بقلم الأب يسطس الأورشليمى
"وإذا موسى وإيليّا قد ظهرا لهم يتّكلمان معه".
ليس عجيبًا أن الله الذي يُعلن ملكوته هنا خلال شعبه وسط كنيسته مختفيًا فيها، يُعلن لنا بهاءه الأبدي ليس منعزلاً عنّا. إنه يحيط به قدّيسوه وينعمون بالحديث معه كأب وأخ بكر وعريس وصديق. إنه يفرح بالبشريّة، ويدخل معهم في معاملات، لا على مستوى زمني مؤقَّت، وإنما معاملات أبديّة لا تنتهي. أمّا اختيار موسى وإيليّا فلم يكن بلا هدف، وإنما يمكن تعليله هكذا:
أولاً: كان موسى الرجل الذي شهد عنه الله نفسه أنه أحلم إنسان على الأرض، إذ قاد هذا الشعب غليظ الرقبة أربعين عامًا وسط تذمُّرات منهم بلا انقطاع، يشفع فيهم لدي الله. لقد أعلن الله غضبه، بقوله: "اتركني ليَحمَى غضبي عليهم وأفنيهم فأصيِّرك شعبًا عظيمًا" (خر 32: 10)، أمّا هو فتضرّع عنهم أمامهم، مفضلاً الشعب عن نفسه بقوله: "والآن إن غفرتَ خطيتّهم وإلا فامحني من كتابك الذي كَتبتْ" (خر 32: 32). وكان إيليّا الرجل الناري الملتهب بالغيرة الذي وقف أمام أخاب الملك وإيزابل، وقتل كهنة البعل، وطلب نارًا لتحرق رسل الملك... وكأن ملكوت المسيح إنّما هو ملكوت الوداعة والحلم، لكن ليس بلا غيرة؛ ملكوت الحب ولكن ليس بتدليل؛ الملكوت المتَّسِع لمغفرة الخطايا والصفْح عن السقطات في استحقاقات الدم، ولكن ليس في استهانة أو استهتار. فالسيّد المسيح بتجلّيه يكشف عن ملكوته الذي هو كنيسته، تحمل روح الحلم فتشفع في الخطاة، خلال الصليب المقدّس، لكن دون تهاون في الحق أو مهادنة مع الخطيّة.
لعلّ السيّد أحضر موسى وإيليّا كمََثلين للتلاميذ فيََغِِيروا منهما في الأمور الحُسنَى، فتكون لهم وداعة موسى وغيرة إيليّا على مجد الله.
ثانيًا: جاء موسى النبي إلى حضرة الملك المسيّا ممثِّلاً الأعضاء الراقدة في الرب، النفوس التي رحلت عنّا بالجسد لكنها مرتبطة معنا حول المسيح الواحد الذي يملك على الجميع. وأما إيليّا النبي فجاء يمثّل الأعضاء المجاهدة إذ لم يمت إيليّا. وكأن الكل يلتقون معًا كأحياء في الرب.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا يُخبرهم أن له سلطان على الموت والحياة، وأنه المدبِّر في الأعالي وأسفل، لهذا جلب من مات، ومن لم يُعاني من الموت]
ثالثًا: إن كان موسى قد تسلّم الناموس وإيليّا يمثّل الأنبياء، فإن تجلِّي السيّد المسيح بينهما إنّما يُشير إلى أنه هو غاية الناموس ومركز النبوّات.
يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه:أمّا كوْن موسى وإيليّا هما وحدهما من كل جموع القدّيسين قد حضرا فهذا يعني أن المسيح في ملكوته يقف بين موسى وإيليّا.
يقول العلاّمة أوريجينوس: من يرى مجد موسى مدرِكًا الناموس روحيًا في توافق مع يسوع، وينظر الحكمة المخفيّة في الأنبياء في سرّ (1 كو 2: 7)، إنّما يرى موسى وإيليّا وهما مع يسوع (أثناء التجلي).
القدّيس أغسطينوس: ما هو نفع موسى وإيليّا، أي الشريعة والنبوّة إلا الحديث مع الرب؟! يشهد بذلك الذين يقرأون الناموس والنبوّة عن الرب. لاحظ كيف يعبّر الرسول عن ذلك باختصار: "لأن بالناموس معرفة الخطيّة، وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" الذي ينظر الشمس مشهودًا لها من الناموس والأنبياء (رو 3: 20-21)[ .
