حين تتسرّب عقلية الـ«ترند» إلى الحياة الروحية
بقلم: أيمن فايز
في عالم المؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية، هناك ظاهرة معروفة جيدًا:
كل مرحلة لها “القضية الرائجة” التي تجذب التمويل، وتضمن الحضور الإعلامي، وتفتح أبواب المؤتمرات والمنح والشراكات.
مرة يكون الشعار: “عام مكافحة الفقر”.
ثم “تمكين المرأة”.
ثم “القضاء على الأمية”.
ثم “الصحة النفسية”.
ثم “التغير المناخي”.
ثم “الثقافة والتنمية المستدامة”.
وفجأة تمتلئ القاعات بالندوات، وتُطبع الملفات، وتظهر الصور الجماعية، وتُكتب التوصيات اللامعة، وتتحرك حسابات التواصل الاجتماعي بحماسة ضخمة، حتى يخيّل للناس أن العالم على وشك أن يتغيّر جذريًا.
لكن بعد انتهاء التمويل، ينطفئ كل شيء.
يتحول المشروع إلى أرشيف.
والشعار إلى ذكرى.
والضحايا الحقيقيون يبقون في أماكنهم كما كانوا.
لأن القضية في كثير من الأحيان لم تكن حياة تُعاش، بل “موسمًا” تديره حركة المال والاهتمام والظهور.
هذه الروح نفسها، بكل أسف، بدأت تتسلّل تدريجيًا إلى بعض الممارسات الكنسية الحديثة، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالكنيسة التي وُلدت من الجراح والدموع والصلاة العميقة، بدأت أحيانًا تتعامل مع القضايا الروحية بمنطق “الملف السنوي”، وكأنها تدخل هي أيضًا في دائرة الترند الديني.
فكل عام عنوان جديد.
كل موسم قضية جديدة.
كل مرحلة حملة جديدة.
سنة للرحمة الإلهية.
سنة للقديس يوسف.
يوبيل للرجاء.
احتفالات كبرى بمجمع نيقية.
مؤتمرات.
ندوات.
كتيبات.
شعارات.
تصميمات.
منشورات.
سيل لا ينتهي من الكلام والحركة والتغطية.
لكن السؤال الذي يكشف عمق الأزمة هو: ماذا بقي بعد انتهاء الموسم؟
أين كل هذا الزخم الآن؟
أين المؤتمرات التي امتلأت بالحديث عن مجمع نيقية؟
أين الدراسات التي قيل إنها ستعيد بناء الوعي اللاهوتي؟
أين الكتب التي خرجت بالعشرات؟
وأين متابعة ما طُرح أصلًا؟
من يتحدث اليوم عن القديس يوسف بعد أن انتهت “سنته”؟
كم بيتًا تغيّر فعلًا؟
كم أبًا وجد سندًا حقيقيًا؟
كم إنسانًا عاش روح هذا القديس بعيدًا عن الشعارات والصور الرسمية؟
المشكلة ليست في الاحتفال، بل في الذهنية التي تحكمه.
ذهنية تجعل القضية تبدو وكأنها “برنامج مؤقت” له بداية ونهاية وجدول فعاليات، لا حقيقة روحية يجب أن تدخل إلى بنية الإنسان والكنيسة معًا.
وهنا يتحول الإيمان — دون أن نشعر — إلى حالة موسمية تشبه إلى حدّ مخيف عقلية المؤسسات التي تتحرك حيث يوجد التمويل أو حيث يوجد الضوء.
والأخطر أن هذه الروح تُنتج وهمًا جماعيًا بالإنجاز.
فبمجرد انتهاء المؤتمر، أو صدور التوصيات، أو نشر الصور، يشعر الجميع أن العمل قد تم، بينما الواقع الحقيقي لا يتغير إلا قليلًا، وأحيانًا لا يتغير إطلاقًا.
بل إن ما يزيد الأمر خطورة اليوم أن بعض الملفات المصيرية تُدار بالعقلية نفسها.
خذ مثلًا أزمة الأسرة وقوانين الأحوال الشخصية.
سنوات طويلة من المعاناة، والانفصال، والعنف الصامت، والتفكك النفسي، والأطفال المعلّقين بين المحاكم والكنائس والواقع القاسي. ثم فجأة يتحول الملف إلى “حدث كنسي وقانوني” تُعقد حوله اللقاءات الرسمية، وتُكتب المسودات، وتُصاغ مواد القانون، ويظهر المتخصصون والمحامون وبعض رجال الدين والوجهاء باعتبارهم صانعي “الشرعية”.
لكن السؤال المؤلم:
أين الناس أنفسهم من كل ذلك؟
أين الأزواج المحطمون؟
أين النساء اللواتي عشن سنوات من القهر؟
أين الآباء الذين فقدوا أبناءهم داخل النزاعات؟
أين الشباب الذين فقدوا ثقتهم في فكرة الأسرة أصلًا بسبب ما رأوه؟
كم مسؤولًا جلس فعلًا لساعات طويلة مع المتألمين قبل أن يكتب مادة قانونية واحدة؟
كم رجل دين دخل إلى قلب المأساة الإنسانية لا إلى الأوراق فقط؟
كم من هذه التوصيات خرج من واقع حي، لا من مكاتب مغلقة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول معاناة البشر إلى “ملف إداري”، وأن تُصاغ الشرعية على الورق بينما الإنسان الحقيقي غائب عن الطاولة.
فالكنيسة ليست مؤسسة علاقات عامة، ولا منصة لإدارة المواسم الروحية، ولا جهازًا لإنتاج العناوين السنوية.
الكنيسة وُجدت لكي تحمل الإنسان الجريح، لا لكي تُدير ألمه عبر بيانات وتوصيات ومؤتمرات تنتهي بانتهاء المناسبة.
لقد بدأت الكنيسة في بعض لحظاتها الحديثة تخاطر بأن تصبح شبيهة بالعالم الذي من المفترض أن تخلّصه:
عالم سريع، موسمي، يعيش على الزخم، وينسى بسرعة، ويستبدل القضية بأخرى بمجرد انتهاء الاهتمام الإعلامي.
لكن الحقيقة الروحية لا تُبنى بهذه الطريقة.
الإيمان لا يعيش بالترند.
والقداسة لا تتحول كل عام إلى شعار جديد.
فالكنيسة التي صنعت التاريخ لم تكن كنيسة المناسبات، بل كنيسة المتابعة، والصدق، والجرأة، والالتصاق الحقيقي بوجع الناس.
أما الكنيسة التي تكتفي بإدارة “المواسم”، فإنها قد تربح الحركة مؤقتًا، لكنها تخسر ببطء أخطر ما فيها: العمق.





