منى ابو سنه
إن الإيمان والعقل مرتبطان بالإنسان ويشترطان الحرية، ومن ثم فإن العلاقة بين الإيمان والعقل علاقة عضوية؛ حيث إن الإيمان يشترط العقل والعقل يدور على فهم الإيمان. إذن فإن علاقة الإيمان بالعقل علاقة منطقية، يمكن القول بأن العلاقة بينهما ينبغى أن تتأسس على حرية الإنسان.
والمقصود بالحرية هنا هى «الحرية- فى- الإيمان»، وهذه العبارة هى على نمط عبارة هيدجر «الوجود- فى- العالم»، وحرف الجر «فى» فى العبارة يعنى أن ثمة علاقة عضوية لا تنقصم عراها بين طرفين. وفى عبارتى المقترحة ثمة علاقة عضوية بين الحرية والإيمان؛ بمعنى إعمال العقل فى الإيمان من غير قيد أو شرط، أو بمعنى آخر يمكن القول بأن العقل مستقل أو حر وهو يعقل الإيمان، ذلك أن لفظ الإيمان لغة وفقهاً فى جميع اللغات وجميع الأديان، هو الاعتقاد بدون براهين من العقل أو من الطبيعة. ومن ثم فإن ما أقصده من قولى «الحرية فى الإيمان» هو حرية المؤمن فى جماعة المؤمنين، الأمر الذى يستلزم من هذه الجماعة ضرورة إقرار حق الفرد فى إعمال العقل المستقل فى إيمانه من غير أن يتعرض للتكفير أو يتهم بالهرطقة سواء من علماء الدين أو من جمهور المؤمنين.
كيف يتحقق هذا القصد من عبارة «الحرية فى الإيمان»؟.
للجواب عن هذا السؤال يلزم استعراض تاريخ الفكر الدينى والفلسفى فى الأديان الثلاثة القائمة فى الشرق الأوسط. وحيث إن هذا الاستعراض أمر محال فى مثل هذا المقال فإننا نجتزئ من هذا الاستعراض الفيلسوف اليهودى السكندرى «فيلون» Philo، تاريخه لم يضبط، فهو ما بين عام ٤٠ ق.م وعام ٤٠ بعده. ولقب بالسكندرى لأنه جدد فى الأفلاطونية وهو مقيم بالإسكندرية التى خلفت أثينا كمركز للفلسفة. وكانت غايته من تجديد الأفلاطونية أن يبرهن لليونان أنه قادر على التفلسف مثلهم ولكن من خلال التوراة، وهنا كان فيلون يستعين بالتأويل فى تفسير التوراة. صحيح أنه قال إن كل كلمة وردت فى العهد القديم هى وحى من الله، ولكنه قال أيضاً إن هذا الوحى الإلهى هو فى حقيقته مجاز إلهى نابع من علاقة الروح الإنسانية مع الله. ومن ثم ميز فيلون بين المعنى الحرفى والمعنى المجازى فقال مثلاً إن العالم لا يمكن أن يُخلق فى سبعة أيام بالمعنى الحرفى للفظ يوم، وأن خلق حواء من ضلع آدم مجرد أسطورة، كما ميز بين الدين الشعبى أى الخرافة والدين العقلائى. وبرر هذا التمايز برفضه للتعصب وللإيمان المبتذل على حد تعبيره؛ ويعنى به الدين القائم على خرافة وليس على الفكر العقلانى. وتأسيساً على ذلك فإن فيلون قد ارتأى أن قصص الإنجيل هى وسيلة لجعل الأفكار مرئية أو محسوسة، أما المؤمن فعليه الكشف عن المعنى الباطن لهذه القصص فيجاوز بذلك كل ما هو مرئى أو حسى.
وفى القرن السادس عشر قاد لوثر حركة الإصلاح الدينى والكنسى بأن دعا إلى حرية الإنسان فى فحص الكتاب المقدس وإلى تكوين علاقة المؤمن بإيمانه علاقة مباشرة بلا وساطة. ولكن المفارقة هنا أن لوثر قد وضع قواعد أو «دوجما» للمذهب البروتستانتى فبزغت الأصولية المسيحية من داخل المذهب مع بداية القرن العشرين. ومع ذلك فقد أفرزت حركة الإصلاح الدينى تيار التأويل أو «الهرمينوطيقا».
