الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في الجزء الأوّل أن أوريجانوس لم ينتقل إلى المعنى الروحيّ هربًا من النصّ، فهو بدأ بدراسة حرفه ومقارنة نسخه. وارتبط التفسير عنده بالفلسفة، فمن قراءته للكتاب المقدّس نشأ تصوّرٌ متكامل لله والعالم والإنسان والشرّ والخلاص، وكان مفتاح هذا التصوّر يمكن تلخيصه كلمةً واحدة: "الحرّيّة".

الله والكلمة: أزليّةٌ بلا انقسام
ينطلق أوريجانوس من أن الله لا جسم له، ولا يقع داخل مكان، ولا يخضع للتغيّر والانفعال مثل الكائنات. الله عقلٌ ونورٌ وصلاحٌ يفوق الإدراك؛ ولا ينبغي أن نفهم الأوصاف الجسديّة الواردة عنه في الكتاب المقدّس كما لو كانت تقريرًا عن أعضاء إلهيّة. فإذا تحدّث النصّ عن «يد الله» أو «غضبه»، فالغاية ليست أن ننسب إلى الله جسمًا أو اضطرابًا نفسيًّا، بل أن نفهم عمله في العالم وعلاقته بالإنسان. والله لا يكون عند أوريجانوس إلهًا منعزلًا أو صامتًا؛ فهو يعرف ذاته ويعلنها في حكمته وكلمته، أي الابن. وقد أسهم أوريجانوس في صياغة فكرة "ولادة الابن الأزليّة؛: لم توجد لحظةٌ كان فيها الآب بلا حكمته، كما لا يوجد نورٌ كان في وقتٍ ما بلا إشعاع. فالابن ليس حدثًا طرأ على الله، بل هو صورته الكاملة وحكمته الأزليّة، وبه خُلقت الكائنات العاقلة ومنه تستمدّ قدرتها على المعرفة.

إلّا أنّ أوريجانوس كتب قبل مجمع نيقية بنحو قرن، حين لم تكن اللغة العقيديّة قد استقرّت بعدُ. لذلك نجد لديه، إلى جانب تأكيده أزليّة الابن وألوهيّته، عباراتٍ ترتّب الآب والابن والروح القدس ترتيبًا هرميًّا لم تعد مقبولة بالصورة نفسها بعد نيقية. ومن الخطأ أن نحوّله بأثر رجعيّ إلى لاهوتيّ نيقويّ كامل، أو أن نجعله ببساطة آريوسيًّا قبل آريوس؛ فقد كان يفكّر داخل مرحلةٍ سابقة، وأسهمت أسئلته ومصطلحاته نفسها في الطريق الذي قاد لاحقًا إلى الصياغة النيقاويّة.

الخلق دراما للحرّيّة
واجه أوريجانوس الجماعات الغنوصيّة التي قسّمت البشر إلى طبائع ثابتة: أناس روحانيّون خُلقوا للخلاص، وآخرون ماديّون خُلقوا للهلاك. كان معنى ذلك أن الفضيلة والرذيلة لا تُنتَجان من اختيار الإنسان، بل من طبيعته التي وُلد بها. أمّا أوريجانوس فرأى أن هذا التصوّر يهدم عدل الله ومسؤوليّة الإنسان معًا. فالله، عنده، خالق العالم المنظور وغير المنظور، ولم يخلق بعض الكائنات صالحةً وبعضها شرّيرةً. خلق الله الكائنات العاقلة قادرةً على معرفة الخير واختياره، لكن قدرتها على الاختيار تعني أيضًا إمكان ابتعادها عن الله. لذلك لا يفسّر أوريجانوس تفاوت الكائنات بإرادة إلهيّة اعتباطيّة، بل بتاريخ اختياراتها. فالشيطان ليس شرّيرًا لأن الله خلق فيه "مادّة الشرّ"، والإنسان الخاطئ لا ينتمي إلى جنسٍ أدنى، فكلاهما كائنٌ عاقل أساء استخدام الحرّيّة.

