هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
لم تعد جريمة الابتزاز والتهديد بنشر الصور أو المقاطع المرئية مجرد سلوك فردي عابر، وإنما أصبحت من أخطر صور الإجرام التي أفرزها التطور التكنولوجي، لما تتركه من آثار بالغة الخطورة على حياة المجني عليهم وسمعتهم وأمنهم النفسي والاجتماعي والأسري.
فقد أصبح بإمكان الجاني أن يحتفظ بصورة أو مقطع مرئي لشخص، سواء حصل عليه بصورة مشروعة في الأصل أو استولى عليه بغير حق، ثم يحوله إلى وسيلة للضغط والإكراه، مهدداً بنشره أو إرساله إلى الأسرة أو الأصدقاء أو جهة العمل أو نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل الحصول على مال، أو منفعة، أو إجبار المجني عليه على القيام بعمل أو الامتناع عنه.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يلجأ الجاني إلى استخدام صور أو مقاطع مفبركة أو مركبة أو مولدة بوسائل الذكاء الاصطناعي، مستغلاً اعتقاد الضحية بأن مجرد وجود هذه المواد على هاتفه أو جهازه يجعل موقفه القانوني ضعيفاً.
والحقيقة القانونية على خلاف ذلك تماماً.
فالقانون لا يحمي الجاني لأنه يمتلك صورة، ولا يمنحه حقاً في تهديد صاحبها، كما أن الضحية لا تفقد حمايتها القانونية لمجرد أن الصورة حقيقية أو لأنها سبق أن أرسلتها بإرادتها في سياق خاص.
والأصل أن الرضا بإرسال صورة أو مشاركة محتوى في نطاق خاص لا يعني الرضا بإفشائه أو نشره أو استعماله وسيلة للإكراه والابتزاز.
وقد تعامل المشرع المصري مع هذه الأفعال من خلال منظومة تشريعية متكاملة، يأتي في مقدمتها قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وتعديلاته وبصفة خاصة المادتان 326 و327، إلى جانب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، فضلاً عن النصوص الأخرى التي قد تنطبق بحسب ظروف كل واقعة.
أولاً: التكييف القانوني للابتزاز القائم على التهديد بنشر الصور أو الفيديوهات
الابتزاز، وإن كان مصطلحاً شائعاً في الخطاب العام، ليس في جميع صوره جريمة مستقلة تحمل هذا الاسم في قانون العقوبات، وإنما قد تتعدد الأوصاف الجنائية التي تنطبق على الواقعة بحسب وسيلة الجاني وموضوع تهديده والغرض الذي يستهدفه.
ومن أهم النصوص في هذا المجال المادة 327 من قانون العقوبات، التي تعاقب على التهديد كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال من الجرائم الجسيمة التي حددها النص، أو بإفشاء أمور أو نسبة أمور مخدشة بالشرف، متى كان التهديد مصحوباً بطلب أو بتكليف بأمر، وتقرر له عقوبة السجن، كما قررت الحبس في الحالة التي لا يكون فيها التهديد مصحوباً بطلب أو تكليف بأمر.
وهنا تتضح نقطة جوهرية:
ليس من الضروري أن يكون التهديد صريحاً بعبارة مباشرة مثل: “سأنشر الصورة إذا لم تدفع المال”.
فقد يستخلص القاضي التهديد من مجمل الرسائل والعبارات والظروف والملابسات.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن المادة 327 لا تشترط أن تكون عبارة التهديد دالة بذاتها وبصورة حرفية على أن الجاني سيقوم بنفسه بتنفيذ الجريمة، وإنما يكفي أن يوجه التهديد إلى المجني عليه مدركاً أثره في إيقاع الرعب في نفسه، وأن تتجه إرادته إلى تحقيق هذا الأثر لحمله على الاستجابة للطلب.
ثانياً: المادة 327 عقوبات والتكنولوجيا الحديثة
من أهم ما حسمه القضاء المصري أن مفهوم «الكتابة» الوارد في المادة 327 من قانون العقوبات ليس مقصوراً على الكتابة التقليدية بالقلم أو الورق.
فقد أرست محكمة النقض مبدأ بالغ الأهمية في الطعن رقم 22620 لسنة 88 قضائية – جلسة 9 يوليو 2020، مؤداه أن الكتابة في مفهوم المادة 327 تشمل وسائل الكتابة المختلفة، بما فيها الوسائط الإلكترونية الحديثة.
