كتب - محرر الاقباط متحدون
ألقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك لبنان، عظته خلال قداس الأحد الثالث عشر من زمن العنصرة، اليوم الأحد 16 أغسطس 2026، في الديمان، وفيما يلي نص تصريحاته :
"الحَبّ الذي وقع في الأرض الجيّدة أثمر" (لو 8: 15)
1.الزرع هو كلمة الله، والزارع هو المسيح بواسطة الكنيسة. الزارع واحد، واليد واحدة، لكن الأرض تختلف. سقط بعض الحَب على الطريق، وبعضه على الصخر، وبعضه بين الشوك، وبعضه في أرض جيدة، فكان الفرق في الثمر لا في الزرع.
كلمة الله تُعطى للجميع، والنعمة تُعرض على الجميع، والحُب الإلهي يقترب من كل قلب، لكن القلب هو الذي يحدّد ماذا يفعل بهذه الكلمة: هل يتركها تمرّ، أم يقبلها قليلًا ثم يتراجع، أم يسمح للهموم أن تخنقها، أم يفتح لها عمقه فتصير حياة وثمرًا. ولهذا يقول الرب يسوع إن الذي يقع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلمة، ويحفظها في قلب صالح، ويثبت فيها بالصبر، فتثمر.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، للاحتفال معاً بهذه الليتورجيا الإلهية، في الديمان، راجياً لكم كل نعمة وخير. ارحب بخاصة بالوفد البولندي برئاسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البولندي، مع سفيرة بولندا في لبنان. كما نرحّب بسعادة السفير الدكتور ابراهيم المجذوب، الرئيس التنفيذي لمجلس أمناء سفراء دول العالم في الاتحاد الأوروبي،. وأوجّه تحية خاصة إلى عائلة المرحوم جورج صليبا، الذي التصق اسمه بالمثلث الرحمة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، إذ كان شمّاسًا له اسقفا بطريركا وكردينالا، وحاضراً بجنبه في الكرسي البطريركي كما في أسفاره. وكان كتوماً مأخوذاً بالخدمة المتواضعة والمتفانية. لقد ودّعناه منذ حوالي عشرة أيام، مع زوجته وابنتيه وابنه، فنقدّم هذه الذبيحة الإلهية لراحة نفسه، وعزاء أسرته وعائلات أشقائه، وسائر أنسبائهم، ورابطة آل صليبا.
3. في مثل الزارع، يقدّم لنا الرب يسوع أربع صور لكيفية استقبال كلمة الله. الصور الثلاث الأول مرفوضة، والرابعة مقبولة:
الصورة الأولى هي الحَبّ الذي يقع على قارعة الطريق. يصل كلام الله إلى الإنسان، لكنه لا يجد فيه مكانًا ليستقر. يسمع، لكن السماع يبقى خارجيًا، وتمرّ الكلمة على سطح القلب ولا تدخل إليه، فتضيع قبل أن تغيّر شيئًا في حياته. هذا هو موقف عدم الاكتراث بكلام الله.
والصورة الثانية هي الحَبّ الذي يقع على الصخرة. يسمع الإنسان الكلمة ويستقبلها بفرح وحماس، لكنه لا يملك جذورًا عميقة. هذه تسمى عدم عمق روحي وهم السطحيون.
الصورة الثالثة هي الحَبّ الذي يقع بين الشوك. يبدأ بالنمو، لكن هموم الحياة والمصالح والمال والرغبات تخنقه. فيما قلبه مشغول بالمال والمصلحة والقلق. هذا موقف الانسان الغارق بهموم الدنيا.
هذه المواقف الثلاثة يريدنا الرب يسوع أن نتجنبها، وهي: اللامبالاة، والسطحية، والانشغال بهموم الدنيا الذي يخنق الروح.
وتأتي الصورة الرابعة، وهي الحَبّ الذي يقع في الأرض الطيبة فيثمر. هنا يجد كلام الله قلبًا صالحًا ومستعدًا؛ يسمع الإنسان الكلمة ويحفظها ويعيشها ويثبت فيها، فتثمر في حياته محبةً وخيرًا وأعمالًا صالحة. هذا هو الموقف الحسن الذي يريده يسوع، وهو يريد أن تقع كلمته في العقل والإرادة والقلب: تقع في العقل لكي نفهم، وفي الإرادة لكي نقرر، وفي القلب لكي نحي.
الأرض الطيبة ليست أرضًا بلا صعوبات، بل أرضًا تقبل أن تُفلح وتُنقّى وتُروى وتنتظر.
4. في كل قداس، يزرع الله كلمته فينا، ثم يغذينا بجسده ودمه. نسمع الكلمة لكي نحفظها، ونتناول الإفخارستيا لكي نأخذ القوة على عيشها. فالليتورجيا تجعل القلب أرضًا طيبة، حتى يصبح ما نسمعه صلاةً وحياةً وثمرًا.
5. «الذي يقع في الأرض الجيدة يثمر». تحمل هذه الكلمة معنى وطنيًا عميقًا، لأن الأوطان أيضًا تحتاج إلى أرض طيبة كي تثمر. نتكلم عن الأرض، ولبنان قبل كل شيء أرض: أرض تاريخ ورسالة وعيش مشترك.
نريد لبنان على صورة الأرض الطيبة: وطنًا حرًا سيدًا مستقلًا، يقوم على العدالة والدستور واحترام الإنسان وكرامته. نريده وطنًا وأرضًا للسلام. فالسياسة حين تسقط على أرض المصلحة الضيقة لا تثمر، والقرار حين يقع على صخر الانقسام لا يثبت، والإصلاح حين يخنقه شوك المحاصصة والامتيازات يموت. أما حين تقع الإرادة الوطنية في أرض الدولة والقانون والعدالة، فإنها تثمر استقرارًا وثقةً ونهوضًا.
6. إننا نتطلع إلى أن تُثمر المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة ما يحفظ حقوق لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤمّن الانسحاب من أرضنا، ويعيد الأمن والاستقرار إلى أهلنا وقراهم، ويفتح باب إعادة الإعمار، فتستعيد الدولة كامل دورها وسيادتها، ويكون الجيش اللبناني سندها الوحيد في حماية الوطن.
الأرض الجيدة في الوطن هي الدولة حين تكون قوية وعادلة؛ هي القضاء حين يكون مستقلًا، وهي الإدارة حين تكون شفافة، هي المسؤولية حين تتحول من امتياز إلى خدمة، هي المواطن حين يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية. نريد مؤسسات تستقبل الكفاءة فتثمر خدمة، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة.
لبنان ليس أرضًا عقيمة. لقد أثمرت هذه الأرض علمًا وثقافةً وقداسةً وفكرًا وحضورًا في العالم، ارض لبنان قادرة أن تثمر من جديد متى زُرع فيها الحق وحُمي القانون وصينت الحرية. فلنزرع السلام فيثمر استقرارًا، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة، والتعليم فيثمر مستقبلًا، والوحدة فتثمر وطنًا. نريد لبنان الأرض الجيدة التي لا تضيع فيها التضحيات، ولا تختنق فيها المبادرات، ولا تموت فيها أحلام الشباب.
7. فلنصلِّ أيها الاخوة والاخوات : يا رب، اجعل قلوبنا ووطننا أرضًا طيبة لكلمتك، واحفظ زرع الخير فينا من اللامبالاة والسطحية وهموم الدنيا. بارك لبنان بارك أرضه وشعبه، واجعل ما نزرعه اليوم حقًا وعدالةً وسلامًا، ثمرًا لأجيال الغد. واجعل أرضنا طيبة فتثمر لتمجيدك وشكرك إلى الأبد، آمين.