إلا أن لوثر لم يكن أول من دعا إلى التأويل فقد سبقه ابن رشد فى القرن الثانى عشر فى قرطبة بإسبانيا، حيث دعا طرحه إلى ضرورة تأويل النص الدينى وذلك لأنه يحتوى على معنيين: ظاهر وباطن. وأن على العقل أن يعمل ذاته فى النص لكى يكتشف المعنى الباطن، وقد رتب ابن رشد على مفهومه للتأويل مسألتين: المسألة الأولى أنه لا إجماع مع التأويل، والمسألة الثانية أنه لا تكفير مع التأويل؛ ذلك بسبب تعدد التأويلات ومشروعية هذا التعدد من الوجهتين الشرعية والفلسفية. ومن هنا تنشأ الحرية فى الإيمان أى استقلال الفرد وهو يحيا فى جماعة المؤمنين.
وفى القرن الثامن عشر تطور مفهوم الإيمان عند الفيلسوف الاسكتلندى ديفيد هيوم فى كتابه المعنون «محاورات فى الدين الطبيعى» الذى انتهى من تأليفه ولكنه لم يشأ نشره فى حياته ونُشر بعد وفاته بثلاث سنين فى عام ١٧٧٩م.
ومعنى ذلك أنه فطن إلى أن ثمة حرجاً فى نشره أثناء حياته، فما هو هذا الحرج؟ إن القارئ لهذا الكتاب يرى نفسه أمام ثلاث شخصيات متحاورة وهم: ديميا ويمثل الإيمان المتعصب، وكليانس يمثل الإيمان العقلانى القائم على التأمل فى الخبرة الإنسانية فى العالم، وفيلو ويمثل الشك وبالتالى عدم قدرة العقل على مواجهة تحديات كل من ديميا وكليانس.
والمتعمق لمسار الحوار يدرك انحياز هيوم إلى موقف كليانس لأنه يدلل على أن الإيمان الدينى مجرد وجهة نظر وهو فى ذلك مثل المعرفة القائمة على العالم الطبيعى، إذ هى كذلك وجهة نظر، كلا الموقفين يقبل الاختلاف الأمر الذى يفضى إلى التسامح ونفى التعصب وإفساح الطريق لحرية التأويل. أى أن موقف كليانس يفضى فى النهاية إلى موقف فيلو.
خلاصة القول أن ثمة إشكالية، ها هنا، قد أثارها هيوم وهى تقوم بين المعرفة والرأى، وقد تفرغ كانط لحل هذه الإشكالية بأن قال بأن العقل ينزع نحو المطلق ولكنه غير قادر على اقتناصه فيقع بنسبية المعرفة دون الارتقاء بها إلى اليقين المطلق. ومع ذلك فالدين قائم وتناوله لازم. فألف كانط كتاباً عنوانه «الدين فى حدود العقل وحده» (١٧٩٣) رد فيه الدين إلى مجرد عاطفة، وأجرى تأويلاً رمزياً للعقيدة المسيحية، الأمر الذى دفع الملك إلى إبلاغ كانط بالتوقف عن نشر الأضاليل فاستجاب كانط بلا تردد وهذا دليل على خطورة التأويل، ودليل أيضاً على سبب تكفير ابن رشد قبل تهديد كانط بسبب رأى ابن رشد فى التأويل على نحو ما ذكرنا آنفاً وما زال المفكرون اليوم مهددين فى حياتهم بسبب ترويجهم لضرورة التأويل. فما العمل؟
اللافت للانتباه أن السلطة السياسية والسلطة الدينية فى تهديدها لمؤولى النص الدينى إنما تستند إلى انحياز الجمهور نحوها، ولهذا ينبغى الاهتمام بالجمهور وتدريبه على ممارسة التأويل، خاصة وأن اللغة الشعبية مليئة بالمجاز، وبالتالى يمكن تدريب الجمهور على ممارسة التأويل المجازى فى مجال النص الدينى، وحيث إن هذا التأويل من وظيفة العقل وليس من وظيفة العاطفة لزم الربط بين التأويل ونظرية المعرفة، أو بالأدق، نظرية العقل فيصبح الجمهور على وعى بقبول التأويل عقلياً، ومن خلال الربط بين التأويل ونظرية المعرفة ينشأ فقه دينى جديد يربط بين اللغة الشعبية الطبيعية ولغة النص الدينى من خلال التأويل المجازى كوسيلة لعقلنة الإيمان.
وفى تقديرى أن وجود ذلك الفقه المقترح يساعد على تعميق الإيمان القائم على الحرية الفردية والجماعية والمستند إلى إعمال العقل وليس مجرد السمع والطاعة مما يضعف من تأثير تيار جماعة الإخوان الذى يقوم على تحريم وتجريم إعمال العقل والالتزام المطلق بمبدأ السمع والطاعة.
نقلا عن المصرى اليوم