وقضت المحكمة بأن إرسال عبارات التهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي باستخدام لوحة المفاتيح، متى كان بقصد إيقاع الخوف في نفس المجني عليه لحمله على أداء المطلوب منه، يتحقق به الركن المادي لجريمة التهديد.
وهذا الحكم يمثل نقلة مهمة في مواجهة الجرائم الإلكترونية؛ إذ إن «الرسالة الإلكترونية» ليست أقل أثراً من الخطاب الورقي لمجرد أنها أرسلت عبر هاتف أو تطبيق أو حساب على إحدى منصات التواصل.
ومن ثم فإن رسالة عبر: الواتساب والفيسبوك والماسنجر وانستجرام والبريد الإلكتروني، أو أي وسيلة إلكترونية أخرى، يمكن أن تكون محلاً لإثبات جريمة التهديد متى توافرت عناصرها القانونية.
ثالثاً: التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هل يشترط أن تكون الصورة أو الفيديو حقيقيين؟
هنا يجب التفرقة بين جريمة التهديد وبين جريمة النشر أو الاعتداء على الخصوصية.
ففي نطاق المادة 327 من قانون العقوبات، مناط التجريم هو أن يكون محل التهديد إفشاء أو نسبة أمور مخدشة بالشرف، وفقاً للضوابط التي حددها النص، وليس مجرد وجود صورة على جهاز الجاني.
وقد قررت محكمة النقض أن المقصود بالتهديد بإفشاء أمور أو نسبة أمور مخدشة بالشرف هو إفشاء أمور أو نسبتها إلى المجني عليه مما لو كانت صحيحة لأوجبت عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه، وأن التهديد في هذا المعنى قد يشمل التبليغ عن جريمة سواء أكانت صحيحة ووقعت بالفعل أم كانت مختلقة.
ومن ثم فإن كون المحتوى حقيقياً أو مفبركاً لا يمنح الجاني حصانة من المسؤولية الجنائية.
بل إن الفبركة ذاتها قد تفتح الباب أمام أوصاف جنائية أخرى، ولا سيما عندما يتم استعمال تقنية معلوماتية لمعالجة بيانات شخصية لشخص آخر وربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو عرضها بطريقة تمس اعتباره أو شرفه.
وهنا تظهر أهمية المادة 26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، التي تعاقب على تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه، بعقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين.
وبذلك، فإن استخدام الصور المفبركة أو المحتوى المصطنع تكنولوجياً لا يعني أن الجاني أصبح بمنأى عن العقاب، بل قد يؤدي ـ بحسب طريقة استخدامه ـ إلى قيام جرائم مستقلة أو متعددة ويعاقب بالعقوبة الأشد.
رابعاً: حماية الصور والمحتوى الخاص حتى لو كان صحيحاً.
لم يقصر المشرع المصري الحماية على المعلومات الكاذبة أو المفبركة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للمجني عليهم.
فالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تعاقب على انتهاك حرمة الحياة الخاصة، ومن ذلك نشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة. وتقرر المادة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو إحدى العقوبتين.
وهنا تتأكد القاعدة التي يجب أن يعلمها كل مواطن:
صحة الصورة لا تعني إباحة نشرها.
وكون الصورة التقطت بالفعل أو أن المجني عليه أرسلها في وقت سابق لا يعني أن من وصلت إليه أصبح مالكاً لحق نشرها على شبكة الإنترنت.
فثمة فارق قانوني واضح بين:
الحيازة الخاصة للمحتوى
وبين: إتاحته للغير أو نشره أو استعماله للإضرار بصاحبه.
خامساً: أركان جريمة التهديد المنصوص عليها في المادة 327 عقوبات
يمكن تحليل الجريمة إلى مجموعة من العناصر الأساسية:-
1- الركن المادي
يتحقق الركن المادي عندما يصدر عن الجاني سلوك يمثل تهديداً قانونياً من الأفعال التي نصت عليها المادة.
وقد يكون التهديد متعلقاً بإفشاء أو نسبة أمور مخدشة بالشرف، وهو الصورة الأكثر اتصالاً بجرائم الابتزاز بالصور والمقاطع.
ولا يشترط أن يكون التهديد وجهاً لوجه.
بل يكفي أن يصل إلى المجني عليه بأي وسيلة تحقق الغرض منه، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية.
وقد أكدت محكمة النقض حديثاً أن إرسال عبارات التهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يحقق الركن المادي للجريمة متى كان من شأنه ترويع المجني عليه وحمله على تنفيذ المطلوب.
