القدّيس أغسطينوس (٢ /٤) الشرّ والإرادة: كيف يظهر الشرّ في عالم خلقه الخير؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كانت مشكلة الشرّ من الأسئلة التي شغلت أغسطينوس طوال حياته. فقد رأى التناقض بين الإيمان بإله خيّر وبين العنف والمرض والموت، واختبر داخل نفسه إرادةً تعرف الخير ثم تفعل نقيضه.
لهذا جذبته المانويّة، لأنها قدّمت تفسيرًا بسيطًا: العالم ساحة صراع بين مبدأين أزليّين، الخير والشرّ، والنور والظلمة. وبدا له أن هذا التصوّر يبرّئ الله، كما يفسّر الصراع داخل الإنسان بوصفه نتيجة وجود مادّة مظلمة تعمل فيه(١).
لكن هذا الحلّ كان يخلق مشكلات أكبر. فإذا كان الشرّ مبدأً أزليًّا مستقلًّا، لم يعد الله مصدر كلّ الوجود ولا مطلق القدرة. كما يستطيع الإنسان أن ينسب أفعاله الشرّيرة إلى قوّة غريبة عنه، فيقول: لستُ أنا مَن أراد الشرّ، بل الطبيعة المظلمة التي تعمل فيَّ. وهكذا تبرّئ المانويّة الله ظاهريًّا، لكنها تحدّ من قدرته، وتبرّئ الإنسان من مسؤوليّة اختياراته. وكان أغسطينوس، في هذه المرحلة، عاجزًا عن تصوّر وجود غير مادّيّ، فتخيّل الله جسمًا بالغ الدقّة ممتدًّا في الفضاء، والنفس جزءًا منه، والشرّ مادّةً مضادّةً له. وقد ساعدته قراءة الفلاسفة الأفلاطونيّين على التفكير في حقائق لا تشغل مكانًا ولا تُدرَك بالحواسّ. لم تمنحه الأفلاطونيّة إيمانه المسيحيّ، لكنها حرّرته من الاعتقاد أن كلّ ما يوجد لا بدّ أن يكون جسمًا(٢).
قاد هذا التحوّل إلى فكرته الأساسيّة: "الشرّ ليس جوهرًا قائمًا بذاته، بل فسادٌ يصيب خيرًا موجودًا". فكلّ موجود خير بقدر ما له من وجود؛ لأن الله، وهو الخير الأسمى، لا يخلق طبيعةً شرّيرة. لكن المخلوق المحدود يمكن أن يفقد خيرًا ينبغي أن يكون فيه، أو يختلّ النظام الذي تنتظم به أفعاله، وهنا يظهر الشرّ. فالعمى ليس شيئًا أُضيف إلى العين، بل فقدان القدرة على البصر؛ والمرض اضطراب في جسد حيّ؛ والكذب لا يوجد من دون عقل ولغة وإرادة، وهي كلّها خيرات، لكنه يسيء استعمالها. الشرّ إذًا لا يستطيع أن يوجد وحده؛ فهو يعيش على حساب خير يشوّهه ويفسده(٣). ولا يعني ذلك أن الألم وهم أو أن الجرائم غير حقيقيّة. فالجرح ليس جوهرًا مستقلًّا عن الجسد، لكنه قد يقتله؛ والظلم غياب للعدل، لكنه يُذلّ أشخاصًا حقيقيّين. إن وصف الشرّ بأنه "حرمان" لا ينكر نتائجه المؤلمة، بل يعني أنه لا يملك طبيعةً أزليّةً ولا أصلًا إلهيًّا.
يلخّص أغسطينوس اكتشافه في "الاعترافات": «بحثتُ عمّا يكون الشرّ، فلم أجد له جوهرًا، بل وجدتُه انحرافًا في الإرادة، يصدّها عن الجوهر الأسمى، أي عنك يا الله، ويوجّهها إلى الأشياء الأدنى»(٤). وهنا ينتقل السؤال من طبيعة الشرّ إلى الإرادة: لماذا يختار الإنسان ما يفسده؟ يرى أغسطينوس أن الإرادة لا تختار الشرّ عادةً لأنها تراه شرًّا، بل لأنها تتعلّق بخير محدود وتفضّله على خير أعلى. فالمال واللذّة والأمان وتقدير الناس خيرات محدودة، لكنها تتحوّل إلى مصدر للشرّ حين يطلبها الإنسان على حساب العدل، أو يجعل منها غاية حياته القصوى. لذلك يرتبط الشرّ عند أغسطينوس باضطراب المحبّة. فالإنسان لا يتحرّك فقط بما يعرفه، بل بما يحبّه. والمشكلة ليست في محبّة الأشياء، بل في وضعها في غير مكانها. ولهذا يتحدّث عن «نظام المحبّة» (ordo amoris): أن يحبّ الإنسان كلّ شيء بحسب قيمته، وأن يرتّب سائر الخيرات في ضوء الله، الخير الأسمى. أمّا الخطيئة فتبدأ حين يجعل الإنسان من ذاته أو لذّته أو سلطانه خيرًا مطلقًا، ويعامل الآخرين كما لو كانوا أشياء(٥).