دخلتْ في هذا السياق تأمّلاتُ أوريجانوس في وجود الكائنات العاقلة السابق وحركتها وسقوطها واتّخاذها أجسادًا مختلفة. غير أنّ إعادة بناء رأيه الدقيق ليست سهلة؛ لأن النصّ اليونانيّ الكامل لكتاب "في المبادئ" فُقد، ووصل قسمٌ كبير منه في ترجمة روفينوس اللاتينيّة التي صرّح مترجمها بأنه صحّح مواضع ظنّ أنها تعرّضت للتحريف. كما أن بعض الصيغ التي صارت لاحقًا جزءًا من "الأوريجانيّة" قد تكون تطويرات تلاميذه، وليست من أقوال أوريجانوس نفسه بحرفها. لكن الثابت في مشروعه أن اختلاف مصائر الكائنات لا يصدر عن طبائع خلقها الله للخير أو الشرّ، بل عن الحرّيّة والعناية الإلهيّة التي تواصل العمل من أجل شفائها.

الشرّ ليس شيئًا خلقه الله
إذا كان الله خالق كلّ شيء، فمن أين جاء الشرّ؟ يجيب أوريجانوس بأنّ الشرّ ليس جوهرًا مستقلًّا ولا قوّةً أزليّةً تنازع الله، وليس «شيئًا» خلقه الله. إنه حركةٌ منحرفة للإرادة وابتعادٌ عن الخير، كالظلمة التي لا تمتلك وجودًا مستقلًّا، بل تظهر عند غياب النور. ومن ثمّ، لا يكون الخاطئ شرًّا في جوهره ولكنّه مخلوقٌ صالح الأصل أصاب إرادته المرض. لهذا يستعمل أوريجانوس لغةً علاجيّة في الحديث عن الدينونة. فعقاب الله ليس انتقامًا يصدر عن غضبٍ منفعل ولكنّه تأديبٌ يكشف المرض ويطهّر الإرادة. والنار الإلهيّة ليست أداة تعذيب خارجيّة فقط، إذ يكشف الإنسان في نور الحقيقة ما صنعه بنفسه، فتحرقه معرفة الشرّ الذي التصق به. لكن وصف العقاب بالعلاجيّ لا يعني أنه هين أو شكليّ؛ فقد تصوّره أوريجانوس تطهيرًا مؤلمًا قد يطول بقدر عمق تعلّق الإرادة بالشرّ.

ومن هنا نصل إلى أصعب توتّر في فكر أوريجانوس: إذا كانت حرّيّة الكائن قادرةً دائمًا على رفض الله، فكيف يمكن أن يصير الله في النهاية «الكلّ في الكلّ»؟ وإذا كان الله سيستعيد جميع الكائنات، فهل تبقى الحرّيّة حقيقيّة؟ حاول أوريجانوس حلّ التوتّر بالقول إن الله لا يخلّص الكائن العاقل بتحطيم إرادته، بل بالتعليم والتطهير وكشف الخير لها، حتّى تخضع لله لا بالإكراه، بل بعد زوال الجهل والمرض. فالعدوّ لا يُخضعه المسيح، في هذا التصوّر، بأن يمحو وجوده، بل بأن يمحو عداوته.

لكن هل كان أوريجانوس يؤكّد يقينًا خلاص جميع الكائنات، حتّى الشيطان؟ أم كان يتأمّل في إمكان انتصار الخير من دون أن يحوّله إلى عقيدة محسومة؟ هنا تبدأ واحدة من أعقد القضايا في تاريخ فكره، وهي موضوع الجزء الثالث: ماذا قصد أوريجانوس بـ«بخلاص الجميع»؟ وما الذي قاله هو، وما الذي نسبته إليه الأوريجانيّة اللاحقة؟ وهل أُدين أوريجانوس نفسه فعلًا في المجمع المسكونيّ الخامس؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