سحر الجعارة
(أنا بنت النيل وزهو الجيل بكل جميل تلقاني.. في قمر الليل وموج البحرِ وشمس الصحراء تراني.. في وجه الدنيا كتبوني للغات الدنيا نقلوني.. واشتاقوا لي وأحبوني.. أنا لست امرأة عادية: «أنا مصرية»).. هكذا رأيت كلمات «ماجدة الرومي» تتجسد في «مصرية»: انهار المول بالكامل على رؤوس الرجال والنساء والأطفال، وساد الرعب والفزع وهرول الرجال وكأنه يوم القيامة، وإذا بها تعقد شعرها الأسود المنسدل على كتفيها وتبادر لإنقاذ الجرحى!.

ولمَ لا؟! إنها القوية الأبية العاقلة التي تصدت بصدر عارٍ لرصاص الإخوان لتحرر وطنها من الفاشية الدينية، وهي التي واجهت جرائم التحرش، وحاربت تختين الإناث، وقاومت العنف الأسري. وهي التي تقصفها المنصات التي تحرض على كراهية النساء أو تبرر العنف ضدهن.. وهو ما حدث بالفعل من المتعصبين والمتشددين الذين وضعوا شعرها وجسدها مقابل إنقاذ حياة الأطفال!.

قمت ببحث مطول ولم أجد اسمها ولا تصريحات لها، كل المكتب عنها أنها طالبة بكلية الطب، وهذا يزيدها قيمة، فهي لم تتاجر بشجاعتها في مواجهة الموت ولا ترغب في شهرة أو تريند.. وهذه هي حقيقية المصريات. تنازلت عن أنوثتها، المتمثلة في شعرها، لتقدم على عمل إنساني وبطولي لا يجرؤ على الإقدام عليه غالبية الرجال.. بسرعة بديهة وإقدام وجرأة وبطولة حقيقية دون ادعاء أو تفكير أو خوف.

أنا أكره الثناء على الأنثى بأنها بمائة رجل.. قل إنها بمائة إنسان حتى لا يصبح الثناء انتقاصاً من إنسانيها.. وهي كانت بمائة إنسان وكأنها محاربة ضد الموت تتصدى لشبح الموت بمعلومات قد تكون بسيطة عن الإسعافات الأولية.. وتحتضن الأطفال كأم.

لم تتخيل «بطلة المول»، التي ذهبت للتسوق بأحد المحال التجارية داخل المول أو للجلوس داخل أحد المطاعم لتناول وجبة الغداء والتنزه بعض الوقت، أن تنفجر أسطوانة هيليوم داخل أحد محال بيع الهدايا وألعاب الأطفال، ما أسفر عن وفاة 3 أشخاص وإصابة آخرين، فضلاً عن حدوث تلفيات بواجهة عدد من المحال المجاورة.

وكأن المرأة المصرية تدربت على مواجهة المصائب، فبعيداً عن «بطلة المول»، هناك مئات أو آلاف من النساء يقفن على أبواب «محكمة الأسرة» طلباً لحقوقهن.. أما النساء المعيلات فوفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقديرات المجلس القومي للمرأة في مصر، يبلغ عدد الأسر التي تعولها وتدير شئونها نساء نحو 3.3 مليون أسرة، وهو ما يمثل نحو 30% من إجمالي الأسر المصرية، في حين تشير بعض التقديرات والتقارير الحقوقية والدراسات السكانية إلى أن أعداد النساء اللاتي يتحملن مسئولية الإعانة أو رئاسة الأسرة بشكل كلي أو جزئي قد تصل إلى نحو 12 مليون امرأة بناءً على تعريفات اتساع نطاق الإعالة.. ومعاناة المعيلات نتيجة لسلوك «ذكوري» لا علاقة له بالقانون بل إنه يضع أعباء مادية على كاهل الدولة.. كيف أصبحت المصرية قاضية ووزيرة وامرأة عاملة.. إلخ في مناخ من الضغوط المسكوت عنها كضرب الزوجات!!.

لكن هذه الفتاة «بطلة المول» رباها رجل بعقل سليم وضمير نقي.. علمها أن الحرية حق والمساهمة في إنقاذ البشر واجب.. وأن وجودها على أرض الواقع هو أكبر مواجهة مع «ثقافة اختطاف عقل المرأة» أو محاولات تيارات معينة إقصاء النساء من المشهد العام وتقييد حرياتهن باسم الدين.

علموا البنات أنهن لسن «عورة» أو «ملكية خاصة للرجل»، أو أن ضربهن «واجب شرعي» في مجتمع فقد عقله، وأن تعليمها وعملها حق، وكذلك ميراثها، مهما تحالفت ضدهن «الأعراف والتقاليد» أو اجتمع المشايخ على شعار «لا اجتهاد مع النص».. فيجتمع العرف والنص على المرأة لتُدفن حية في أرض بور مسجلة باسم شقيقها!

لا تكفّنوها بالنقاب ولا ترهبوها بالثعبان الأقرع.. اتركوها «حرة» لتمتلك مصيرها مثل «بطلة المول».. دعوها فراشة حرية كما وصفتها السيدة «ماجدة الرومي»: (أوراق زهور برية.. أجنحة طيور بحرية. ليلٌ وحرير وتكية. وتقول الشفة الخمرية: أنا مصرية.. كالأرض حميمة وبهية.. كالشمس قديمة وصبية).
نقلا عن الوطن