مصر أكبر من لغاتها… فماذا يعني «التراث العربيّ المسيحيّ»؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يسمع بعض المسيحيّين المصريّين تعبير "التراث العربي المسيحيّ"، يتوقّفون عند كلمة "العربيّ" كأنّها تطلب منهم تغيير هويّتهم أو إنكار جذورهم القبطيّة والمصريّة. فيسأل أحدهم: هل تريدون القول إن الأقباط عربٌ من شبه الجزيرة العربيّة؟ وهل وصف تراثنا بأنه عربيّ يعني التنازل عن تاريخ مصر السابق للفتح العربيّ؟ هذه الأسئلة مفهومة، لكنها تقوم على خلطٍ بين ثلاثة أمور مختلفة: "الأصل الإثنيّ، والهويّة الوطنيّة، ولغة التعبير".
كلمة "عربيّ" قد تُستعمل بمعنى نَسَبيّ أو ثقافيّ أو سياسيّ، لكنها في تعبير "التراث العربي المسيحيّ" تُستعمل أساسًا بمعناها اللغويّ والحضاريّ. أي إننا نتحدّث عن التراث المسيحيّ الذي كُتب أو نُقل إلى "اللغة العربيّة". يضع الأب سمير خليل اليسوعيّ، أحد أبرز المتخصّصين في هذا المجال، تعريفًا مباشرًا للمصطلح فيقول: «وعندما أقول “التراث العربي”، أقصد به كلَّ ما كُتب باللغة العربيّة».[١] ويشرح أن ذلك يشمل ما أُلِّف أصلًا بالعربيّة وما تُرجم إليها من اليونانيّة أو السريانيّة أو القبطيّة وغيرها، بصرف النظر عن أصل المؤلّف أو المترجم. أمّا وصف التراث بأنه «مسيحيّ»، فيشير، في تعريفه الواسع، إلى ما أنتجه المسيحيّون في الدين واللاهوت والفلسفة والأدب والطبّ والهندسة والعلوم، لا إلى كتب الصلاة والعقيدة وحدها.
إذًا، لا تعني العبارة أن جميع أصحاب هذا التراث كانوا عربًا بالنَّسب، ولا أنهم تبنّوا هويّة قوميّة عربيّة. قد يكون الكاتب قبطيًّا مصريًّا، أو سريانيًّا، أو روميًّا، أو أرمنيًّا، لكنه كتب بالعربيّة أو نقل إليها نصوص تقليده. والكتاب الذي ألّفه قبطيّ بالعربيّة يمكن أن يكون في الوقت نفسه "قبطيًّا" من جهة تقليده الكنسيّ، و"مصريًّا" من جهة سياقه التاريخيّ، و"عربيًّا مسيحيًّا" من جهة لغته ومجاله الفكريّ. هذه الانتماءات لا يلغي بعضها بعضًا؛ لأنها تصف أبعادًا مختلفة من العمل نفسه.
وقد يساعدنا تاريخ مصر ذاتها على فهم ذلك. فمصر أقدم وأوسع من أيّ لغة انفردت بالسيادة فيها خلال مرحلة من تاريخها. وقد مرّت اللغة المصريّة القديمة بمراحل طويلة، منها المصريّة القديمة والوسطى والمتأخّرة والديموطيقيّة، وصولًا إلى "القبطيّة"، وهي المرحلة الأخيرة من تطوّر اللغة المصريّة، وليست لغةً يونانيّة كما يتوهّم البعض. غير أن الأقباط كتبوا لغتهم المصريّة بحروف الأبجديّة اليونانيّة، وأضافوا إليها حروفًا مأخوذة من الديموطيقيّة لتمثيل أصوات مصريّة لا وجود لها في اليونانيّة.[٢] فهل جعل استعمال الحروف اليونانيّة الأقباط يونانيّين؟ بالتأكيد لا. لقد أخذ المصريّون أداة كتابةٍ نافعة من حضارة أخرى، ثم استخدموها في كتابة لغتهم هم.