2- محل التهديد
يشترط أن يكون التهديد متعلقاً بما يدخل في نطاق التجريم الذي حدده النص.
وفي حالات الابتزاز بالصور، قد يكون محل التهديد هو إفشاء أو نسبة أمور من شأنها المساس بالشرف أو الاعتبار وفقاً للمعيار القانوني.
وقد قررت محكمة النقض أن العبرة ليست فقط بالعبارات المجردة، وإنما بحقيقة ما تتضمنه من معنى في سياق الواقعة.
3- اقتران التهديد بطلب أو تكليف
وهذا عنصر مهم في الصورة الأولى من المادة 327.
فإذا قال الجاني للمجني عليه، مثلاً: «ادفع مبلغاً معيناً وإلا نشرت الصور».
فهنا يتوافر الارتباط بين التهديد والطلب.
ولا يشترط أن يكون المطلوب مالاً بالضرورة؛ فقد يكون المطلوب القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.
وقد أكدت محكمة النقض في أحكامها أن النص لم يقصر الطلب أو التكليف على نوع معين.
4- القصد الجنائي
لا يكفي مجرد وجود صورة أو رسالة.
بل يجب أن يتوافر القصد الجنائي الذي يقوم على علم الجاني بطبيعة ما يصدر عنه واتجاه إرادته إلى تحقيق الأثر المقصود من التهديد.
أن القصد الجنائي في جريمة التهديد يتحقق عندما يكون الجاني مدركاً لأثر تهديده في إيقاع الرعب في نفس المجني عليه وتتجه إرادته إلى ذلك، ولا يلزم أن يتحدث الحكم عن هذا القصد بصورة مستقلة متى كان ما أورده من وقائع وأدلة يفيد توافره.
سادساً: لا يشترط أن ينفذ الجاني تهديده
من الأخطاء الشائعة لدى بعض المجني عليهم الاعتقاد بأن القانون لا يستطيع التدخل إلا إذا قام الجاني بالفعل بنشر الصور.
وهذا غير صحيح.
فجريمة التهديد قد تكتمل بمجرد صدور التهديد المستوفي لعناصره القانونية، ولا يتوقف قيامها على تحقق النتيجة التي هدد الجاني بإحداثها.
أن التهديد بإفشاء الأمور المخدشة بالشرف جريمة مستقلة بذاتها، تتم بمجرد صدور التهديد، ولا يشترط أن يتم الإفشاء فعلاً.
وهذه القاعدة تحقق حماية مهمة للمجني عليه؛ لأن القانون لا يشترط انتظار وقوع الضرر حتى يتدخل.
سابعاً: ماذا لو دفع المتهم بأن الصورة ليست حقيقية؟
هذا الدفع لا يؤدي بذاته إلى سقوط المسؤولية الجنائية.
فإذا كان الجاني قد صنع صورة مفبركة أو عدل صورة حقيقية أو استخدم تقنيات رقمية لإظهار شخص في وضع لم يكن عليه، ثم استعملها للتهديد أو التشهير أو الإضرار بالسمعة، فقد تنطبق نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وغيرها بحسب تفاصيل الواقعة.
وقد نصت المادة 25 صراحة على أن النشر المنتهك للخصوصية يكون مجرماً سواء كانت المعلومات أو الصور المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
ومن هنا فإن التطور الهائل في تقنيات التزييف العميق والذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري التعامل مع المحتوى الرقمي باعتباره وسيلة قد تستخدم في ارتكاب أكثر من جريمة، وليس باعتباره دليلاً على صحة ما يظهر فيه بمجرد وجوده إلكترونياً.
ثامناً: جريمة الحصول على المال بالتهديد – المادة 326 عقوبات
إذا تجاوز الجاني مرحلة التهديد إلى الحصول بالفعل على المال أو الشيء الذي طلبه عن طريق التهديد، فقد تنطبق المادة 326 من قانون العقوبات، التي تعاقب من حصل بالتهديد على إعطائه مبلغاً من النقود أو أي شيء آخر، كما تعاقب على الشروع في ذلك.
ومن ثم فإن الواقعة قد تمر عملياً بمراحل متتابعة:
تهديد → طلب → استجابة المجني عليه → تسليم المال.
وهنا لا ينبغي الخلط بين النصوص؛ فقد يكون التهديد ذاته جريمة، وقد يكون الحصول على المال بالتهديد جريمة أخرى، وقد تجتمع معهما جرائم تقنية معلومات أو جرائم أخرى بحسب وقائع الدعوى.
