حلمي النمنم
أصدر «نجيب محفوظ» فى سنة 1966، روايته «ثرثرة على النيل»، التى اعتبرها كثير من النقاد والكتاب نبوءة بما وقع فى العام التالى، أى هزيمة يونية 1967، التى كانت زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا كاملًا.

بعد الهزيمة - مباشرة- توقف نجيب محفوظ عن إصدار الروايات واتجه إلى القصة القصيرة، حيث أصدر عدة مجموعات (أربع مجموعات)، قال هو عن قصص تلك المرحلة إنه كان فيها ما يمكن أن نعده قصصاً رمزية وسريالية، وأحياناً رومانسية أو واقعية. كان الهم الوطنى والسياسى حاضراً بقوة فى تلك القصص، كانت مجموعة «خمارة القط الأسود»، صدرت سنة 1969، أول عمل يصدر له بعد رواية «ثرثرة على النيل».

فى خمارة القط نجد كل الألوان التى أشار إليها محفوظ، بينها قصة «المجنونة»، يمكن القول إنها تعبير رمزى عن حالة الحرب التى كانت تعيشها بلادنا وقتها، حيث كانت ذروة حرب الاستنزاف، التى حولتها إسرائيل إلى هجوم على المدن والمنشآت الحيوية فى العمق المصرى، ضرب مصنع أبو زعبل، محاولة الهجوم على نجع حمادى وقناطر أسيوط، ضرب مدرسة بحر البقر فى الشرقية، وقبل ذلك الهجوم على مدن القناة الثلاث، مما أدى إلى اتخاذ قرار تهجير أهلها إلى المحافظات الأخرى.

وكانت النخب وقتها منقسمة فى صمت بين أغلبية ترى ضرورة الرد على الهزيمة ورد الاعتبار فى الميدان، كانت حرب الاستنزاف خطوة جسورة فى هذا الاتجاه، وأقلية ترى أن الأفضل الاتجاه نحو السلام والتفاوض أو التفاهم مع العدو، كى نتجنب أى خسائر أخرى ونتجه تماماً إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كان من رأى هؤلاء أنه كان ينبغى التحدث مع الخصم مباشرةً، بعد حرب يونيو مباشرةً.

غير أن النص المحفوظى إنسانى وعميق، ليس لحظياً ومباشراً، يمكن أن نقرأ قصة «المجنونة» -بعيداً عن حرب 67 وحرب الاستنزاف- بشكلٍ أوسع، يقترب من اللحظة الحاضرة التى تمر بها المنطقة، بل العالم كله، سواء كانت حروباً داخلية، السودان مثلاً، أو حروباً بين دول، مثل حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وحرب الأخيرة على الدول العربية، خاصةً دول الخليج العربى.

المجنونة تصف موقعة فى الحارة، محفورة فى الذاكرة، لأن كل من شارك فيها قتل، ومن بقى على قيد الحياة مصاباً، لا يعرف شيئاً عما جرى، لماذا شارك ومن دعاه؟ لا أحد يعرف أى شىء عن سبب القتال والقتل ولا الهدف، هو رأى معركة فى الحارة بين اثنين من الفتوات أو الأقوياء فكان لابد أن يشارك، حتى دون دعوة أو تكليف، شىء يذكرنا بمقولة الفيلسوف الفرنسى «هنرى برجسون»، عن أن الحرب فى المجتمعات المغلقة هى المعيار الأبرز لبيان صدق الفرد فى الانحياز إلى مجتمعه الصغير أو الجماعة الضيقة، حتى لو لم يكن مقتنعاً ولم يكن هناك مبرر معقول للحرب.

تبدأ القصة بالقول «ما أكثر المعارك فى حارتنا للسبب الخطير والتافه على السواء»، ثم يقول «الويل لنا إذا طالت معركة فاتسعت دائرتها وانضم إلى كل شخص فريق فانتشرت كالنار والتهمت الأرجاء».

الخطورة ليست فى الحرب بحد ذاتها، أى حرب مهما طالت وعظم حجمها، سوف تتوقف يوماً، فلا يمكن أن تستمر بلا نهاية، الحرب العالمية الثانية استمرت ست سنوات، لكن فى النهاية توقفت، تتوقف الحرب بانتصار طرف وهزيمة آخر أو عجز أحد الطرفين عن حسم النتيجة لصالحه وربما يصل الطرفان معاً إلى الإنهاك التام أو يفنى كل منهما الآخر، كما فى معركة الحارة، التى أسماها «الحرب المجنونة».