وقبل شيوع العربيّة، انتشرت اليونانيّة في مصر قرونًا طويلة منذ العصر البطلميّ، وظلّت لغة الإدارة والتعليم والفلسفة واللاهوت في عصور لاحقة، من غير أن تتحوّل مصر إلى اليونان. وقد كتب أوريجانوس وكيرلّس الإسكندريّ وكثير من آباء مصر مؤلّفاتهم باليونانيّة؛ ولذلك تنتمي نصوصهم إلى التراث المسيحيّ والآبائيّ اليونانيّ اللسان، لكنهم لم يصيروا مواطنين يونانيّين بالمعنى القوميّ الحديث. أوريجانوس ابن الإسكندريّة، وكيرلّس أسقفها وأحد أبرز من صاغوا تراثها اللاهوتيّ. لغة كتابتهما تضع نصوصهما داخل الأدب المسيحيّ المكتوب باليونانيّة، لكنها لا تسلبهما انتماءهما إلى تاريخ مصر وكنيسة الإسكندريّة.[٣]
ثم انتشرت العربيّة بالتدريج، فكتب بها المصريّون المسلمون والمسيحيّون واليهود، وأصبحت لغة الإدارة والعلم والحياة اليوميّة. وكما لم تجعل اليونانيّة أوريجانوس وكيرلّس يونانيَّي الجنسيّة، لم تجعل العربيّة ساويرس بن المقفّع وأولاد العسّال عربًا بالدم. اللغة تخبرنا بأيّ لسان فكّر الكاتب وخاطب مجتمعه، لا من أين جاء أجداده.
وهذا التمييز بين "مصر بوصفها وطنًا" و"لغة المصريّين في مرحلة تاريخيّة معيّنة" لم يخترعه دارسو التراث العربي المسيحيّ اليوم. ففي الفكر المصريّ الحديث شدّد أحمد لطفي السيّد على الوطنيّة الإقليميّة ورفع شعار «مصر للمصريّين»، رافضًا اختزال مصر في رابطة دينيّة أو إمبراطوريّة تتجاوز حدود الوطن. ومع أنه اختلف مع العروبة السياسيّة، كتب فكره بالعربيّة وترجم أرسطو إليها، من غير أن يرى تناقضًا بين مصريّته واستعماله العربيّة.[٤]
ودفع سلامة موسى النزعة المصريّة إلى مدى أبعد، فركّز على الاستمرار التاريخيّ بين مصر القديمة ومصر الحديثة، ولا سيّما في كتابه "مصر أصل الحضارة". وقد تضمّن خطابه أحيانًا لغةً عِرقيّة وبيولوجيّة لا يمكن قبولها أكاديميًّا اليوم، كما اتخذ موقفًا شديدًا من الفصحى ودعا إلى تبسيطها، بل وإلى الكتابة بالعاميّة والحروف اللاتينيّة.[٥] ولسنا مضطرّين إلى قبول هذه المقترحات، لكن المفارقة نفسها دالّة: سلامة موسى، الذي أراد تأكيد استقلال الشخصيّة المصريّة عن القوميّة العربيّة، صاغ معظم مشروعه الفكريّ "باللغة العربيّة". لقد ظلّ مصريًّا حين كتب بالعربيّة، كما ظلّت كتاباته مصريّة في قضاياها وهواجسها، وأصبحت في الوقت نفسه جزءًا من تاريخ الفكر المكتوب بالعربيّة.
أمّا طه حسين فقد قدّم صياغةً أكثر توازنًا. فقد شدّد على شخصيّة مصر التاريخيّة وصلاتها المتوسطيّة، لكنه عدّ العربيّة لغةً وطنيّة مشتركة للمصريّين. وفي الفصل الحادي والخمسين من كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، المخصّص لـ«التعليم الدينيّ للأقباط»، دافع بوضوح عن مساواة الأقباط الكاملة في الحقوق والواجبات، ووصف الكنيسة القبطيّة بأنها مجدٌ مصريّ ومقوّم من مقوّمات الوطن. لكنه انتقد أيضًا ضعف إعداد بعض رجال الدين لغويًّا، وتألّم من سماع الصلوات تُتلى في ما سمّاه «لغة عربيّة محطَّمة».[٦]
لم يكن طه حسين يطلب من الأقباط التخلّي عن قبطيّتهم، بل كان يطالبهم بألّا يتنازلوا عن لغتهم الوطنيّة المشتركة أو يتركوها حكرًا على المسلمين. وقد لخّص فكرته بقوله: «ليست اللغة العربيّة لغة المسلمين وحدهم، ولكنها لغة الذين يتكلّمونها مهما تختلف أديانهم».[٦] فالعربيّة عنده ليست عقيدةً إسلاميّة، بل لغة المصريّ المسلم والمسيحيّ معًا. وإتقان القبطيّ لها لا ينتقص من قبطيّته، تمامًا كما أن إتقان المسلم المصريّ للإنجليزيّة لا يحوّله إلى إنجليزيّ.