تاسعاً: موقف محكمة النقض من الابتزاز الإلكتروني
من أهم الأحكام الحديثة في هذا المجال ما قررته محكمة النقض في الطعن رقم 22620 لسنة 88 قضائية – جلسة 9 يوليو 2020، إذ واجهت المحكمة واقعة تهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي بنشر صور ومقاطع مرئية، وأكدت أن استخدام الوسائط الإلكترونية لا يمنع تطبيق المادة 327، وأن الكتابة تشمل وسائل الكتابة الإلكترونية الحديثة.
كما أكدت مبادئ محكمة النقض المنشورة رسمياً في الطعن رقم 3956 لسنة 91 قضائية – جلسة 26 فبراير 2023 أن جريمة التهديد بإفشاء أمور مخدشة بالشرف قد ترتبط بطلب مبالغ مالية وبجرائم أخرى، وأن تحديد العقوبة يتأثر بالقواعد الخاصة بتعدد الجرائم والعقوبة الأشد.
وفي الطعن رقم 1292 لسنة 93 قضائية – جلسة 8 يناير 2024 عالجت محكمة النقض واقعة التهديد بإفشاء أمور مخدشة بالشرف المصحوب بطلب مبلغ نقدي، وأكدت أن العقوبة المقررة وفق المادة 327/1 هي السجن، وصححت الحكم فيما يتعلق بتطبيق العقوبة.
وتكشف هذه الأحكام عن اتجاه قضائي واضح مؤداه أن التكنولوجيا ليست عائقاً أمام تطبيق النصوص التقليدية، وإنما وسيلة جديدة لارتكاب الأفعال التي استوعبها القانون.
عاشراً: الأدلة الرقمية في جرائم الابتزاز
تتميز جرائم الابتزاز الإلكتروني بأن الدليل فيها غالباً ما يكون رقمياً.
ومن أمثلة ذلك: الرسائل النصية. والمحادثات الخاصة.
والبريد الإلكتروني. وتسجيلات المكالمات وفقاً للضوابط القانونية. والصور والمقاطع المرئية. والحسابات المستخدمة في التهديد.
وأرقام الهواتف. وبيانات الحسابات. والتحويلات المالية. وبيانات الأجهزة. والروابط الإلكترونية. وبيانات الدخول والتوقيتات. والأدلة الفنية المستخرجة من الهواتف والأجهزة.
وقد منح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة والوسائط والأنظمة المعلوماتية حجية الأدلة الجنائية المادية متى توافرت الشروط الفنية التي حددها القانون ولائحته التنفيذية.
وهذا يعني أن الرسالة الإلكترونية ليست «كلاماً على الإنترنت» فحسب؛ بل قد تكون دليلاً جنائياً متى ثبتت سلامتها ومصدرها ونسبتها إلى المتهم.
الحادي عشر: ماذا يفعل المجني عليه؟ وهل يجب أن يدفع أو يستجيب؟
الإجابة القانونية والأمنية الأهم هي: لا تستسلم للابتزاز.
فدفع المال لا يضمن توقف الجاني. بل قد يؤدي في كثير من الحالات إلى زيادة مطالبه؛ لأن الجاني يدرك أن الضحية أصبحت مستعدة للدفع تحت الضغط.
والأهم أن المجني عليه يجب أن يتعامل مع الأمر باعتباره واقعة جنائية، لا باعتباره فضيحة شخصية يجب إخفاؤها بأي ثمن.
والخوف هو السلاح الأساسي للمبتز.
فإذا نجح في إقناع الضحية بأن حياتها ستنتهي إذا تكلمت، فقد حقق أخطر جزء من هدفه.
أما إذا أدرك الضحية أن القانون يعتبر ما يحدث اعتداءً جنائياً، وأنه يستطيع اللجوء إلى السلطات المختصة، فإن قدرة المبتز على السيطرة عليه تتراجع بصورة كبيرة.
الثاني عشر: خطوات عملية يجب على المجني عليه اتباعها.
عند التعرض للابتزاز، ينبغي ـ قدر الإمكان ـ اتباع الخطوات الآتية:
1- عدم الاستجابة للطلبات
لا تدفع المال ولا تقدم مزيداً من الصور أو البيانات ولا تستجب لطلبات مقابلة الجاني أو تنفيذ أعمال غير مشروعة.
2- عدم حذف المحادثات
يجب الحفاظ على الرسائل والتهديدات كما هي.
3- توثيق الواقعة
يجب الاحتفاظ بلقطات الشاشة، وأسماء الحسابات، وأرقام الهواتف، والروابط، والتوقيتات، وأي بيانات أخرى يمكن أن تساعد في تحديد الجاني.
