الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
وُلد أورليوس أغسطينوس سنة ٣٥٤م في تاغست، في نوميديا الرومانيّة، وهي سوق أهراس في الجزائر اليوم. كانت أمّه مونيكا مسيحيّة شديدة التعلّق بإيمانها وبخلاص ابنها، بينما اعتمد أبوه باتريكيوس قُبيل وفاته. ولم يصل أغسطينوس إلى المسيحيّة بطريق مستقيم، فقد مرّ بالمانويّة والشكّيّة، وقرأ الأفلاطونيّين المحدثين، قبل أن يعتنق المسيحيّة عام ٣٨٦م ويعتمد على يد القدّيس أمبروزيوس في ميلانو عام ٣٨٧م. وبعد سنوات صار كاهنًا ثم أسقفًا على هيبّون. وحين كتب "الاعترافات" كان قد صار رجلًا ناضجًا يعيد قراءة حياته من موقع الحاضر، محاولًا أن يفهم كيف اجتمعت أحداث متفرقة في مسار واحد. لهذا يحتلّ الزمن والذاكرة مكانًا أساسيًّا في "الاعترافات". ففي الكتاب العاشر يتأمل أغسطينوس الذاكرة، وفي الكتاب الحادي عشر ينتقل إلى الزمن، لأن فهم الحياة يتطلّب فهم الطريقة التي يحضر بها الماضي في النفس، والطريقة التي ننتظر بها المستقبل. فالإنسان لا يعيش حياته كلّها في لحظة واحدة؛ هو يتذكّر ما مضى، وينتبه إلى ما يحدث، ويتوقّع ما سيأتي.

ينطلق أغسطينوس من قول سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض»، ومنه يطرح السؤال: ماذا كان الله يفعل قبل خلق العالم؟ ويرى أن السؤال نفسه يحمل مشكلة، لأن كلمة «قبل» تفترض وجود الزمن، بينما الزمن نفسه من الخليقة. الله لا يعيش داخل زمن سبق العالم، وأبديّته ليست زمنًا طويلًا بلا نهاية ولكنّه حضورٌ لا ينقسم إلى ماضٍ ومستقبل. ثم تأتي عبارته الشهيرة: «فما الزمن إذًا؟ إن لم يسألني أحدٌ عنه، فأنا أعرفه؛ وإن أردتُ أن أشرحه لمن يسألني، فأنا لا أعرف». فنحن نستعمل كلمات الماضي والحاضر والمستقبل بسهولة، لكننا نرتبك عندما نحاول تعريفها. الماضي لم يعد موجودًا، والمستقبل لم يوجد بعد، والحاضر نفسه يمرّ فورًا. فإذا كان الزمن بهذه الهشاشة، فكيف نستطيع أن نختبره أو نقيسه؟

هنا ينتقل أغسطينوس إلى النفس. فعندما ننشد مزمورًا نحفظه، يكون ما لم نغنّه بعد حاضرًا في توقّعنا، وما غنّيناه حاضرًا في ذاكرتنا، وما ننشده الآن حاضرًا في انتباهنا. لذلك يقترح الحديث عن «حاضر الماضي»، وهو الذاكرة، و«حاضر الحاضر»، وهو الانتباه، و«حاضر المستقبل»، وهو الترقّب. وهكذا لا تعيش النفس في ثلاثة أزمنة منفصلة، بل في حركة واحدة يتداخل فيها التذكّر والانتباه والانتظار. ويسمّي أغسطينوس هذه الحالة distentio animi، أي «امتداد النفس» أو تشتّتها. فنحن لا نمتلك حياتنا مجتمعة؛ جزء منها أصبح ذكرى، وجزء نعيشه الآن، وجزء لم نزل ننتظره. ومن هنا يتحول سؤال الزمن إلى سؤال عن الإنسان نفسه: كيف يحافظ الإنسان على وحدته وهو موزّع بين ما كان وما سيكون؟ ولا يعني هذا أن أغسطينوس يعدّ الزمن وهمًا داخل النفس. فالزمن عنده جزء من الخليقة المتغيّرة، لكنه في "الاعترافات" يهتم أساسًا بكيفية عيشه في الوعي الإنسانيّ. وهنا تظهر خلفيّة أفلوطينيّة، خاصة في الربط بين الزمن وحياة النفس، لكن أغسطينوس يعيد صياغة المسألة داخل الإيمان المسيحيّ بالخَلق وبإله تتجه إليه النفس وتعيد أمامه قراءة تاريخها. ولهذا ظلّ تحليله للزمن مؤثرًا بعده بقرون طويلة. عاد إليه هوسرل في دراسته للوعي بالزمن، كما جعله بول ريكور نقطة انطلاق أساسيّة في كتابه "الزمن والسرد". فالإنسان لا يستطيع أن يجمع حياته كلّها في حاضر واحد، لكنه يستطيع أن يرويها؛ ومن خلال السرد يمنح ما عاشه وما ينتظره قدرًا من الوحدة.

ربما هنا تكمن عبقريّة أغسطينوس: سؤال «ما الزمن؟» يقوده في النهاية إلى سؤال أعمق: «مَن أنا؟». أنا ما أتذكّره، وما أعيشه الآن، وما أنتظره؛ ونفسي تظلّ ممتدّة بين هذه الأزمنة، باحثة عن وحدة لا تستطيع أن تمنحها لنفسها بالكامل.

في الحلقة القادمة: إذا كان كل ما خلقه الله صالحًا، فمن أين يأتي الشرّ، ولماذا تختار الإرادة ما يفسدها؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