وتكشف المقارنة بين أحمد لطفي السيّد وسلامة موسى وطه حسين أمرًا مهمًّا: لقد اختلفوا في تصوّرهم لعلاقة مصر بالعروبة والغرب والبحر المتوسّط، واختلفوا في موقفهم من الفصحى والعاميّة، لكنهم اتفقوا، بدرجات مختلفة، على أن "مصر ليست مجرّد فرعٍ من اللغة التي تتكلّمها في مرحلة تاريخيّة بعينها". الهويّة المصريّة أوسع من اللغة، لكنها لا تتحقّق خارج اللغات التي استخدمها المصريّون للتفكير والتعبير عن أنفسهم.
الأمر يشبه ما نسمّيه "الأدب الفرنسيّ" أو الفرنكوفونيّ. فالرواية الهايتيّة المكتوبة بالفرنسيّة تظلّ روايةً هايتيّة ولكنّها فرنسيّة من حيث اللغة، والأدب البنينيّ المكتوب بالفرنسيّة يظلّ أدبًا بنينيًّا، والأدب البلجيكيّ الفرنكوفونيّ لا يتحوّل إلى أدب صادر عن دولة فرنسا. تنتمي هذه الآداب إلى فضاء لغويّ مشترك، لكن لكلٍّ منها تاريخ بلده وذاكرته وثقافته.[٧] والأمر نفسه ينطبق على الآداب المكتوبة بالإنجليزيّة في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأفريقيا والهند. اللغة تصف لسان النصّ، لا جواز سفر مؤلّفه. وفي بلجيكا ثلاث لغات رسميّة: الهولنديّة والفرنسيّة والألمانيّة. والبلجيكيّ الناطق بالفرنسيّة لا يصير فرنسيًّا، والناطق بالألمانيّة لا يصير ألمانيَّ الجنسيّة. وفي مصر قد يكون الإنسان مصريًّا وقبطيَّ الانتماء الكنسيّ والثقافيّ وعربيَّ اللسان في الوقت نفسه. وقد يكون مصريًّا نوبيًّا يتكلّم الكنزيّة أو الفاديجّا إلى جانب العربيّة. لا تسلبه لغته مصريّته، كما لا تسلبه مصريّته حقّه في لغته وثقافته الخاصّة.
وقد يقول شخص: لكنّ العربيّة دخلت مصر مع الفتح أو الغزو العربيّ؛ فهي «لغة المحتلّ». يمكن أن نختلف في تقويم الفتح وتسميته، ولا يلزم تجميل ما صاحب انتقال الحكم من صراعات وهيمنة. لكن تاريخ دخول لغةٍ إلى بلد لا يظلّ حكمًا أبديًّا على علاقتها بكلّ مَن يتكلّمها بعد ثلاثة عشر قرنًا. فالتحوّل من القبطيّة إلى العربيّة لم يقع في صباح اليوم التالي للفتح، بل كان مسارًا اجتماعيًّا طويلًا ومعقّدًا امتدّ قرونًا، عاشت خلالها مصر مراحل من التعدّد اللغويّ بين القبطيّة واليونانيّة والعربيّة.[٨] وخلال هذا المسار لم يبقَ المسيحيّون المصريّون متلقّين سلبيّين للغة مفروضة، بل جعلوا العربيّة أداةً للصلاة والتعليم والدفاع عن إيمانهم وكتابة تاريخهم وترجمة الكتاب المقدّس وتراث الآباء. ولم يكتفوا باستعارتها، بل شاركوا في تشكيل مصطلحاتها اللاهوتيّة والفلسفيّة والعلميّة. وهكذا لم تعد العربيّة ملكًا للسلطات التي حملتها إلى مصر، بل صارت، بمرور الزمن، إحدى لغات المصريّين أنفسهم. مصر لم تتوقّف عن أن تكون مصر حين كتبت باليونانيّة، ولم تفقد ذاكرتها حين كتبت القبطيّة بحروف أكثرها يونانيّة، ولم تتحوّل إلى شبه الجزيرة العربيّة حين صارت العربيّة لغتها الغالبة. إنها لم تعبر التاريخ داخل صندوق محكم، بل تعلّمت من الحضارات، واختارت وأعادت الصياغة واحتفظت في جعبتها بما رأته نافعًا. استمرار مصر لا يعني جمودها، بل قدرتها على التغيّر من غير أن تفقد كلّ صلة بماضيها.
