أيّ «جيوش عربيّة»؟ وهل تبقى اللغةُ لغةَ المحتلّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يقول بعض المؤرّخين إنّ «الجيوش العربيّة دخلتْ مصر في القرن السابع الميلاديّ»، تبدو العبارة واضحة، لكنّها في الحقيقة تحمل تصوّرات حديثة لم تكن موجودة آنذاك. فما المقصود بـ«العربيّة» هنا؟ هل نتحدّث عن جيش دولة قوميّة عربيّة، يحمل جنودها جواز سفر وجنسيّة واحدة؟ وهل كان هؤلاء "سعوديّين" مثلًا لأنّهم قدموا من شبه الجزيرة العربيّة؟ وأيّ علاقة بين المقاتلين في القرن السابع وبين مئات الملايين الذين يوصفون اليوم بأنّهم عرب؟
بدأ الاستيلاء العسكريّ على مصر نحو عام ٦٣٩م، في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب، وقاده عمرو بن العاص، وسقطت الإسكندريّة نحو عام ٦٤٢م تقريبًا. وكانت مصر آنذاك ولايةً تابعةً للإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة، التي نسمّيها عادةً البيزنطيّة، بينما كانت القوة القادمة دولةً إسلاميّة ناشئةً مركزها المدينة، سمّاها المؤرّخون لاحقًا "الخلافة الراشديّة"[١]. ولم تكن الخلافة الراشديّة دولةً قوميّةً عربيّةً بالمفهوم الحديث، كما لم تكن مصر دولةً قوميّةً مستقلّةً لها جواز سفر وحدود وسيادة بالمعنى المعاصر. تكوّن الجيش من مقاتلين ينتسبون إلى قبائل وجماعات مختلفة، جاء معظمهم من شبه الجزيرة العربيّة، وجمعتهم التبعيّة السياسيّة للخليفة والانتماء إلى الحركة الإسلاميّة الناشئة، وكانت العربيّة لغتهم الغالبة. لذلك يمكن تسمية ما حدث "فتحًا أو غزوًا أو احتلالًا عربيًّا" بالنظر إلى التركيب العامّ للقوة المحاربة، ويمكن ربط ذلك بالدين، بالنظر إلى هويّة الدولة، فما حدث هو استيلاءٌ عسكريّ على أرضٍ يحكمها طرف آخر. لكن أيّ تسمية من هذه تحتاج إلى شرح، ولا ينبغي تحويلها إلى شعارٍ عاطفيّ يغني عن دراسة التاريخ.
ولو استدعينا موظّف جوازات من عصرنا وأجبرناه على ملء استمارة لأحد هؤلاء المقاتلين، فلن يستطيع أن يكتب في خانة الجنسيّة: "سعوديّ" أو "سوريّ" أو "عراقيّ"؛ لأن هذه الدول والجنسيّات لم تكن موجودة وقتها. يمكنه فقط أن يسجّل قبيلته، والمدينة أو الإقليم الذي جاء منه، وتبعيّته لسلطة الخليفة، ودينه. أمّا الجنسيّة بوصفها رابطةً قانونيّة بين الفرد ودولة قوميّة ذات حدود ثابتة، فهي مفهوم أحدث بكثير. هذا التمييز ضروريّ؛ لأن اللغة غير الدقيقة قد تحوّل نقد واقعة تاريخيّة إلى عداءٍ عرقيّ موجَّه ضدّ "العرب" جميعًا، كأنهم شخص واحد ظلّ حيًّا منذ القرن السابع إلى اليوم! من حقّ المصريّ أن يدرس الفتح أو الغزو أو الاحتلال دراسةً نقديّة، وأن يناقش العنف والضرائب وتغيير السلطة وما ترتّب عليه من ضغوط، لكن المسؤول عن قرار تاريخيّ هو السلطة التي اتخذتْه والقوة التي نفّذتْه والنظام الذي نشأ عنه، لا كلّ إنسان يتكلّم العربيّة اليوم، ولا اللغة العربيّة نفسها.