وفي كتاب "الاختيار الحرّ" يدافع أغسطينوس عن حرّيّة الإرادة في مواجهة المانويّة. فالحرّيّة خير، إذ من دونها لا توجد مسؤوليّة أخلاقيّة، ولا فضيلة، ولا محبّة حقيقيّة. لكنها خير يمكن إساءة استعماله، مثلما تكون القدرة على الكلام خيرًا مع إمكان استخدامها في الكذب. لذلك لا يكون الله مصدر الشرّ لأنه أعطى الإنسان إرادةً حرّة؛ مصدر الشرّ الأخلاقيّ هو سوء استعمال هذه القدرة الخيّرة(٦). لكن السؤال هو: لماذا انحرفت الإرادة الأولى؟ يرى أغسطينوس أن الإرادة الشرّيرة لا تسقط لأن قوّةً شرّيرة دفعتها، بل لأنها قصّرت عن الثبات في الخير الأعلى. ويسمّي ذلك «علّةً ناقصة» (causa deficiens): فكما تظهر الظلمة حين يغيب النور، يظهر فساد الإرادة حين تنصرف عمّا يمنحها نظامها وثباتها(٧). يحفظ هذا الجواب مسؤوليّة الإنسان، لكنه لا يحلّ كلّ
الأسئلة. فإذا خلق الله إرادةً يعلم أنها ستسقط، وسمح بعالم يمكن أن يقع فيه الشرّ، فكيف نفهم عنايته ومسؤوليّته عن النظام كلّه؟ كما أن تفسير الشرّ بأنه فساد للخير لا يفسّر وحده الزلازل والأمراض والمجاعات وآلام الأطفال والحيوانات. قدّم أغسطينوس أجوبةً متعدّدة: بعض الألم مرتبط بطبيعة عالم مخلوق ومتغيّر، وبعض ما يبدو شرًّا قد يكون جزءًا من نظام أوسع لا نراه كاملًا، وبعضه عقوبة أو تأديب. لكن هذه الأجوبة لا تتساوى في قوّتها، وظلّ بعضها موضع اعتراضات فلسفيّة ولاهوتيّة. لذلك لا يصحّ القول إن أغسطينوس حلّ مشكلة الشرّ نهائيًّا؛ لكنه غيّر طريقة طرحها، فلم يعد الشرّ جوهرًا ينازع الله، بل فسادًا يصيب الخير والإرادة والعلاقات.
وتطوّر فهم أغسطينوس للحرّيّة أيضًا. ففي كتاباته المبكّرة شدّد على أن الإنسان يختار، وأن أفعاله تُنسب إليه. لكن خبرته التي رواها في الكتاب الثامن من *الاعترافات* كشفت له أن امتلاك الإرادة لا يعني امتلاك القدرة الكاملة على تنفيذ ما تريده. كان يريد حياةً جديدة، لكنه أراد أيضًا البقاء في عاداته القديمة. ولم تكن إحدى الإرادتين لشخص غريب يسكنه؛ بل كانتا كلتاهما إرادته. فالعادة التي يصنعها الإنسان باختياراته قد تتحوّل بمرور الزمن إلى قوّة تستعبده، فتصبح إرادته منقسمةً على ذاتها(٨). وفي جداله اللاحق مع بيلاجيوس، رفض أغسطينوس القول إن الإرادة المجروحة تستطيع أن تشفي نفسها بقواها وحدها. فالنعمة لا تلغي الإرادة ولا تستبدلها، بل تعمل في داخلها، فتجعل الإنسان يريد الخير ويستطيع فعله. والحرّيّة الكاملة ليست مجرّد القدرة على الاختيار بين الخير والشرّ، بل التحرّر من عبوديّة الخطيئة لكي يحبّ الإنسان الخير بثبات. فالقدرة على تدمير الذات ليست كمال الحرّيّة، بل علامة على جرحها.
إذًا، الشرّ عند أغسطينوس ليس طبيعةً تنازع الله، ولكنّه فساد طبيعة خيّرة. والخطيئة ليست فعل مادّة غريبة عن الإنسان، بل انحراف إرادته. والإرادة مسؤولة، لكنها مجروحة؛ والنعمة ضروريّة، لكنها لا تحوّل الإنسان إلى آلة.
الشرّ لا يملك وجهًا خاصًّا به، إنه يظهر دائمًا على وجه خيرٍ شوّهه: حقيقة تحوّلت إلى كذب، ومحبّة انقلبت إلى امتلاك، وسلطة انفصلت عن العدل، وإرادة خُلقت للخير ثم حاولت أن تجعل ذاتها الخير الأقصى.
في الحلقة القادمة: إذا كان العقل نفسه متغيّرًا، فكيف يستطيع أن يدرك حقائق يراها ثابتةً وأسمى منه؟