وتكمن المشكلة في أن بعض المسيحيّين يساوون بين "العربيّة والإسلام"، وبين "المسيحيّة والغرب"، كأنّ كلّ ما كُتب بالعربيّة إسلاميّ بالضرورة، وكلّ لاهوت مسيحيّ حقيقيّ يجب أن يصلنا مترجمًا من اليونانيّة أو الفرنسيّة أو الإنجليزيّة. وقد لخّص الأب سمير خليل هذا المأزق بقوله: «وكأنَّ العروبة تضاهي الإسلام»، و«وكأنَّ المسيحيّة تضاهي الفكر الغربيّ».[١] والنتيجة أن المسيحيّ المصريّ قد يعرف أوغسطينوس وتوما الأكوينيّ ولوثر وكالفن، لكنه لم يسمع بأبي رائطة التكريتيّ، وثاودورس أبي قرّة، وعمّار البصريّ، ويحيى بن عدي، وساويرس بن المقفّع وأولاد العسّال.
الاعتراف بالتراث العربي المسيحيّ لا يطلب من القبطيّ أن يتنازل عن قبطيّته، ولا من السريانيّ أن ينكر سريانيّته، بل يعيد إليهما جزءًا من تاريخ أجدادهما. فالمسيحيّون لم يكونوا ضيوفًا على العربيّة، بل كانوا من صانعي ثقافتها: كتبوا وترجموا وناقشوا وأسّسوا المدارس والمكتبات، ونقلوا إليها الفلسفة والطبّ والعلوم، وجعلوها لسانًا للاهوت المسيحيّ. إذًا، المقصود بالتراث العربي المسيحيّ هو الإنتاج الفكريّ الذي كتبه المسيحيّون بالعربيّة أو نقلوه إليها، حاملين معها تقاليدهم القبطيّة والسريانيّة واليونانيّة والأرمنيّة وغيرها. فكلمة "عربيّ" تصف "لغة التراث وفضاءه الثقافيّ"، لا دم أصحابه ولا أعراقهم، وكلمة "مسيحيّ" تصف البيئة التي أنتجته والأسئلة التي عالجها.
لغة الكتاب تخبرنا بأيّ لسان فكّر مؤلّفه، لا ماذا كان سيكتب في خانة "الأصل العرقيّ". ولو أجرينا تحليل الحمض النوويّ للمخطوط، فلن نجد سوى الورق والحبر!
في الحلقة القادمة: متى بدأ المسيحيّون الكتابة بالعربيّة، ولماذا انتقلوا إليها من اليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
المراجع
[١] سمير خليل اليسوعيّ، «مدخل إلى التراث العربيّ المسيحيّ القديم»، محاضرة أُلقيت في كليّة اللاهوت للشرق الأدنى، ٢٩ يناير ١٩٨١.
[٢] Bentley Layton, Coptic in 20 Lessons: Introduction to Sahidic Coptic with Exercises and Vocabularies (Leuven: Peeters, 2007), 1–3.
[٣] Ronald E. Heine, Origen: Scholarship in the Service of the Church (Oxford: Oxford University Press, 2010)؛ Norman Russell, Cyril of Alexandria (London: Routledge, 2000).
[٤] عبد المنعم محمد سعيد وعبد الرحمن أبو عوف، إعداد، تراث أحمد لطفي السيّد، تقديم محمد صابر عرب، مجلدان (القاهرة: دار الكتب والوثائق القوميّة، ٢٠٠٨).
[٥] سلامة موسى، مصر أصل الحضارة (القاهرة: مؤسسة هنداوي، ٢٠١٧)؛ سلامة موسى، البلاغة العصريّة واللغة العربيّة (صدر أصلًا سنة ١٩٤٥؛ القاهرة: مؤسسة هنداوي، ٢٠١١).
[٦] طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر (صدر أصلًا سنة ١٩٣٨؛ القاهرة: مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤)، الفصل الحادي والخمسون، «التعليم الدينيّ للأقباط».
[٧] Patrick Corcoran, The Cambridge Introduction to Francophone Literature (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).
[٨] Samuel Rubenson, “The Transition from Coptic to Arabic,” Égypte/Monde arabe, 1st ser., nos. 27–28 (1996): 77–91؛ Arietta Papaconstantinou, “‘They Shall Speak the Arabic Language and Take Pride in It’: Reconsidering the Fate of Coptic after the Arab Conquest,” Le Muséon 120, nos. 3–4 (2007): 273–299.





