بقلم: أيمن فايز
ليست الكارثة أن يتسلّق غير المستحقّين سلالم المناصب، بل أن يُشيَّد هذا السلّم ذاته من مادة الخداع، ويُزيَّن بلغة الاستحقاق المزيّف، حتى يظنّ الصاعدون أنهم بلغوا بحق، لا بحيلة. 

هنا لا نتحدث عن انحراف فردي عابر، بل عن منظومةٍ كاملةٍ تعيد إنتاج نفسها بذات الآلية: من وصل بالتملّق، لا يرى في التملّق عيبًا؛ بل يعتبره طريقًا مشروعًا، بل وأحيانًا فضيلة خفية لا يتقنها إلا “الأذكياء”.

وهكذا، تتسلل العدوى من رأس الهرم إلى قاعدته. يصبح معيار “الثقة” ستارًا هشًّا يُخفى وراءه الخوف، ويُقصى به كل صاحب كفاءةٍ حرّة، لأن الكفاءة خطر، بينما الولاء الأعمى أمان زائف. 

فتُفرغ المؤسسات من روحها، وتتحول إلى هياكل صامتة، تُدار لا بالعقل، بل بحسابات النفوذ، ولا تُقاس بالإنجاز، بل بدرجة القرب من مركز القرار.

في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال: من يستحق؟
بل يصبح: من يُرضي؟

وهنا تكمن المأساة الحقيقية. لأننا حين نُقصي الاستحقاق الحقيقي، لا نخسر أشخاصًا فقط، بل نخسر فكرة العدالة ذاتها. وعندما تسقط فكرة العدالة، يتهاوى معها كل شيء: الإبداع، الانتماء، وحتى الإيمان بقيمة العمل.

إن أخطر ما في هذه الدائرة ليس فسادها، بل قدرتها على الإقناع. فهي لا تُقدّم نفسها كفساد، بل كـ”حكمة إدارية”، وكـ”توازنات ضرورية”، وكأن الكفاءة ترف، والنزاهة مغامرة، والاستقامة سذاجة. وهنا يصبح الفشل مؤسسيًا، لا فرديًا؛ ممتدًا، لا عارضًا؛ متوارثًا، لا طارئًا.

فهل من مخرج؟
المخرج لا يبدأ من تبديل الأشخاص، بل من كسر الفكرة. من إعادة تعريف المنصب لا كغنيمة، بل كخدمة؛ لا كامتياز، بل كمسؤولية. يبدأ حين يُعاد الاعتبار للكفاءة كقيمة غير قابلة للمساومة، وحين يُحمى صاحب الرأي لا لأنه مُطيع، بل لأنه صادق.

المخرج يبدأ حين ندرك أن “الثقة” الحقيقية لا تُمنح لمن يُجيد الانحناء، بل لمن يملك الشجاعة أن يقف مستقيمًا.

لكن، لنعترف بمرارة:
لن يحدث هذا ما لم يُدفَع ثمنه.
وثمنه ليس قليلًا.

إن كسر هذه الدائرة يتطلب شجاعة مؤلمة، لأنك لا تواجه أشخاصًا، بل شبكة مصالح، ولا تُصلح خللًا، بل تهدم نظامًا كاملاً من المجاملات المميتة. لكنه الهدم الوحيد الذي يفتح باب البناء.

أما إن بقينا على حالنا، فسنظل ندور في ذات الحلقة المغلقة:
وجوه تتبدّل، وآلية واحدة لا تتغيّر.
وحينها… لن يكون غريبًا أن “مطرب الحي لا يطرب”،
لأن الحيّ ذاته فقد أذنه.