المهم هو انعكاس الحرب وأثرها - فيما بعد- على الأفراد والمجتمعات، بقول محفوظ «..رواسبها لا تزول أبداً ومضاعفاتها تستفحل يوماً بعد يوم، حتى أمسى جونا مشحوناً بالتربص والحذر والكراهية والخوف، جو سريع الاشتعال، قابل فى أى لحظة للانفجار، ربما لمجرد نكتة أو غمزة عين أو نحنحة».

الحرب المجنونة فى الحارة بدأت بشائعة أطلقها صبى فى الحارة، صديقان يلعبان معاً فى جو من المرح اعتادا عليه، فى إحدى المرات كان أحدهما، تعاطى كمية من المخدرات فسقط مغشياً عليه، رأى الصبى المشهد فانطلق يعدو وذهب إلى شقيق المغمى عليه وأخبره أن أخاه قتل وأن قاتله فلان، هكذا بدأت المعركة دون أن يتحقق أحد من ذلك الذى نقله الصبى، إذ أن المغمى عليه سرعان ما أفاق ليواصل المرح مع صديقه.

هذه المعركة المجنونة جرفت الجميع، ولم تتوقف إلا بفناء الطرفين تقريباً، حتى إن مأمور الشرطة، حين حضر هو وضباطه، كانت أطراف المعركة فى ذمة الله، وراح يجمع نتفاً من المعلومات وشهادات مبتورة من هذا وذاك «طال التحقيق وتشعب، لكنه لم ينته إلى نتيجة مريحة أو مقنعة».

وفى النهاية وصل المأمور إلى تصور أن البداية من «شائعة الصبى».

وفى النهاية يدور التعليق التالى بين المأمور وأحد رجاله.

وإذن هلكت الحارة لغباء غلام.

أو غباء رجل وهو الأرجح (يقصد الفتوة شقيق الشاب الذى تعرض للإغماء).

بل هو غباء الحارة وهو الأصدق.

إذن الحرب هنا هى فى كل الأحوال «حالة غباء إنسانى»، الغلام ثم الفتوة ثم أهل الحارة جميعاً.

وهذا يعنى أنه كان ممكناً تجنب الحرب بقليل من الحنكة والذكاء.

هل كانت القصة تشير إلى حرب سنة 67؟ العديد من المشاهد فى القصة وبعض العبارات تقول ذلك بوضوح، إنها تثبت حالة الشك وفقدان الثقة واليقين التى سيطرت على كثيرين وقتها، لكن «المجنونة» يمكن أن تنطبق على كثير وربما كل الحروب.

فى كل حرب حالة غباء، لدى طرف ما، تستدعى أو تستحضر غباء أشد من طرف آخر، لكن لو قوبلت بموقف لا ينساق إليها، يرفض أن يتجاوب معها، يمكن للغباء أن يقف عند حد أو مرحلة معينة.

فى معركة الحارة لم يستوقف أحد من الكبار الصبى ليستفسر منه جيداً، ولا اهتم صاحب الشأن أن يسارع إلى موقع الحادث، على مسافة قصيرة من الحارة ليطمئن بنفسه على أخيه، كل الذى فعله أن ترك عمله وزبائنه وانصرف بعصاه الغليظة ليقتل شقيق القاتل -الذى لم يقتل-، الأنصار الذين انطلقوا خلفه مهللين ومشاركين لم يستفسر أى منهم عن الأمر، فقط حملوا عصيهم، أى أسلحتهم، وانطلقوا خلفه دون معلومة واحدة لديهم.

يمكن أن تكون هناك حرب لأغراض أو أهداف اقتصادية فى المقام الأول وقد تقوم سعياً لاحتلال أرض الغير بهدف توسيع النفوذ وفرض نطاق السيادة والسيطرة، وثمة حروب تقوم لأغراض مذهبية أو دينية وحروب فى سبيل أهداف أيديولوجية، فعلها الاتحاد السوفيتى وفعلتها الولايات المتحدة فى العراق (غزو من أجل فرض الديمقراطية)، دعنا الآن من الفكر الذى يذهب إلى أن الحرب ضرورة تاريخية.

ولكن هناك حروب عبثية، قد تكون الحروب كلها عبثية، الكل يخرج منها خاسراً، مدمراً، هكذا كانت الحرب الكبرى أو الأسطورية فى حارة نجيب محفوظ.

ارتاحت الحارة إلى تفسير المأمور للحرب، لكنه يبقى تفسيراً وليس سبباً، وطبقاً للقصة «... أما سرها فقد ضاع إلى الأبد، مخلفاً وراءه، ذكرى مغلفة بالسواد والأحزان».

رحم الله مبدعنا العظيم نجيب محفوظ
نقلا عن المصري اليوم