4- عدم إعادة إرسال المحتوى الحساس بلا ضرورة
حماية خصوصية المجني عليه تقتضي عدم تداول الصور أو المقاطع على نطاق واسع بحجة إثبات الواقعة.
والأفضل أن يقدم الدليل إلى جهة التحقيق المختصة بالطريقة التي تحفظ سلامته وخصوصيته.
5- سرعة الإبلاغ
كلما كان الإبلاغ مبكراً، زادت فرص ضبط الجاني وحفظ الأدلة الرقمية قبل حذف الحسابات أو الرسائل.
6- عدم مواجهة الجاني بصورة تعرض المجني عليه للخطر
لا ينبغي أن تتحول محاولة مواجهة المبتز إلى مواجهة مادية أو إلى لقاء منفرد معه.
7- الاستعانة بمحامٍ عند الحاجة
خصوصاً عندما تكون الواقعة مرتبطة بأكثر من جريمة، أو عندما يكون الجاني قد نشر المحتوى بالفعل، أو عندما يكون هناك تهديد مستمر أو خطر حقيقي على المجني عليه أو أسرته.
الثالث عشر: ماذا لو كان الجاني يهدد بالنشر ولكنه لم ينشر شيئاً؟
لا ينبغي للمجني عليه أن ينتظر النشر.
فإذا توافرت عناصر جريمة التهديد، فإن القانون لا يشترط بالضرورة تحقق الإفشاء فعلاً حتى يمكن اتخاذ الإجراءات القانونية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الهدف من التجريم هو حماية الإنسان قبل اكتمال الضرر النهائي.
أن جريمة التهديد بإفشاء الأمور المخدشة بالشرف تتم بالتهديد ذاته، متى توافرت عناصرها القانونية.
الرابع عشر: هل كون المجني عليه قد أرسل الصورة بإرادته يسقط حقه؟
لا.
وهذه من أخطر الخرافات القانونية التي يستغلها المبتزون.
إذا أرسل شخص صورة إلى آخر في نطاق خاص، فإن ذلك لا يعني أنه تنازل عن خصوصيته أو أعطى المتلقي ترخيصاً مفتوحاً بنشر الصورة أو استعمالها في تهديده.
فالموافقة على الإرسال في سياق خاص شيء، والموافقة على النشر والإفشاء والتداول شيء آخر تماماً.
ومن ثم لا يجوز للمبتز أن يقول: «هي أرسلت الصورة لي بنفسها، وبالتالي يحق لي نشرها.»
فهذا الاستنتاج لا يستقيم قانوناً على إطلاقه.
الخامس عشر: إذا كانت الصورة أو الفيديو مفبركين بالذكاء الاصطناعي
تزداد أهمية هذه المسألة في العصر الحالي.
فالتكنولوجيا الحديثة جعلت من الممكن تركيب الوجوه والأصوات والصور والمقاطع بطريقة شديدة الإقناع، وهو ما قد يستخدمه بعض الجناة في صناعة محتوى مزيف ثم تهديد شخص بنشره.
وهنا يجب أن تدرك الضحية أن الفبركة لا تحول الجريمة إلى أمر مباح.
بل قد تكون الفبركة ذاتها جزءاً من السلوك الإجرامي، وقد تنطبق المادة 26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات إذا تحققت عناصرها، فضلاً عن المادة 25 وغيرها من النصوص بحسب طبيعة الفعل.
والقاعدة التي ينبغي ترسيخها هي: ليس المهم أن يكون المحتوى حقيقياً حتى يكون التهديد مجرماً، وإنما المهم هو طبيعة السلوك الذي ارتكبه الجاني وتوافر عناصر النص الجنائي المنطبق على الواقعة.
السادس عشر: تعدد الجرائم في واقعة الابتزاز الواحدة
قد لا تقف المسؤولية الجنائية عند جريمة واحدة.
فقد تتضمن الواقعة الواحدة:
1. جريمة تهديد وفق المادة 327 عقوبات.
2. جريمة الحصول بالتهديد على المال وفق المادة 326 عقوبات.
3. انتهاك حرمة الحياة الخاصة.
4. نشر صور أو معلومات خاصة دون رضا صاحبها.
5. استعمال تقنية معلوماتية للمساس بالشرف أو الاعتبار وفق المادة 26 من القانون رقم 175 لسنة 2018، متى توافرت شروطها.
