هل للمسيحيّة لغةٌ مقدّسة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
 
من أكثر الأفكار التي تعوق فهم التراث العربيّ المسيحيّ تصوّرٌ شائع في بيئاتنا الدينيّة، مفاده أن لكلّ دين لغةً مقدّسةً واحدة، وأن الانتقال عنها يُبعد الإنسان عن الوحي في صورته الأصليّة. قد يصحّ هذا التصوّر داخل أديان أخرى،
 
وله احترامه، لكن بعض المسيحيّين ينقلونه إلى المسيحيّة، فيظنّون أن اليونانيّة أو القبطيّة أو السريانيّة أكثر «مسيحيّةً» من العربيّة، وأن التعبير عن الإيمان بالعربيّة تنازلٌ عن نقائه لمصلحة لغة الإسلام. غير أن هذا التصوّر يغفل طبيعة المسيحيّة نفسها، كما يغفل التاريخ الطويل لتعدّد لغاتها.
 
لا تعرف المسيحيّة لغةَ وحيٍ واحدة يجب على جميع المؤمنين تعلّمها لكي يسمعوا كلمة الله في صورتها الصحيحة. توجد بالطبع لغات اكتسبت قداسةً ومكانةً كبيرة بسبب استعمالها في الكتاب المقدّس والليتورجيا والتقليد، مثل العبريّة واليونانيّة واللاتينيّة والسريانيّة والقبطيّة والأرمنيّة والحبشيّة وغيرها. غير أن الكنيسة لا تحصر كلام الله في واحدة منها، ولا تجعل إتقانها شرطًا للانتماء إلى المسيح. تقدّس الصلاةُ اللغةَ التي تستخدمها الكنيسة، وتحمل كلّ لغة ذاكرة شعبها وخبرته الروحيّة، لكن الله لا يصير أسيرًا لقاموسٍ أو أبجديّة.
 
كان يسوع، بوصفه يهوديًّا من الجليل في القرن الأوّل، يتكلّم الآراميّة غالبًا في حياته اليوميّة، وربّما عرف العبريّة المستخدمة في قراءة الأسفار والعبادة، وقد يكون عرف قدرًا من اليونانيّة في بيئة متعدّدة اللغات. واحتفظت الأناجيل ببعض كلماته الآراميّة، مثل «طليثا قوم» و«إلوهي إلوهي لما شبقتني». ومع ذلك، فإن الأناجيل القانونيّة التي وصلت إلينا وسائر أسفار العهد الجديد كُتبت باليونانيّة الدارجة، وهي لغة التواصل الواسعة في شرق الإمبراطوريّة الرومانيّة(١). وهذه الحقيقة شديدة الأهميّة، فالمسيحيّة لم تنتظر قرونًا قبل أن تبدأ الترجمة، بل وصلت إلينا رسالة يسوع نفسها في لغة تختلف عن لغته اليوميّة. فالإنجيليّ لا يسلّم القارئ تسجيلًا صوتيًّا آراميًّا لكلمات يسوع، بل يشهد لها ويصوغها باليونانيّة داخل إيمان الكنيسة الأولى. الترجمة إذًا ليست حادثًا متأخّرًا أصاب المسيحيّة بعدما ابتعدت عن أصلها. ولكنّها حاضرة في قلب العهد الجديد نفسه.
 
والسبب أن مركز المسيحيّة ليس كتابًا نزل بألفاظ لغة واحدة، بل "شخص يسوع المسيح"، كلمة الله الذي صار بشرًا ودخل تاريخًا وثقافةً ولغةً بشريّة. وقد أرسل تلاميذه قائلًا: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم» (مت ٢٨: ١٩). وإذا كانت الدعوة موجّهةً إلى جميع الشعوب، فلا بدّ أن تُسمَع في جميع اللغات. لا يُطلب من الأمم أن تتخلّى عن ألسنتها وثقافاتها لكي تأتي إلى المسيح، بل يأتي الإنجيل إليها ويتجسّد داخل لغاتها، فينقّيها ويجدّدها من دون أن يمحوها. فترجمة الكتاب المقدّس تعبّر عن مبدأ لاهوتيّ: لا توجد ثقافة يعجز الإنجيل عن مخاطبتها، ولا لغة فقيرة أو وثنيّة بطبيعتها إلى درجة العجز عن حمل كلمة الله(٢).
 
