القس رفعت فكرى سعيد
ليست كل الجرائم سواء، فحين يتحول الصديق إلى قاتل، ويصبح من وثقنا به مصدرًا للموت، فإن الجريمة تتجاوز حدود القتل إلى خيانة عميقة للثقة والأمان والإنسانية. أن يقتل إنسانٌ صديقه، ثم تمتد يده إلى أسرته كاملة بدافع الطمع والسرقة، فتُزهق أرواح زوجة وفتاتين فى ريعان الصبا، فهذه مأساة لا تكفى الكلمات لوصف بشاعتها.
إننا أمام جريمة مروعة بكل المقاييس: غدرٌ بالصداقة، وخيانةٌ للأمان، وسفكٌ لدماء بريئة، وانتهاكٌ لحرمة أسرة لم تكن تتوقع أن يأتيها الموت من يدٍ وثقت بها. وحين يصبح المال أغلى من الإنسان، والمصلحة أقوى من الضمير، فإننا لا نكون أمام انحراف فردى فحسب، بل أمام صورة قاسية من صور الانهيار الأخلاقى الذى يستوجب التوقف والتأمل.
وأمام هذه المأساة، لا بد أن تكون العدالة حاضرة بكل قوتها، وأن يُحاسَب الجانى وفق القانون، بعيدًا عن الانتقام أو التشفى. فحق الضحايا لا يُصان بالغضب وحده، وإنما بعدالة ناجزة تحفظ كرامتهم وتؤكد أن حياة الإنسان ليست شيئًا يمكن الاستهانة به.
لكن المأساة لا تنتهى عند حدود الجريمة؛ فهناك مأساة أخرى لا تقل خطورة، حين يتحول موت الضحايا إلى ساحة للكراهية والتمييز الدينى. أن يختلف الإنسان مع عقيدة آخر أمر، وأن يتشفى فى موته أو يرفض التعاطف مع أسرته والترحم عليه بسبب دينه أمر آخر تمامًا.
إنسانية الضحية لا تسقط باختلاف عقيدته، والاختلاف الدينى لا يمنح أحدًا الحق فى تجريد الآخرين من إنسانيتهم. يمكن للإنسان أن يتمسك بإيمانه، وأن يختلف عقائديًا وفكريًا، دون أن يفقد قدرته على الرحمة أو يتحول الموت أمامه إلى مناسبة للشماتة.
ومن هنا تأتى أهمية الوعى والمسؤولية فى التعامل مع مثل هذه الوقائع. ففى ظل غياب المعلومات الرسمية والدقيقة، تتسع مساحة التخمينات والشائعات، وتبدأ الروايات غير الموثقة فى تشكيل وعى الناس ومواقفهم. الشفافية ليست ترفًا، وإنما مسؤولية؛ لأن غياب المعلومة لا يخلق فراغًا صامتًا، بل يملؤه آخرون بالتكهنات.
نحتاج إلى معلومات واضحة، وإلى خطاب مسؤول، وإلى احترام لعقول الناس ومشاعر أسر الضحايا. فالمعلومة الدقيقة توقف سيل الشائعات، والعدالة تحفظ الحق، والإنسانية تمنعنا من السقوط فى مستنقع الكراهية.
نصلى من أجل أسر الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، وحفظ مجتمعنا من أن يصبح الطمع أقوى من الضمير، والكراهية أقوى من الرحمة.
فأخطر ما فى الجريمة ليس أن يموت الإنسان، بل أن يموت الضمير قبل أن يموت الإنسان.
نقلا عن المصرى اليوم