6. جرائم أخرى مرتبطة بالاعتداء على الحسابات أو الدخول غير المشروع أو استعمال وسائل الاتصالات، بحسب الوقائع.
وفي هذه الحالات تطبق القواعد الخاصة بالتعدد والارتباط وفقاً للضوابط التي رسمها قانون العقوبات، ولا يجوز اختزال الواقعة آلياً في مجرد وصف «ابتزاز إلكتروني».
السابع عشر: رسالة إلى ضحايا الابتزاز
هناك رسالة هامة للغاية:
لا تخافوا من المبتز.
الخوف هو رأس مال المبتز الحقيقي.
فهو لا يملك سلطة قانونية على الضحية، ولا يملك حقاً في نشر صورها، ولا يصبح مالكاً لشرفها أو سمعتها لمجرد أنه حصل على صورة أو مقطع.
والضحية ليست هي المتهمة.
وحتى إذا كانت الصورة حقيقية، وحتى لو كانت قد أرسلتها بإرادتها لشخص آخر، وحتى لو كانت تخشى من معرفة أسرتها أو أصدقائها بالأمر، فإن ذلك لا يمنح الجاني حق تهديدها أو ابتزازها.
بل على العكس: الجاني هو الذي وضع نفسه في مواجهة القانون.
ومن هنا فإن التعامل الصحيح مع الابتزاز يبدأ بإعادة بناء العلاقة النفسية مع الواقعة:
بدلاً من أن تقول الضحية: «ماذا سيحدث إذا نشرت الصورة؟»
ينبغي أن تقول: «ماذا سيحدث قانوناً للشخص الذي يهددني وينشر محتوى خاصاً بي دون رضاي؟»
وهنا يتحول مركز القوة.
الثامن عشر: نحو سياسة أكثر فاعلية لمواجهة الظاهرة
إن مواجهة الابتزاز الإلكتروني لا تتحقق بالعقوبة وحدها.
بل تحتاج إلى ثلاثة محاور متكاملة:
أولاً: الردع القانوني
من خلال التطبيق الحازم للنصوص الجنائية على كل من يمارس التهديد والابتزاز والتشهير وانتهاك الخصوصية.
ثانياً: التوعية
ينبغي أن يعرف المواطن، وخاصة الشباب، أن الابتزاز جريمة وأن المجني عليه ليس ملزماً بالخضوع للجاني.
ثالثاً: سرعة الاستجابة
فكل تأخير في التعامل مع البلاغات الرقمية قد يسمح للجاني بحذف الأدلة أو تغيير الحسابات أو نقل المحتوى إلى منصات أخرى.
ومن ثم يجب تطوير آليات متخصصة وسريعة لاستقبال بلاغات الابتزاز الرقمي، مع مراعاة خصوصية الضحايا، وبخاصة في الحالات التي تتعلق بصور أو مقاطع ذات طبيعة حساسة.
ونرى إن انتقل الابتزاز من صورته التقليدية إلى فضاء رقمي أكثر خطورة واتساعاً، إلا أن هذا التطور التكنولوجي لا يعني أن القانون أصبح عاجزاً أمامه.
فالنصوص الجنائية القائمة، وعلى رأسها المادتان 326 و327 من قانون العقوبات، إلى جانب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، توفر إطاراً قانونياً مهماً لمواجهة صور متعددة من هذه الأفعال.
وأن حماية الخصوصية الرقمية لا تتوقف على كون الصورة أو المعلومة صحيحة أو كاذبة، فقد نصت المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات صراحة على تجريم نشر المعلومات أو الصور التي تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة.
ومن ثم فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يتعرض لهذا النوع من الجرائم هي: لا تدفع للمبتز، ولا تخضع لتهديده، ولا تمنحه مزيداً من الأدلة، ولا تحذف ما يثبت جريمته، ولا تخجل من طلب الحماية القانونية.
فالسكوت لا يمنح الضحية أمناً دائماً، والاستجابة لا تضمن توقف المبتز.
أما القانون، فقد جعل من التهديد والابتزاز وانتهاك الخصوصية أفعالاً قابلة للمساءلة الجنائية متى توافرت عناصرها.
ويبقى الوعي هو خط الدفاع الأول.
فالضحية ليست مجرماً، وامتلاك الجاني لصورة لا يمنحه حقاً في ابتزاز صاحبها، والخوف من الفضيحة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لاستمرار الجريمة.
والقاعدة التي يجب أن تترسخ في المجتمع هي:
لا تفاوض المبتز على حريتك وكرامتك؛ بل سلّم أمره إلى القانون.





