نادية هنرى
قراءة واقعية بلا مجاملة عن مصر بين سبتمبر ونوفمبر
هناك مقالات تُكتب لكي تطمئن الناس.
وهناك مقالات تُكتب لكي تخيفهم.

وهناك مقالات يجب أن تُكتب لسبب مختلف تمامًا:
لكي تجعل الناس ينظرون إلى الحقيقة التي يحاولون الهروب منها.
وهذا المقال من النوع الثالث.
لا أريد أن أتحدث عن شائعات سياسية، ولا عن حدث محدد سيقع في نوفمبر، ولا عن سيناريوهات سرية.
ولا أريد أن أضع كل ما يحدث في مصر على شماعة واحدة.
أريد فقط أن ننظر إلى ما يحدث أمام أعيننا، كما هو، بلا تجميل.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل الاقتصاد المصري تحت ضغط؟
هذا أصبح واضحًا.

السؤال الأخطر هو:
إلى أي مدى يستطيع المجتمع المصري أن يتحمل ضغطًا اقتصاديًا جديدًا؟
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
القطار تحرك بالفعل
هناك من يتحدث عن الإجراءات الاقتصادية القادمة وكأننا أمام بداية أزمة.
لكن الحقيقة أن الأزمة بدأت منذ سنوات.
والأسرة المصرية لم تدخل هذه المرحلة وهي بكامل طاقتها.
لقد استُهلكت مدخرات.
وتراكمت ديون.
وتغيرت أنماط الطعام.
وتراجعت القدرة على العلاج.
وتأجل الزواج.
وتراجع الإنجاب عند قطاعات من الشباب.
وتآكلت الطبقة الوسطى.
وأصبح كثير من الناس يعملون أكثر لكي يحصلوا على الشيء نفسه الذي كانوا يحصلون عليه بجهد أقل.
إذن، عندما يأتي ضغط جديد، فهو لا يقع على مجتمع مستقر.
إنه يقع على مجتمع مستنزف أصلًا.
وهذه نقطة لا يجوز تجاهلها.
لا تقولوا لنا: المصري يتحمل

هذه الجملة أصبحت قاسية أكثر مما هي مطمئنة:
«المصري شعب يتحمل.»
نعم، المصري تحمل.
تحمل الحروب.
وتحمل الأزمات.
وتحمل ارتفاع الأسعار.
وتحمل تراجع قيمة دخله.
وتحمل أن يرى ما كان يشتريه بمبلغ معين أصبح يحتاج إلى أضعافه.
لكن التحمل ليس بلا نهاية.
هناك فرق بين الإنسان الذي يتحمل لأنه قادر على التحمل، والإنسان الذي لم يعد أمامه خيار آخر.
الأول قوي.
أما الثاني فهو مستنزف.
والاستنزاف إذا طال لا يتحول إلى قوة.
يتحول إلى هشاشة.

انظروا إلى الأسرة المصرية
قبل أن نتحدث عن الاقتصاد، فلننظر إلى البيت.
أب يحاول أن يوفر الطعام.
أم تحاول أن تدبر احتياجات الأبناء.
ابن يبحث عن عمل.
ابنة تؤجل زواجها.
مريض يحتاج إلى علاج.
طفل يحتاج إلى مدرسة.
إيجار يرتفع.
فاتورة كهرباء.

مواصلات.
دواء.
طعام.
ثم يأتي آخر الشهر.
والدخل انتهى قبل أن تنتهي الاحتياجات.
هذه ليست معادلة اقتصادية في كتاب.
هذه حياة ملايين المصريين.
والأسوأ أن الإنسان عندما يعجز عن توفير الضروريات لا يشعر فقط بالفقر.
يشعر بالعجز.
والعجز يولد الغضب.
والغضب إذا تراكم يبحث عن مخرج.

الأطفال هم أكثر ما يخيفني
حين نصل إلى مرحلة يصبح فيها الطفل جزءًا من معادلة البقاء الاقتصادي للأسرة، فهذه ليست مجرد مشكلة فقر.
هذه علامة على أن المجتمع بدأ يدفع ثمنًا لا ينبغي أن يدفعه.