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في حدث العنصرة. ففي قصّة برج بابل حاول البشر أن يصنعوا وحدتهم وقوّتهم بعيدًا عن الله، فانتهى مشروعهم إلى البلبلة (تك ١١). أمّا في العنصرة، فنزل الروح القدس على التلاميذ، وسمع القادمون من شعوب مختلفة «كلٌّ منهم بلغته» أعمال الله العظيمة. ومن اللافت أن سفر الأعمال يذكر "العرب" صراحةً ضمن الحاضرين: «بارثيّون وماديّون وعيلاميّون... ومصريون... وكريتيّون وعرب، نسمعهم يتكلّمون بألسنتنا بعظائم الله» (أع ٢: ٩–١١). يؤكّد النصّ إذًا أن العرب كانوا حاضرين في أفق البشارة المسيحيّة منذ مشهد انطلاقها، وأنهم سمعوا إعلان أعمال الله مثل سائر الشعوب.
 
لا يلغي الروح القدس تعدّد اللغات، ولا يجعل الجميع يتكلّمون لغةً مقدّسةً واحدة، بل يصنع إمكان التفاهم والشركة داخل التعدّد. ولهذا قرأ التقليد المسيحيّ العنصرة بوصفها شفاءً لجرح بابل: هناك انتهت الوحدة التي يصنعها الإنسان بمعزل عن الله إلى البلبلة، وهنا يجمع الروح البشر إلى الله في المسيح من دون أن يمحو اختلافهم(٣). وتستمرّ هذه الصورة في سفر الرؤيا، حيث يقف أمام العرش «جمع كثير لا يستطيع أحد أن يحصيه، من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان» (رؤ ٧: ٩). تدخل الشعوب الملكوت بذاكرتها وثقافاتها وألسنتها، لا بعد أن تتخلّى عنها.
 
ولم تكن شبه الجزيرة العربيّة خارج هذا التاريخ المسيحيّ، بل كانت قبل الإسلام فضاءً دينيًّا وثقافيًّا متنوّعًا، عاشت فيه جماعات يهوديّة ومسيحيّة إلى جانب أتباع الديانات العربيّة المحلّيّة. وانتشرت المسيحيّة بدرجات مختلفة بين بعض القبائل وفي شمال الجزيرة وشرقها وجنوبها، وظهرت مراكز مسيحيّة مهمّة، كان أبرزها نجران. كما ارتبط عربٌ مسيحيّون بكنائس سريانيّة وبيزنطيّة وحبشيّة، من دون أن يفقدوا انتماءهم العربيّ. فالعربيّة أقدم من الإسلام، والعرب لم يكونوا يومًا جماعةً دينيّةً واحدة. لذلك لم تبدأ المسيحيّة العربيّة بعد ظهور الإسلام، وإن كان استعمال العربيّة في التأليف اللاهوتيّ قد اتّسع ونضج داخل الحضارة العربيّة الإسلاميّة(٤).
 
وتشهد نجران بوضوح على هذا الحضور القديم. ففي خريف سنة ٥٢٣م حاصر الملك الحميريّ، المعروف في المصادر العربيّة باسم "ذي نواس"، المدينة واضطهد مسيحيّيها. وكان الملك قد اعتنق اليهوديّة، لكن الصراع كان متشابكًا أيضًا مع التنافس السياسيّ والعسكريّ بين مملكة حِميَر ومملكة أكسوم الحبشيّة والقوى الإقليميّة المحيطة؛ ولذلك لا يصحّ تحويل جريمة سلطة بعينها إلى اتهام لليهوديّة أو لليهود. ومن أشهر الذين قُتلوا القدّيس الحارث بن كعب، المعروف في المصادر اليونانيّة باسم أريثاس، وكان من زعماء مسيحيّي نجران. ويذكر كتاب الاستشهاد الرومانيّ استشهاده مع ثلاثمئة وأربعين من رفاقه، بينما تنقل المصادر السريانيّة واليونانيّة روايات عن اضطهاد أوسع شمل أعدادًا كبيرة من الرجال والنساء والأطفال، وتختلف في تقدير أعداد الضحايا وتفاصيل الأحداث(٥).
 
