متى بدأ المسيحيّون كتابة إيمانهم بالعربيّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لا نستطيع منح التراث العربيّ المسيحيّ شهادة ميلاد تحمل تاريخًا واحدًا، فإنّ الكلام بالعربيّة، ونقشها على الكنائس، وترجمة الكتاب المقدّس إليها، والتأليف اللاهوتيّ بها، لم تبدأ كلّها في الوقت نفسه.
كان بين الناطقين بالعربيّة مسيحيّون قبل ظهور الإسلام، ولا سيّما في شمال الجزيرة العربيّة وبلاد الشام والعراق. ومن أهمّ الشواهد المادّيّة على استعمالهم العربيّة "نقش زَبَد" في شمال سوريا، المؤرَّخ بعام ٥١٢م تقريبًا. كُتب النقش على عتبة بناء مسيحيّ مكرَّس للقدّيس سرجيوس، وجمع بين اليونانيّة والسريانيّة وعربيّة مبكّرة، وضمّ أسماء أشخاص شاركوا في تشييد المبنى.[١] يثبت هذا النقش أن العربيّة حضرت في محيطٍ مسيحيّ قبل الإسلام، إلى جانب اليونانيّة والسريانيّة، لكنه لا يثبت أن المسيحيّين كانوا يملكون يومئذٍ كتابًا مقدّسًا عربيًّا كاملًا أو أدبًا لاهوتيًّا واسعًا. فوجود أسماء عربيّة على كنيسة ليس هو وجود مكتبة عربيّة داخلها. ومن المرجَّح أن المسيحيّين الناطقين بالعربيّة عرفوا قصص الكتاب المقدّس وصلّوا ووعظوا بلغتهم، لكن الباحث سيدني جريفيث يبيّن أننا لا نملك دليلًا مادّيًّا مقنعًا على وجود ترجمة عربيّة مكتوبة وكاملة للكتاب المقدّس قبل الإسلام. وما وصل إلينا من ترجمات ومخطوطات يمكن تأريخها بثقة إلى العصر الإسلاميّ[٢]. وبعد انتشار الإسلام ظلّت اليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة والأرمنيّة مستخدَمةً قرونًا، لكن العربيّة تقدّمت تدريجيًّا لأنها أصبحت لغة الدولة والإدارة والتجارة، ثم لغة التعليم والجدل والفلسفة والعلوم. ومع ازدياد أعداد المسيحيّين الذين صارت العربيّة لغتهم الأولى، أصبح من الضروري ترجمة الكتاب المقدّس والليتورجيا وتعليم الإيمان إلى اللغة التي يفهمها الناس. ويلخّص الأب سمير خليل اليسوعيّ جغرافيا هذا الانتقال بقوله إن التراث العربيّ المسيحيّ «تمركز في بلاد الشام أيّام الأمويّين، ثم انتقل إلى بغداد مع نشأة الدولة العباسيّة، وترعرع في مصر مع الفاطميّين والأيّوبيّين»[٣].
ومن أقدم النصوص اللاهوتيّة التي وصلتنا مؤلَّفةً أصلًا بالعربيّة رسالةٌ مجهولة المؤلّف تُعرف عادةً بعنوان «في تثليث الله الواحد»، محفوظة في مخطوط عربيّ من دير سانت كاترين في سيناء. ويُرجَّح أن النصّ أُلِّف في فلسطين في أواخر القرن الثامن الميلاديّ. وتكمن أهمّيّته في أنه لا يكتفي بترجمة نصّ يونانيّ أو سريانيّ، بل يحاول شرح التوحيد والثالوث بلغة عربيّة تشكّلت داخل بيئة إسلاميّة.[٤] هنا لم تعد العربيّة ببساطةٍ وعاءً تُسكَب فيه أفكارٌ صيغت كاملةً بلغة أخرى، بل صارت لغةً يفكّر بها اللاهوتيّ المسيحيّ ويخاطب من خلالها العالم المحيط به. ومن أبرز روّاد هذا التحوّل ثاودورس أبو قرّة، أسقف حرّان، ثم أبو رائطة التكريتيّ وعمّار البصريّ في القرن التاسع الميلاديّ. وقد استخدم هؤلاء مصطلحات المنطق وعلم الكلام في شرح الإيمان المسيحيّ ومناقشة المسلمين واليهود والمذاهب المسيحيّة الأخرى، فنشأ ما يمكن تسميته "علم كلام مسيحيًّا بالعربيّة"[٥].
أما الكتاب المقدّس، فلم يُترجم إلى العربيّة في نسخة واحدة موحَّدة، ولكن ظهرت ترجمات كثيرة عن اليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة والعبريّة. ومن أقدم المخطوطات العربيّة المؤرَّخة تأريخًا يقينيًّا المخطوط السينائيّ العربيّ ١٥١، الذي أتمّه بِشر بن السِّرّي في دمشق عام ٨٦٧م. ويضمّ رسائل بولس وأعمال الرسل والرسائل الجامعة، مترجمةً على الأرجح من السريانيّة[٦].
وفي مصر كان الانتقال إلى العربيّة أبطأ مما كان في بعض مناطق فلسطين وبلاد الشام. ظلّت القبطيّة لغةً كنسيّةً وأدبيّةً حيّةً قرونًا، ثم توسّع التأليف العربيّ بين القرنين التاسع والعاشر. ومن أوائل كبار اللاهوتيّين الأقباط الذين كتبوا بالعربيّة ساويرس بن المقفّع، أسقف الأشمونين في القرن العاشر، الذي ألّف في العقيدة والجدل والتفسير والتاريخ، ومن كتبه «مصباح العقل»[٧]. وبلغ التأليف القبطيّ بالعربيّة ازدهارًا كبيرًا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، مع أولاد العسّال وأبي شاكر ابن الراهب وابن كَبَر. كتب هؤلاء في اللاهوت والتفسير والقانون الكنسيّ والتاريخ والموسوعات، ووضع العلماء الأقباط قواعد للقبطيّة ومعاجم قبطيّة–عربيّة عُرفت باسم «السلالم». وهكذا لم تكن العربيّة أداةً لمحو القبطيّة فقط، بل أصبحت أيضًا وسيلةً لحفظها وتعليمها[٨]. دخلت العربيّة مصر مع دولة فاتحة أو محتلة، لكنها لم تبقَ ملكًا لتلك الدولة ولا حكرًا على المسلمين. أخذها المسيحيّون ووضعوا فيها الكتاب المقدّس وصلواتهم ولاهوتهم وتاريخ كنائسهم، وحملوا إليها ذاكرة اليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة.
لم يولد التراث العربيّ المسيحيّ حين تعلّم المسيحيّون كتابة الحروف العربيّة فقط ولكن حين استطاعوا أن يجعلوا هذه الحروف تفكّر مسيحيًّا.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





