أكرم ألفي
هما "أيجيبت" وأحنا "مصر"، حوار قاسي جداً دار بيني وبين شباب لم يتجاوز عمرهم 20 عاماً من أبناء الطبقة الوسطى القاهرية .. تحدث أحدهم بطريقة عفوية عن مظاهر الثراء في الساحل الشمالي، وعدم قبوله أن يموت بشر بحثاً عن عمل بينما آخرون بدون سبب مقنع يتمتعون بثروات تفوق ثروات أغلب سكان بلدنا.. هنا تداخل شاب صغير لم يتجاوز 15 عاماً ليتحدث عن أنه غير منطقي أن يتناول احدهم العشاء بمبلغ يوفر حياة كريمة لأسرة صغيرة لمدة شهر.
لا اخفي ارتباكي وذهولي من النقاش الطبقي العنيف لشباب من أبناء الطبقة الوسطى ليسوا من الطبقات الدنيا، شباب يتعلم في مدارس خاصة وبعضهم ينخرط في النظام البريطاني والأمريكي للتعليم الثانوي.. هنا تسألت هل "ايكونومست" عند حديثها عن " شبح اشتراكية جيل زد يخيم على أوروبا وأمريكا" ادركت الهدف؟ وهل هناك خوف حقيقي عبرت عنه بقولها إن "التصدي لاشتراكية جيل زد هي مهمة ملحة"، وهل نقاش نورمان سولومون حول تزايد الميول اليسارية لدى الشباب هو حقيقي؟
فجاة رأيت نقاشاً ينتشر بين شباب صغير حول رفض الرأسمالية، شباب لا يعاني اجتماعياً ويكره القابعون في القصور الفخمة "وكلمة كراهية هنا وصف مهذب جداً لما سمعته" .. نقاشاً بدا ليساري سابق مفاجاة غير متوقعة ولكن قررت أن أفهم.
عندما ابتعدت عن اليسار الراديكالي في 2004، كان الصديق الراحل سامر سليمان يحدثني عن "اشتراكيون بدون اشتراكية" على نقيض جملة "اشتراكية بدون اشتراكيين" الشهيرة .. وقتها دخلنا في نقاش حول أسباب استحالة عودة الاشتراكية فيما سيبقى هناك اشتراكيين في ظل اصرار الرأسمالية على الوصول إلى نقطة صعبة من انعدام العدالة الاجتماعية.
وسط نقاش الشباب الذي ينتمي لجيل "زد" من الطبقة الوسطى استعدت الجملة وقررت أن أفهم هل نحن فعلاً أمام "شبح الاشتراكية" أم نحن في عصر "اشتراكيون بدون اشتراكية"؟. وكان قراري استعمال مهاراتي اليسارية السابقة في الإجابة على اسئلة تتعلق بالتحولات في هذا الجيل، فكانت الإجابات عبر الحوار تتلخص في أن هذا الجيل (كما سبق وكتبت) يرفض الإيديولوجية بشكل يجعله يرى أن الحديث عن "يوتوبيا" بأي شكل من الأشكال هو نوع من الهراء، فهو جيل يكره الإيديولوجيا.
ولكن .. هذا الشباب يعاصر الرأسمالية في أقبح مراحلها، فالهوة الطبقية أصبحت بمثابة "جنون" في العالم فالأغنياء يزدادون ثراء كل يوم فيما الفقراء يزدادون فقراً بشكل يتجاوز توصيف انجلز لاحوال الطبقة العاملة في انجلترا في القرن التاسع عشر، فالفجوة في الدخل عالمياً صارت غير مسبوقة حتى في العقود الأولى للثورة الصناعية الثانية. حجم ثروة يخلقها العالم يومياً تذهب لمجموعات قليلة للغاية وسط نهاية السياسات الاجتماعية للدول ليصبح المشهد عالمياً تعبيراً عن التناقض بين "وورلد" و"الدنيا".
هذا الجيل من الشباب الرافض للأيديولوجيا يرى ببساطة أن النظام الاقتصادي العالمي يعمل لصالح البعض وليس له علاقة بالاجتهاد والطموح، بل يرى أن مفاهيم مثل السعي لتحقيق حياة كريمة هي مجرد شعارات يتم صنعها لتبرير ادخالهم ماكينة تعمل فقط من أجل "متعة" آخرين.
إن مرادف نهاية الأيديولوجيا هي العقلانية الشديدة وكما ترفض هذه الكتل الشبابية تعريفها بأنها "اشتراكية" فإنها ترى النظام الرأسمالي بشكل عقلاني كأنهم قرأوا "رأس المال" لماركس ولكنهم يرفضون "ما العمل" للينين.
إن جيل "زد" من الطبقة الوسطى في أغلبه لم يعد يرى العمل هو الطريق لتحقيق الآمان بل أن الوظائف في هذه المرحلة من الرأسمالية (وفقا لتعبيرهم) هي تأخذ أكثر ما تعطي ولا تؤمن حياة أفضل.
بالتوازي وبكل ببساطة فإن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي جعلت صورة التفاوت الطبقي والاجتماعي أكثر وضوحاً من زماننا، فهم يشاهدون رحلات صيف أصحاب المليارديرات وأفراح أبناء الطبقة المخملية في أوروبا من أجل الخصوصية ويتابعون في نفس اللحظة على هذه المواقع طفلاً يموت بسبب 150 جنيهاً!.. هذا التناقض الرهيب في نفس اللحظة بل في نفس الثانية يقود إلى ما يعرف بـ"الصدمة" وهو ما يترجم لدى شباب الطبقة الوسطى المتعلمة بإدراك "الظلم الاجتماعي" ولا عقلانيته. بل يعتبرون أن خطاب "كل حسب اجتهاده" خطاباً "طفوليا" و"قبيحاً".
أسئلة جيل "زد" لا تتعلق باشتراكية أو نظام اشتراكي فهم خارج نطاق الأيديولوجيا والجمود بل في توفير حياة منصفة للجميع والحصول على تعليم جيد وشراء منزل وقضاء يوم بدون قلق من عدم توفر النقود.. أسئلة قد تبدو بسيطة ولكن إجابتها عبر شيوع مصطلح "إيجيبت" هي خطر وربما أمل.
خطر لانها قد تهدد التماسك الاجتماعي.. وأمل لأنها قد تدفع الدولة ومؤسساتها لفهم أن الانحياز لشبكات العنكبوت من الأغنياء في مصر ليس في محله وأنه يجب التفكير في استعادة دور الدولة وفقا لنموذج "دولة الرفاه"..
إن جيل "زد" من الطبقة الوسطى لا يفكر في "اشتراكية"، بل يفكر كيف يوقف هذا القطار الذي يسير ضد مصالحهم الشخصية ولصالح "مئات" من الأثرياء.. هذا الجيل يطرح أسئلة عميقة لها علاقة بالعدالة والانصاف .. فهو جيل كما وصفته "اشتراكيون بدون اشتراكية".