تكمن أهميّة شهداء نجران في أنهم يحطّمون الصورة التي تجعل العربيّ مرادفًا للمسلم، أو تتخيّل شبه الجزيرة قبل الإسلام أرضًا خاليةً من المسيحيّة. لقد كان الحارث ورفاقه عربًا ومسيحيّين معًا. وقد حفظت الكنائس الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والسريانيّة والحبشيّة ذكراهم في تقاليدها الليتورجيّة. وللقارئ العربيّ مدخل حديث إلى قصّتهم في كتاب جون سارميينتو، "شهداء نجران: القدّيس حارث بن كعب ورفاقه"، الصادر عن دار الأكويني في مصر(٦). وتذكّرنا شهادتهم بأن تاريخ المسيحيّة في المنطقة أوسع من الحدود اللغويّة والطائفيّة التي نرسمها له اليوم.
 
وقد تُرجم الكتاب المقدّس منذ القرون الأولى إلى اللاتينيّة والسريانيّة والقبطيّة والأرمنيّة والجورجيّة والحبشيّة وغيرها. ولم تكن هذه الترجمات نسخًا ثانويّة عديمة القيمة، بل أسّست كنائس وتقاليد ليتورجيّة ولاهوتيّة كاملة. فالقبطيّة لم تكن لغة يسوع ولا الرسل، ومع ذلك صارت لغة الرهبنة المصريّة والطقس القبطيّ. والسريانيّة لهجة آراميّة، لكنها ليست اللهجة نفسها التي تكلّمها يسوع في الجليل. واللاتينيّة لم يتكلّم بها معظم تلاميذ المسيح، ومع ذلك حملت قرونًا من فكر الكنيسة الغربيّة. ثم دخلت العربيّة بدورها هذا التاريخ، فكتب بها مسيحيّون من مختلف الكنائس تفاسير الكتاب المقدّس والجدالات العقيديّة والصلوات والفلسفة والطبّ والعلوم، وصارت وعاءً لتراث مسيحيّ واسع لا يمكن فهم تاريخ المسيحيّة الشرقيّة من دونه(٧).
 
فلماذا تصبح العربيّة وحدها موضع شكّ؟ إذا جاز للمصريّ المسيحيّ أن يصلّي بالقبطيّة، التي كُتبت بأبجديّة معظم حروفها يونانيّة، وأن يقرأ إنجيلًا مترجمًا عن اليونانيّة، فلماذا يُعدّ الاهتمام بلاهوت مكتوب بإيمانه بالعربيّة خيانةً لهويّته؟ العربيّة ليست أكثر إسلامًا من كون اليونانيّة وثنيّةً بسبب استعمال الوثنيّين لها. فاللغة بيتٌ تسكنه ذاكرات متعدّدة، وليست عقيدةً دينيّةً في ذاتها. وحماية القبطيّة والسريانيّة وسائر لغات الشرق ودراستها أمرٌ ضروريّ لا نقاش فيه، لكن حماية لغة لا تقتضي إنكار التراث الذي أبدعه أصحابها عندما كتبوا بلغة أخرى. الوحدة المسيحيّة: ليست فقرًا في اللغات بل شركة في الروح.
 
وفي الحلقة القادمة: متى بدأ المسيحيّون الكتابة بالعربيّة، ومتى تُرجم الكتاب المقدّس إليها؟
#التراث_العربي_المسيحي