عادل نعمان

بمناسبة الضجة التى أثيرت حول واقعة السيدة التى طلبت مكانًا خاصًّا لإقامة الصلاة من إدارة مطعم شهير بمول العرب، واعتراض مدير المطعم على هذا التصرف (وفقًا لرواية صديقتها وليس صاحبة الشأن) أؤكد أننى ضد كل مظاهر التدين الشكلى،

 

وخصيم كل من يفرض إقامة الصلاة فى مكان غير معدّ وغير مجهز لإقامتها ويحط من قدرها وجلالها، خصوصًا أن المول مجهز بمصليات لإقامة الشعيرة، فليس من اللياقة إقامة الصلاة واستحضار عظمة الله فى مكان لا يليق بجلال الله وعظمته، لا سيما للسيدات، وألا يصبح الأمر طقسًا شكليًّا «يخطفه» الناس دون تأمل أو تركيز وهو أصل العبادة، فليس من الأدب والكياسة إقامة الشعيرة يصاحبها ضجيج المكان وزحام المارة والأصوات العالية والموسيقى الصاخبة وأصوات الغناء والطبل والرقص،

 

فهذا شأن يُفقد الطقس والشعيرة حرمتها وجلالها، فليس هذا مكان اللقاء بالله، ولا يليق بوقار العبادة، إلا إذا كانت الصلاة فى المطاعم بعشرة أمثالها، وقد كان أولى أن تؤجل صلاتها إلى مكان يليق بمقام الله وقدره ومكانته، فلا مبرر أن يربك المصلى أو يزعج ويحرج أصحاب المكان أو المطعم أو حتى فى بيت صديق ويصر على إقامة الصلاة إلا إذا كان المكان مجهزًا لهذه العبادة الخاشعة، ولا خوف أن ينقص الأجر والثواب أو يسبقك أحد فى درجات الفردوس الأعلى، فإن الأجر على الخشوع والارتقاء إلى الله ولا يتأتى هذا إلا بالتركيز والانتباه.

 

ويعتبر التدين الشكلى، الذى يعتمد على المظهر دون الجوهر، أحد أهم المظاهر السلبية التى رافقت الصحوة الإسلامية، والتى يعتمد ويركز عليها للسيطرة على الشارع ويعلن عن وجوده وهيمنته، وهذه الصحوة يعتبرها تيار الإسلام السياسى بداية يقظة الأمة من سبات عميق، وكأن البلاد قبل الصحوة كانت فى غفلة وغفوة، بل إن هذا السلوك الشكلى يراه البعض مقدمة مقبولة لتقويم وتهذيب السلوك، على منطق (المهم نبدأ حتى لو نفاقًا فسيأتى يوم ويفيق فيه الإنسان إلى الصواب.. وربما لا يأتى هذا اليوم أبدًا).

 

وتكدست المدن والقرى والنجوع بالمساجد والزوايا، فاقت فى أعدادها المدارس والمستشفيات، وتداخلت أصوات المآذن وتقاطعت بين صوت هادئ وآخر منفّر يدعون الناس للصلاة من الفجر حتى العشاء، وغطى الحجاب والنقاب رؤوس الغالبية من النساء، وطاردنا البنات السافرات فى الشوارع وأجبرنا الأطفال فى القرى على ارتداء الحجاب زيًّا مدرسيًّا رسميًّا،

 

وتضاعف أعداد الحجيج والمعتمرين، وازدانت السيارات والمكاتب والبيوت بكتاب الله، وتعالت أصوات القراء يتلون آيات الذكر الحكيم فى الأتوبيسات والقطارات والنوادى والمحلات والمولات، وتقليعة «هل صليت على النبى النهارده؟» وطاردنا المفطرين فى الشوارع حتى لو كان معذورًا أو مرخصًا له بالإفطار، وتركنا العمل وافترشنا طرقات المصالح الحكومية لإقامة الصلوات بالساعات، حتى لترى من فرط التدين أن الملائكة تسير بيننا تبارك العباد وتحفظ الأرزاق والأعمار، وأتساءل: ومن منا الكذاب والفاسد والحرامى والمتحرش وآكل مال اليتيم، إذا كان المجتمع كله قد أضحى على هذه الدرجة من التدين؟!.

 

الغريب أن هذا التدين الشكلى، والذى نحّى الجوهر والمضمون جانبًا، قد أصبح معيارًا معتبرًا للحكم على أخلاقيات الشخص وانضباطه والتزامه حتى وجدوا حديثًا ضعيفًا «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، وقد كان المنافقون فى العهد النبوى يعتادون المساجد أكثر من غيرهم، (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، وقد كان خوارج الإمام على بن أبى طالب أكثرهم قراءة للقرآن، وتشددًا فى إقامة الشعائر والعبادات، ولما قرروا قتل الإمام على ومعاوية وابن العاص اعتمروا واعتكفوا فى المسجد الحرام خمسة عشر يومًا وختموا القرآن، ثم توجهوا لقتلهم، فإن الخدعة والمكيدة لا تقف عند أبواب الخمارات والبارات فقط، بل تقف أيضًا على أعتاب دور العبادة أيضا تفتح ذراعيها.

 

ومن العجب أن هذا التدين الشكلى أضحى رخصة لصاحبها فى مزاحمة المعاملات بين الناس، فترى الناس يتعاملون معه بثقة على أنه من أهل الله، وربما ليس كذلك! ويأتمنونه ولربما ليس بأمين!

 

كفانا زلفى ومظهرية كاذبة، العلاقة مع الله لا تحتاج إلى إعلان أو ترند، وأقم الصلاة فى مكانها المناسب دون أن تشق على الناس أو تربك حياتهم وأعمالهم، فإن كانت الشعيرة ملزمة، فإن أمور الناس وأحوالهم وظروف المكان ملزمة أيضًا.

 

 

(الدولة المدنية هى الحل)

نقلا عن المصرى اليوم