يعني إيه «خُرافة»؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد ما فرّقنا في البوستين السابقين بين الأسطورة (Myth) والقصّة المأثورة (Legend)، نصل إلى كلمة "الخُرافة"، وهي تقريبًا أكثر كلمة بتشتغل ساعات إضافيّة في لغتنا اليوميّة! بنستخدمها بمعنى الحكاية الأدبيّة، وبمعنى الاعتقاد الخرافيّ، وبمعنى الكلام الكاذب أو "الهجايص".
 
لذلك، حين يقول أحدهم: "دي خرافة"، لا نعرف هل قدّم تصنيفًا أدبيًّا، أم أصدر حكمًا بأن الكلام باطل، أم أنه فقط نفد صبره! إذا قصدنا الجنس الأدبيّ، فالمقابل الإنجليزيّ الأدقّ هو
 
Fable  أي حكاية قصيرة متخيَّلة، كثيرًا ما تتكلّم فيها الحيوانات أو النباتات أو الأشياء وتتصرف كالبشر، لكي تكشف سلوكًا إنسانيًّا أو تنقل حكمةً أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة. وهذا هو المعنى الذي يذكره مجمع اللغة العربيّة حين يعرّف الخرافة في الأدب بأنها حكاية خياليّة تتضمّن دلالات رمزيّة ودروسًا أخلاقيّة، وتُروى على ألسنة الحيوان والطير. وتشرح الموسوعة البريطانيّة أن الخرافة حكاية رمزيّة موجزة، يكون التشخيص فيها وسيلةً لرؤية الإنسان من خلال عالم الحيوان أو الأشياء.
 
ويختصر الناقد هارولد بلاكهام طبيعتها بعبارة جميلة: «الخرافة قصّةٌ اختُرعت لكي تقول الحقيقة، لا قصّةٌ حقيقيّة». يعني لما الثعلب يتكلّم في خرافات إيسوب، فالكاتب لا ينتظر منك أن تسأل: هو الثعلب بيتكلم؟ وحين تتسابق السلحفاة والأرنب، فالمقصود مش تسجيل رقم قياسيّ في الجري، ولكن كشف الغرور والتهاون والمثابرة. الخرافة لا تدّعي عادةً أن أحداثها وقعت، لكنها تستخدم ما لم يقع لكي تقول شيئًا حقيقيًّا عمّا يقع كلّ يوم. ولهذا ليست الخرافة بالضرورة حكايةً ساذجة للأطفال. «كليلة ودمنة» استخدمت الحيوانات للكلام عن الملوك والوزراء والصداقة والخيانة والمكر والسلطة، و"مزرعة الحيوان" لجورج أورويل خرافة سياسيّة ممتدّة. وقد لا تكون "العبرة" موعظةً أخلاقيّة مباشرةً في نهاية الحكاية. فقد تكون سخريةً من الأقوياء، أو حكمةً عمليّة، أو فضحًا للطمع والغباء والنفاق. وتبيّن الدراسات الكلاسيكيّة أن الخرافة أدّت وظائف متنوّعة في الخطابة والتعليم والنقد الاجتماعيّ، وأن المصطلحات القديمة المتعلّقة بها كانت أوسع وأقلّ صرامةً من تصنيفاتنا الحديثة.
 
والكتاب المقدّس نفسه يحتوي على مثال واضح لما يسمّيه الباحثون Fable: مَثَل يوثام في سفر القضاة، حيث تذهب الأشجار لتختار ملكًا عليها؛ فترفض الزيتونة والتينة والكرمة، بينما تقبل العوسجة وتتوعد الأشجار بالنار (قض ٩: ٧-١٥). هل عقدت الأشجار انتخابات فعلًا؟ النصّ لا يطلب منّا ذلك أصلًا؛ فالحكاية هجاءٌ سياسيّ لاذع لأبيمالك وأهل شكيم. ووجود خرافة أدبيّة داخل الكتاب المقدّس لا يجعل الكتاب كلّه "خرافة"، كما أن وجود قصيدة فيه لا يجعله كلّه ديوان شعر. إنه يعني أن الكاتب استخدم هذا الجنس الأدبيّ لكي يقول الحقيقة بطريقته. 
 
إذًا، الفروق الأساسيّة بسيطة: الأسطورة سردٌ مقدّس أو تأسيسيّ يتناول الآلهة أو القوى فوق البشريّة، والبدايات، والنظام الكونيّ؛ والقصّة المأثورة ترتبط بشخص أو مكان أو ماضٍ تتناقله الذاكرة مع احتمال الإضافات والمبالغات؛ أمّا الخُرافة الأدبيّة فهي حكاية متخيَّلة تعليميّة لا تدّعي أصلًا أن أحداثها وقعت. لذلك، حين يقول ملحد شعبيّ لمؤمن الشعبيّ: "كتابك خرافة"، فيغضب الآخر ويعدّها شتيمةً، فقد يكون الطرفان قد دخلا الخناقة قبل أن يسألا: هل المقصود Myth أم Legend أم Fable أم مجرّد «كلام كاذب»؟ المصطلح الأكاديميّ ليس شتيمة، والشتيمة ليست تحليلًا أدبيًّا. 
 
الخرافة لا تقول لك: «صدّق أنّ الحيوانات تكلّمت»، بل تقول: «انظر إلى نفسك، وهي تتكلّم بلسان الحيوانات». فإذا نطق الثعلب في القصّة، فلا تتصل بحديقة الحيوان للتأكّد! اسأل أولًا: مَن الثعلب الذي يرتدي ملابس إنسان؟
 
في النهاية، الكتاب المقدّس لا يتكلّم بنوعٍ أدبيّ واحد، بل يستخدم الأسطورة، والقصّة المأثورة، والخرافة، إلى جانب التاريخ والشعر والمثل والنبوّة وغيرها. لذلك، قبل أن تصدّق نصًّا بحرفيّة أو ترفضه بوصفه "كلامًا غير منطقيّ"، تأكّد أولًا: إلى أيّ نوع أدبيّ ينتمي؟ وما الذي يريد قوله بالطريقة التي اختارها؟ فالأسطورة ليست خرافةً، والقصّة المأثورة ليست وثيقةً تاريخيّة، والخرافة لا تنتظر منك أن تثبت أن الحيوانات تكلّمت. احترام الكتاب المقدّس يبدأ من
 
السماح لكلّ نصّ بأن يتكلّم بلغته، لا من إجباره على أن يكون شيئًا لم يدّعِه أصلًا.