وحين نسمع عن أطفال أو شباب يفقدون حياتهم وهم يبحثون عن فرصة عمل أو لقمة عيش، يجب ألا نتعامل مع الأمر باعتباره حادثًا منفصلًا.
وراء كل حادث أسرة.
وراء كل أسرة ظروف.
وراء الظروف اقتصاد.
وراء الاقتصاد سياسة عامة.

وإذا أصبح الفقر يدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته، فعلينا أن نتوقف.
لأن القضية لم تعد كم يملك المواطن.

القضية أصبحت:
كم تبقى له من قدرة على حماية نفسه وأسرته؟

والمرض قصة أخرى
الجسد أيضًا يدفع الثمن.
التغذية السيئة.
الضغط النفسي.
تأجيل العلاج.
ارتفاع تكلفة الدواء.
عدم القدرة على تحمل الفحوصات.
الانتظار حتى تصبح الحالة أكثر صعوبة.
ثم يصبح المرض نفسه سببًا في مزيد من الفقر.

وهكذا تدخل الأسرة في دائرة مغلقة:
الفقر يسبب المرض، والمرض يزيد الفقر.

وفي هذه الدائرة لا يستطيع المواطن أن يقول:
«سأعالج نفسي عندما تتحسن الظروف.»
لأن الظروف قد لا تتحسن قبل أن يتدهور الجسد.
والطبقة الوسطى ليست بخير
هناك خطأ كبير في تصور الأزمة باعتبارها مشكلة الفقراء فقط.
الفقر واضح.
لكن الخطر الأكبر ربما يكون في اتساع دائرة الهشاشة.
موظف بدخل ثابت.
مدرس.
مهندس.
طبيب شاب.
صاحب مشروع صغير.
أسرة كانت قادرة على تعليم أبنائها.
ثم فجأة أصبحت كل زيادة في الأسعار تعني التنازل عن شيء آخر.
رحلة أُلغيت.
علاج أُجل.
تعليم أُعيد التفكير فيه.
زواج تأجل.
سيارة لم تعد ممكنة.
بيت لم يعد ممكنًا.
ثم تبدأ الأسرة في استهلاك ما تبقى من مدخراتها.

وهنا لا يعود السؤال:
«هل هذه الأسرة فقيرة؟»
بل:
«كم شهرًا يفصلها عن الفقر إذا استمر الضغط؟»
وهذا سؤال خطير.
العنف ليس ظاهرة منفصلة عن المجتمع
لا أقول إن كل جريمة سببها الفقر.
ولا يمكن تبرير القتل أو العنف أو الجريمة بأي أزمة اقتصادية.
لكن لا يمكن أيضًا أن نغلق أعيننا عن العلاقة بين الضغط الاجتماعي والنفسي وبين ارتفاع قابلية المجتمع للعنف.

عندما تتراكم الضغوط:
تضيق مساحة التسامح.
يزداد الانفعال.
تزداد المشاجرات.
تزداد الخلافات الأسرية.
يتراجع الإحساس بالأمان.
ويصبح الإنسان أكثر استعدادًا للانفجار عند أول احتكاك.
وإذا أضيف إلى ذلك انتشار أدوات العنف وسهولة الوصول إليها في بعض الحالات، يصبح الخطر أكبر.
المجتمع المرهق يحتاج إلى إدارة دقيقة جدًا للضغط.

لا إلى إضافة ضغط جديد ثم انتظار أن يتحمل.
وماذا سيحدث عندما يأتي ضغط اقتصادي جديد؟
هنا أصل إلى سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر.
أنا لا أتنبأ بحدث بعينه.

لكنني أخشى من شيء أكثر واقعية:
أن يدخل ضغط اقتصادي جديد إلى مجتمع لم يعد يملك هامشًا كبيرًا للمناورة.
وهنا قد يحدث ما هو أخطر من ارتفاع الأسعار نفسه.
قد تبدأ الأسر في التخلي عن أشياء كانت تعتبرها أساسية.
ثم عن أشياء كانت تعتبرها ضرورية.
ثم تبدأ الديون.
ثم بيع الممتلكات.
ثم الهجرة.
ثم التسرب من التعليم.
ثم عمل الأطفال.
ثم تفكك الأسرة.
ثم الغضب.
هذه ليست ضربة واحدة.
إنها سلسلة.
والمشكلة في السلاسل أن كل حلقة تجعل الحلقة التالية أسهل.

