى المعرفة العقلية كطريق الخلاص، لكننا نقتني المسيح المذخر فيه جميع كنُوز الحكمة.. 
 
الكنيسة متحدة مع المسيح بكُونه رأسها (أف23:5)، فتجد راحتها فيه في وسط آلامها، حيث تحسب الألم تكميل نقائص شدائد المسيح، وهي تشهد للصليب، وتختبر عذوبة الشركة مع مسيحها المصلُوب، فتموت وتدفن معه وتقوم وتختفي، وتظهر معه في المجد، راجع (كو24:1؛ 20:2؛ 3:3)، أما دستورها الإيمان بالمسيح والحب العملي للأخوة، والرجاء في السماوات، هذا هُو مفتاح الرسالة الإيمان والرجاء والمحّبة..
 
هذه النعمة من جوانبها الثلاثية ترتبط دوماً في العهد الجديد بخبرة الحياة المسيحية، كما تكشف عن روح الكنيسة وجوها المتهلل، حيثُ تختبر ملكُوت الله المفرح، وتسلك في الطريق الملُوكي لتصير أيقُونة خالقها، فهي حياة مُنتصرة مُتهللّة مجيدة حتى وسط الآلام..
 
تدفعنا للسهر مع الشكر والصلاة والكرازة بسرّ المسيح، وهي دعوة عملية للتمتع بالحرية، حيثُ حررنا من إبليس وظُلمته، ووهبنا البنُوة للآب لنتمتع بملكوته، وكيف نجاهد ونحيا في حياة الشكر..
 
حقاً إن كان أحد يُجاهد، لا يُكلّل إن لم يُجاهد قانونياً، أي خلال المسيح الذي قال: لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً (يو5:15؛ 2تى5:2)، وعند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تُلذذّ نفسي..