قراءة فلسفيّة في أغنية «نسينا» لفريق كايروكي على ضوء أغسطينوس وهوسرل وريكور

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
النهاردة صديقي إسلام والي سألني إذا كنت سمعت الألبوم الجديد لكايروكي، وفعلا بعد ما اقترحهولي سمعت أول أغنية وهي «نسينا».  الأغنية بتبدأ بسؤال: «فاكرة؟». والسؤال هنا مش استفساري ولكنه بيطلب شهادة عليه: هل إنتِ فاكرة اللي أنا فاكره؟ هل الشوارع والأسامي والأغاني دي كانت فعلًا حياة عشناها، ولا بقت شوية صور بتتآكل جوا الذاكرة؟

الأغنية شايفة إن الأغرب هو إن الحيطة باين إنها أقدر من البشر على حفظ الماضي. الأسامي فضلت مكتوبة عليها، بينما أصحابها بقوا بيسألوا: «ونسينا ولا اتنسينا؟». الأشخاص اتغيّروا والعلاقة انتهت، لكن الأثر فضل موجود. ودي مفارقة الأغنية الأساسيّة: الزمن بيعدّي، لكنه ما بيمسحش كل حاجة! بيسيب من الماضي ما يكفي عشان يمنعنا ننساه، من غير ما يسيب ما يكفي عشان نرجّعه.

وده قريب من السؤال اللي طرحه الفيلسوف القديس أغسطينوس في  "الاعترافات": إزاي الماضي يفضل مأثّر فينا مع إنه ما بقاش موجود؟ وإزاي المستقبل يخوّفنا مع إنه لسه ما جاش؟ إجابته بتقول إننا مش بنعيش تلات أزمنة منفصلة، لكن تلات صور للحضور جوا النفس: حاضر الماضي وهو الذاكرة، وحاضر الحاضر وهو الانتباه، وحاضر المستقبل وهو الانتظار. وده بالضبط البناء الزمني لأغنية «نسينا». الماضي حاضر في الشوارع القديمة والأسامي والأغاني. والحاضر ظاهر في إنسان بيقول إنه حيّ، لكنه مش عايش فعلًا، وإن كلامه نفسه ما بقاش يشبهه. أمّا المستقبل فحاضر في الخوف «من كلّ جاي». يعني الماضي بقى ذاكرة، والحاضر اغتراب، والمستقبل قلق.

أغسطينوس بيسمّي الحالة دي باللاتينية "distentio animi"، يعني «امتداد النفس» أو تشتّتها بين اللي فات واللي بيحصل واللي جاي. ومن هنا جملة «بعدّي لكن مش بفوت» بتاخد معناها الحقيقي. ممكن الإنسان يسيب مكان ويروح مكان، ويعدّي من عمر لعمر، لكن يفضل واقف جوا نفسه عند لحظة ما قدرش يتجاوزها. الزمن الخارجي عدى، إنما النفس ما عدّتش معاه.

واللافت إن أغسطينوس نفسه استخدم الغُنا عشان يشرح الزمن. لما بيرتّل مزمور حافظه، بيكون المزمور قبل بدايته موجود في انتظاره. وأثناء الترتيل، كلماته بتنتقل من المستقبل إلى الحاضر، وبعدها تستقر في الذاكرة. وكلما الترتيل يتقدّم، يقلّ اللي لسه مستنيه ويزيد اللي بقى فاكره. وبعد كده يقول إن اللي بيحصل في المزمور بيحصل في حياة الإنسان كلها. لكن أغنية «نسينا» بتضيف حاجة تانية: الأغنية اللي بنسمعها دلوقتي ممكن ترجع لنا زمنًا أقدم منها. لما المتكلّم يقول إنه لسه بيسمع نفس الأغاني، بتبقى الموسيقى شايلة أكتر من زمن: زمن اللحن الحالي، والزمن القديم اللي ارتبط بيه، والحاضر الجديد اللي الذكرى بترجع فيه بعد ما أصحابها اتغيّروا. إحنا مش بنسمع الأغنية بس؛ بنسمع معاها النسخة القديمة من نفسنا. وده يقرّبنا من عمّنا الفيلسوف الألماني هوسرل. هوسرل بيقول إن الحاضر مش نقطة منفصلة. لما بنسمع لحن، النغمة اللي خلصت من لحظة بتفضل حاضرة في وعينا، وفي الوقت نفسه بنكون مستنيين النغمة اللي جاية. وهوسرل بيسمّي حضور النغمة الحالية «الانطباع الأوّليّ»، وبقاء النغمة السابقة «الاستبقاء» (retention)، والتوجّه للنغمة اللي جاية «الاستباق» (protention). ومن تداخل التلاتة بيتكوّن «الحاضر الحيّ».