لا تحدثوني عن «المساعدة» وكأنها حل
لنكن صريحين.
المساعدة المحدودة لا تستطيع أن تعادل انفجارًا في تكلفة الحياة.
ومبلغ صغير يصل إلى الأسرة كل فترة لا يعيد لها قدرتها الاقتصادية.
والحماية الاجتماعية مهمة، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى مسكن نستخدمه كلما ارتفعت تكلفة الحياة.
المشكلة ليست أن المواطن يحتاج فقط إلى مبلغ إضافي.
المشكلة أن تكلفة الحياة أصبحت أكبر من قدرة قطاعات واسعة على تحملها.

ولهذا فإن السؤال ليس:
«كم سنعطيه؟»
بل:
«لماذا أصبح عاجزًا أصلًا عن أن يعيش بدخله؟»
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.
ولا تقولوا إن الحل هو أن نتكلم أكثر
حتى لو فُتح المجال السياسي غدًا.
حتى لو تكلم الناس.
حتى لو امتلأت الصحف بالنقد.
حتى لو عقدت الأحزاب عشرات المؤتمرات.
هذا لن يعيد للناس ما فقدوه.
الكلام مهم.
والتعبير مهم.
لكننا تجاوزنا مرحلة يمكن فيها للكلام وحده أن يحل المشكلة.
القطار تحرك.

والمطلوب الآن ليس فقط أن نسمح للركاب بالشكوى.
المطلوب أن نضبط القطار قبل أن يفقد مساره.
المساحة السياسية قد تخفف الاحتقان.
لكنها لا تعالج أصل الأزمة الاقتصادية.
والتصريحات لا تعالج المرض.
والحوار لا يشتري الطعام.
والبيان لا يدفع الإيجار.
كل واحد يبحث عن خلاص نفسه
وهذه ربما تكون أخطر ظاهرة في المرحلة الحالية.
كل شخص يحاول أن يجد طريقًا للنجاة.

من يستطيع السفر، يسافر.
من يستطيع أن يرسل أبناءه للخارج، يفعل.
من يستطيع أن يشتري علاجًا خاصًا، يشتريه.
من يستطيع أن يدخر بالدولار، يدخر.
من يستطيع أن يشتري عقارًا، يشتري.
من يستطيع أن يحمي نفسه اقتصاديًا، يفعل.
وهذا مفهوم تمامًا من الناحية الإنسانية.

لكن المشكلة أن:
الدولة لا يمكن أن تكون مجموعة من مخارج النجاة الفردية.
لأن الأزمة عندما تكبر تصبح أكبر من قدرة الأفراد على الهروب منها.
وإذا أصبح كل فرد يبحث عن خلاص نفسه، فمن سيبقى ليحمي المجتمع؟
أخطر ما يمكن أن يحدث هو فقدان الأمل
الفقر مؤلم.
لكن فقدان الأمل أخطر.
الإنسان الفقير يمكن أن يعمل.
ويمكن أن يحاول.
ويمكن أن يصبر.

لكن عندما يشعر أن مهما فعل لن يتحسن شيء، يبدأ شيء آخر في الحدوث.
يبدأ في فقدان الإحساس بالمستقبل.
والشاب الذي لا يرى مستقبلًا يبحث عن الهجرة.
والأب الذي لا يستطيع حماية أبنائه يشعر بالعجز.
والأم التي لا تستطيع علاج طفلها تعيش في خوف دائم.
وهنا يتحول الاقتصاد من أزمة دخل إلى أزمة معنى.
الدولة لا تستطيع أن توقف القطار بالخطاب
هذه ليست دعوة إلى الفوضى.
وليست دعوة إلى إسقاط النظام.