رابعًا: موسى وإيليّا يمثّلان رجال العهد القديم، وبطرس ويعقوب ويوحنا يمثِّلون رجال العهد الجديد، وكأن السيّد المسيح هو مركز الكتاب المقدّس بعهديه، أو هو سرّ خلاص الكل ومشتهى الجميع. يرى القدّيس مار إفرآم السرياني أن موسى وإيليّا جاءا نيابة عن رجال العهد القديم يشاركان رجال العهد الجديد بهجتهم بالتمتّع بالمسيّا المخلّص الذي طال انتظار البشريّة له، إذ يقول: [هكذا كان حديثهما معه؛ يقدّمان له الشكر إذ حقّق ما قالاه هما وكل الأنبياء... لقد امتلأ الأنبياء بهجة وأيضًا التلاميذ بصعودهم على الجبل. لقد فرح الأنبياء لأنهم شاهدوا تأنّسه... وابتهج التلاميذ لأنهم رأوا مجد لاهوته الذي لم يكونوا بعد قد عرفوه.]
خامسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الجموع سبق فقالت عن السيّد أنه إيليّا أو أحد الأنبياء (مت 16: 14)، لهذا جاء بقائدي طغمة الأنبياء ليُظهر لتلاميذه الفارق بين العبيد والرب، وأن بطرس على حق في اعترافه أنه ابن الله الحيّ.
سادسًا: إن كان السيّد المسيح في طريقة للمحاكمة يُتّهم بأنه صانع شرّ أي ناقض للناموس، ومجدّف أذ ينسب لنفسه مجد الآب. لهذا قدّم السيّد شهادة سابقة على مستوى فائق من موسى كمستلم الناموس يشهد للسيّد أنه حافظ للناموس وليس ناقضًا له؛ ومن إيليّا الغيور على مجد الله معلِنًا مجد يسوع. وكأن موسى جاء يشهد عن المسيح أنه ليس بفاعل شر،ّ وإيليّا يشهد عنه أنه ليس بمجدّف.
سابعًا: جاء موسى وإيليّا يُعلنان الغلبة الحقيقيّة للسيّد المسيح على الشيطان. لقد واجه موسى فرعون وغلب، وواجه إيليّا آخاب وغلب، أمّا يسوع فيُواجه إبليس ليغلب عن البشريّة كلها وباسمها.
ثامنًا: إذ ارتفع موسى على جبل سيناء تقبَّل الشريعة المقدّسة وسط سحاب كثيف، أمّا إيليّا وهو على الجبل فطلب من الله أن يُرسل نارًا ليحرق رئيسيّ الخمسين وجنودهما. لقد تحقّق هذا في كماله في المسيح يسوع ربّنا الذي هو كلمة الله المقدّم لنا خلال تجسّده ،مختفيًا كما في سحاب، فلا يقدر أحد أن يعاينه بنفسه. وهو النار المتّقدة الذي أحرق رياء اليهود ووثنيّة الأمم لتقديس البشريّة كلها.
تاسعًا: يقدّم لنا القدّيس جيروم تعليلاً لظهور موسى وإيليّا بقوله: [لنلاحظ أنه رفض تقديم آية من السماء للكتبة والفرّيسيّين الذين طلبوا منه ذلك، وها هو يعطي علامة من السماء لكي يزيد إيمان تلاميذه، إيليّا نزل من حيث صعد، وموسى يقوم من بين الأموات.]
عاشرًا: في التجلّي ظهر موسى وإيليّا وكان حاضرًا بطرس ويعقوب ويوحنا؛ فكان السيّد على الجبل بين خمسة من رجال العهدين، وكأن السيّد يريد أن نرتفع بروحه القدّوس إلى جبل تابور فيتجلّى خلال الحواس الخمس المقدّسة. فكلما تقدّست الحواس أعلن السيّد مجده فينا، وظهر بهاءه مُعلنًا في حياتنا.
اِحدى عشر: إن كان موسى وإيليّا من رجال العهد القديم الذين اهتم بقداسة الجسد، فإن بطرس ويعقوب ويوحنا من رجال العهد الجديد الذين اهتموا بقداسة الروح، وكأنّ تجلّي السيّد المسيح يتحقّق بتقديس الجسد والروح معًا.