لكن لما نسمع أغنية قديمة فتفكّرنا بعلاقة أو مكان، إحنا مش بنرجع للماضي فعلًا؛ الماضي هو اللي بيتكوّن من جديد في حاضرنا. الأغنية ممكن تفضل هي هي، لكن اللي بيسمعها ما يفضلش هو هو. اللحن ما اتغيّرش، إنما معناه اتغيّر بسبب الحياة اللي حصلت بعده. وعشان كده، الماضي ما بيفضلش في الذاكرة بس، ده كمان بيغيّر استقبالنا للمستقبل. الندبة مش مجرد أثر جرح قديم، لكنها خوف من إن الجرح يتكرّر. هوسرل بيشرح إزاي بنعيش الزمن، أمّا بول ريكور الفيلسوف الفرنسي فبيسأل: إزاي بنفهم الزمن لما نحكيه؟ الحياة ما بتوصلناش في صورة قصة جاهزة، إحنا بنعيش أحداث متفرقة، وبعد كده بنربطها ببعض. وعشان كده ريكور بيقول إن الزمن بيبقى "زمن إنساني" لمّا نرويه، وإن السرد بيعيد تشكيل خبرتنا بالزمن.

أغنية «نسينا» ما بتحكيش العلاقة من أولها لآخرها، لكنها بتدينا آثارًا متفرقة: شارع، وحيطة، وأسامي، وأغاني، وأماكن، وندوب. وبعدها تجمع الآثار دي في مسار واحد: ماضي كان فيه الاتنين «إحنا»، وحاضر بقى فيه المتكلّم «أنا» لوحده، ومستقبل مش شايفه غير من خلال الخوف. وفي الآخر ترجع الأغنية لنفس السؤال اللي بدأت منه. وده اللي ريكور بيسمّيه «التوافق المتنافر»: الحكاية بتدي للفوضى شكل، لكن ما بتلغيش وجعها. الأغنية بترتّب الألم، لكنها ما بتحلّوش. وعودتها في النهاية إلى البداية معناها إن المتكلّم قدر يحكي اللي حصل، لكنه ما قدرش يخرج منه. وده مرتبط بفكرة «الهويّة السرديّة» عند ريكور. الإنسان ما بيفضلش هو نفسه لأنه ثابت وما بيتغيّرش، لكنه بيفضل هو نفسه لأنه يقدر يحكي التغيّرات اللي مرّ بيها على إنها حياة واحدة. في الأغنية كان الماضي بصيغة «إحنا»: أسامينا وأغانينا وشوارعنا. أمّا الحاضر فبصيغة «أنا»: بسيب، وبروح، وبخاف، ومش بعيش. الـ«إحنا» اتفكّكت، وفضلت «الأنا» بتحاول تفهم هي بقت مين. أمّا «ونسينا ولا اتنسينا؟» ففيها انتقال موجع من الفعل للانفعال. «نسينا» معناها إن الماضي تراجع جوانا، لكن «اتنسينا» معناها إننا إحنا اللي خرجنا من ذاكرة الآخر. الأولى بتسأل: إيه اللي حصل للذكرى؟ والتانية بتسأل: إيه اللي حصل لنا إحنا؟

 زمن الساعة بيقول إن السنين عدّت. أغسطينوس بيقول إن الماضي لسه حاضر في الذاكرة. وهوسرل بيشرح إزاي الحاضر شايل أثر اللي فات وتوقّع اللي جاي. وريكور بيوضّح إزاي بنجمع التشتّت ده في حكاية عشان نفهم كنّا مين وبقينا مين. عشان كده «نسينا» مش بس أغنية عن الماضي، لكنها عن استحالة الرجوع له، وفي الوقت نفسه استحالة التحرّر منه تمامًا. الماضي عدى، لكن جزء منه فضل على الحيطة، وجزء استخبّى في لحن، وجزء اتحوّل لخوف من المستقبل. ويمكن دي تكون قسوة الزمن الحقيقيّة: إنه لا بيسيب لنا الناس زي ما كانوا، ولا بيمسحهم تمامًا؛ لكنه بيسيب من آثارهم ما يكفي عشان نفضل نسأل: نسينا، ولا اتنسينا؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