وليست دعوة إلى تجاهل الواقع الاقتصادي أو رفض القرارات الصعبة.
بل العكس.
إنها دعوة إلى الاعتراف بأننا أمام مرحلة لا تحتمل الأخطاء.
أي قرار اقتصادي كبير يجب أن يحسب ثمنه الاجتماعي قبل إعلانه.

ليس فقط:
كم سيوفر؟
بل:
كم أسرة سيتأثر دخلها؟
كم طفلًا سيتأثر؟
كم مريضًا قد يؤجل علاجه؟
كم أسرة قد تدخل دائرة الديون؟
كم شابًا قد يقرر الهجرة؟
وكم من الغضب الاجتماعي يمكن أن ينتج عنه؟
هذه ليست أسئلة عاطفية.
هذه أسئلة استقرار دولة.
لا نملك رفاهية أن نخدع أنفسنا
يمكن أن نخفي بعض الأرقام.
يمكن أن نغير طريقة عرض المؤشرات.
يمكن أن نقول إن الوضع تحت السيطرة.

لكن هناك رقمًا لا تستطيع أي جهة إخفاءه:
قدرة المواطن على شراء احتياجاته.
وهناك مؤشر لا تستطيع أي بيانات رسمية أن تلغيه:
مزاج الأسرة المصرية.

وهناك حقيقة لا تحتاج إلى تقرير:
الإنسان الذي لم يعد يستطيع أن يدفع تكلفة حياته لن تقنعه الجداول بأن حياته أصبحت أفضل.
القطار تحرك بالفعل
لهذا أعود إلى الصورة التي بدأت بها.
القطار تحرك.
وليس من الواقعي أن نقول إننا نستطيع إعادته إلى المحطة التي بدأ منها.
لكن ما زال هناك فرق هائل بين قطار يسير بسرعة يمكن التحكم فيها، وقطار يفقد السيطرة.
نحن لا نحتاج إلى معجزة.
ولا نحتاج إلى شعارات.
ولا نحتاج إلى تخدير الناس بمزيد من الوعود.
نحتاج إلى أن ننظر إلى المجتمع كما هو.
ونحسب تكلفة كل قرار على الإنسان قبل أن نحسبها على الورق.

الرسالة الأخيرة
هذا المقال ليس ضد الدولة.
وليس ضد الإصلاح.
وليس مع الفوضى.
إنه ضد إنكار الواقع.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لمصر الآن هو أن يعتقد أصحاب القرار أن المجتمع ما زال قادرًا على تحمل أي شيء.
لا.
المجتمع استُنزف.
الأسر طُحنت.
الطبقة الوسطى تتآكل.
الأطفال يدفعون أثمانًا لا يجب أن يدفعوها.
والمرض أصبح بالنسبة إلى كثيرين معركة اقتصادية قبل أن يكون معركة صحية.
والغضب الاجتماعي لم يعد مجرد كلام.
وفي الوقت نفسه، لا توجد مساحة سياسية تستطيع وحدها أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
القطار تحرك.

وكل ما نستطيع فعله الآن هو أن نمنع السرعة من التحول إلى فقدان للسيطرة.
لذلك، قبل أن ندخل سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، لا تسألوا فقط:
ماذا ستفعل الحكومة؟
اسألوا السؤال الأصعب:
ماذا تبقى في قدرة المواطن على أن يتحمل؟
لأن المواطن قد يتحمل ارتفاع الأسعار.
وقد يتحمل نقص بعض الاحتياجات.
وقد يتحمل تأجيل أحلامه.

لكن هناك لحظة لا يعود فيها الأمر متعلقًا بالتحمل.
هناك لحظة يصبح فيها الإنسان غير قادر على الاستمرار.

وعند هذه اللحظة، لا يعود السؤال:
كيف نُهدّئ الغضب؟
بل:
كيف ننقذ المجتمع قبل أن يصبح إنقاذه أصعب من كل ما نحاول توفيره؟
والحقيقة لا تصبح أقل خطورة لأننا أغلقنا أعيننا عنها.
والقطار لا يتوقف لأن الركاب قرروا ألا ينظروا من النافذة.