والأمر يشبه حديثنا عن الاستعمار البريطانيّ. نقول عادةً إن «إنجلترا احتلّت أمريكا وكندا وأستراليا»، مع أنّ أمريكا الشماليّة تقاسمت استعمارها إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وروسيا وغيرها، فوق أراضي الشعوب الأصليّة. وبدأ استعمار المستعمرات الأمريكيّة الثلاث عشرة تحت "مملكة إنجلترا"، ثم أصبحتU بعد اتحاد إنجلترا واسكتلندا عام ١٧٠٧ تابعةً "لمملكة بريطانيا العظمى". أمّا "المملكة المتحدة" بصورتها الأولى فلم تظهر إلّا عام ١٨٠١. وفي كندا سبقت فرنسا بريطانيا إلى مناطق واسعة، ثم انتقلت "فرنسا الجديدة" إلى الحكم البريطانيّ سنة ١٧٦٣، بينما بدأ الاستيطان البريطانيّ في أستراليا عام ١٧٨٨ [٢]. إنجلترا اليوم ليست الدولة السياديّة القائمة، ولكنّها جزءٌ من المملكة المتحدة، وإن وُجدت استمراريّة مؤسسيّة وتاريخيّة بين الكيانات القديمة والدولة الحاليّة. لذلك يمكن تفهّم نقد الكنديّ أو الأستراليّ أو الأمريكيّ للإمبراطوريّة البريطانيّة وإرثها، لكن إذا حوّل شخص النقد إلى كراهية كلّ ما هو إنجليزيّ معاصر أو احتقار اللغة الإنجليزيّة فلن يكون تاريخًا بقدر ماهو تعميم عرقيّ. وارتباط لغةٍ ما بفتحٍ أو استعمار لا يعني أنها تحلّ آليًّا محلّ لغات السكّان. فقد أسقطت الجيوش الإسلاميّة الإمبراطوريّة الساسانيّة في القرن السابع، لكن الفارسيّة لم تختفِ. تطوّرت الفارسيّة الوسطى إلى الفارسيّة الحديثة، واقتبست كثيرًا من الألفاظ العربيّة، وكُتبت بأبجديّة عربيّة معدَّلة، لكنها ظلّت لغةً فارسيّةً ذات بنية مستقلّة، ثم أصبحت إحدى أعظم لغات الأدب والحضارة الإسلاميّة. لقد اعتنق الإيرانيّون الإسلام من دون أن يصبحوا عربًا أو يستبدلوا العربيّة بلغتهم استبدالًا كاملًا[٣]. أما تركيا فلا يصحّ تقديمها بوصفها بلدًا "احتفظ بالتركيّة زمن الفتح العربيّ"؛ لأن دولة تركيا لم تكن موجودة، ولأن الأناضول في القرن السابع لم يكن تركيَّ اللسان، بل غلبت فيه اليونانيّة إلى جانب الأرمنيّة ولغات أخرى. الأدقّ أن نقول إن شعوبًا تركيّة دخلت العالم الإسلاميّ واعتنقت الإسلام تدريجيًّا، ولا سيّما بين القرنين التاسع والحادي عشر، لكنها احتفظت بلغاتها التركيّة. ثم دخل السلاجقة الأناضول، وتوسّع الحضور التركيّ بعد معركة ملاذكرد عام ١٠٧١، وتطوّرت عمليّة "تتريك" الأناضول على مرّ قرون. تأثّرت التركيّة بالعربيّة والفارسيّة تأثّرًا عميقًا، لكنها لم تتحوّل إلى العربيّة[٤].
وتقدّم إندونيسيا مثالًا أوضح. فهي من أكبر البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة في العالم، لكن العربيّة ليست لغتها الرسميّة، بل اللغة الإندونيسيّة. ولم يدخل الإسلام إلى جزرها عن طريق جيش عربيّ احتلّها، لكنّه انتشر تدريجيًّا بواسطة التجارة وشبكات العلماء والمتصوّفة واعتناق الحكّام المحليّين الإسلام، ولا سيّما منذ القرن الثالث عشر. تعلّم المسلمون هناك العربيّة للصلاة وقراءة القرآن والعلوم الدينيّة، لكنهم لم يتخلّوا عن لغاتهم المحليّة، ولم يصبحوا عربًا[٥].
إذًا، لا يساوي الإسلام العربيّة، كما لا تؤدّي الأسلمة بالضرورة إلى التعريب. إيران مسلمة وفارسيّة اللسان، وتركيا مسلمة وتركيّة اللسان، وإندونيسيا مسلمة وإندونيسيّة اللسان. وفي المقابل توجد جماعات مسيحيّة عربيّة اللسان في مصر والشام والعراق وفلسطين وسوريا والأردن وغيرهم، كما توجد جماعات عربيّة اللسان من ديانات أخرى. فاللغة ليست عقيدةً، والعقيدة ليست جنسيّةً.
وفي مصر لم يستيقظ السكّان في صباح اليوم التالي للفتح وقد نسوا القبطيّة. ظلّت القبطيّة واليونانيّة مستخدَمتين قرونًا، ثم أخذت العربيّة تدخل الإدارة والاقتصاد والحياة العامّة تدريجيًّا، قبل أن تصبح لغة معظم المصريّين. وقد حدث التعريب في سياق تفاوت سياسيّ واجتماعيّ وضغوط لا ينبغي إنكارها، لكنه لم يكن مجرّد مرسوم حكوميّ نُفِّذ في يوم واحد، ولم يبقَ المصريّون متلقّين سلبيّين للغة الجديدة. لقد امتلكوها وكتبوا بها تاريخهم وشعرهم ولاهوتهم، واستخدمها الأقباط أنفسهم في حفظ ما بقي من لغتهم القبطيّة.
دخلت العربيّة مصر مع دولة مستعمِرة، لكن تلك الدولة زالت، والخلافة الراشديّة زالت، والدولة الأمويّة زالت، والدولة العباسيّة زالت، بينما بقي المصريّون وبقيت اللغة التي صارت، على مرّ قرونٍ طويلة، لغتهم المشتركة. لذلك فإن اختزال العربيّة اليوم في عبارة "لغة المحتلّ" يشبه اختزال الإنجليزيّة في كندا وأستراليا والولايات المتحدة في لحظة وصول السفن البريطانيّة: يصف بدايةً تاريخيّة، لكنه يعجز عن تفسير كلّ ما حدث بعدها. فالدول الناطقة بالإنجليزيّة لا تقول إنّها ليست لغتنا ، فهي لغة المحتلّ! كذلك مع باقي الدول الناطقة بالفرنسية والإسبانية والبرتغالية! يمكننا نقد الإمبراطوريّات من دون تحويل التاريخ إلى كراهية أعراق، ويمكننا الاعتزاز بالقبطيّة من دون احتقار العربيّة، ويمكننا وصف الاستيلاء العسكريّ من دون اتهام كلّ عربيّ معاصر بأنه شارك فيه. فالدولة التي غزت زالت، والقبائل تبدّلت واختلطت، أمّا اللغة فصارت ملكًا لكلّ مَن صنع بها فكرًا وأدبًا وصلاةً.
وفي الحلقة القادمة: هل للمسيحيّة لغةٌ مقدّسة، ولماذا كُتبت الأناجيل باليونانيّة مع أن يسوع كان يتكلّم الآراميّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





