ماذا كتب المسيحيّون بالعربيّة؟ مكتبةٌ كاملة لا رفٌّ من كتب العقيدة

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عرفنا في الحلقة السابقة أن المسيحيّين بدأوا منذ القرون الأولى للعصر الإسلاميّ لا يترجمون إلى العربيّة فقط، بل يؤلّفون بها أيضًا. وهنا يأتي السؤال الطبيعيّ: ماذا كتبوا؟ قد يتخيّل البعض أننا نتحدّث عن عدد محدود من الكتب التي ألّفها مسيحيّون للدفاع عن الثالوث والتجسّد أمام المسلمين. لكن ما وصل إلينا يكشف شيئًا أوسع بكثير: نحن لا نقف أمام رفّ صغير من الكتب الدينيّة، بل أمام "مكتبة كاملة".

ولهذا يميّز الباحثون أحيانًا بين معنى ضيّق ومعنى واسع لـ«الأدب العربيّ المسيحيّ». فالأب سمير خليل اليسوعيّ يعرّفه، في أوسع معانيه، بأنه مجموع كتابات المسيحيّين الذين كانت العربيّة لغة تعبيرهم، وإن كان الباحث يستطيع بعد ذلك أن يضيّق مجال دراسته إلى الأدب الدينيّ وحده.[١] وهذا التمييز مهمّ؛ لأن الطبيب المسيحيّ الذي ألّف كتابًا في الطبّ بالعربيّة لم يتوقّف عن أن يكون جزءًا من تاريخ الثقافة المسيحيّة العربيّة لمجرّد أنه لم يكتب في الثالوث، كما أن الفيلسوف أو المؤرّخ أو اللغويّ المسيحيّ لا يخرج من هذا التاريخ لأن موضوع كتابه ليس عقائديًّا.

كان الكتاب المقدّس في قلب هذه المكتبة. لم توجد "ترجمة عربيّة واحدة" للكتاب المقدّس نسخها الجميع، بل ظهرت عبر القرون تقاليد متعدّدة من الترجمات والمراجعات، بعضها عن اليونانيّة وبعضها عن السريانيّة أو القبطيّة أو العبريّة. ولم يتوقّف العمل عند ترجمة النصّ، بل كتب المسيحيّون أيضًا التفاسير والشروح والحواشي، بحيث تكوّنت بالتدريج "ثقافة كتابيّة مسيحيّة كاملة بالعربيّة". وضخامة هذا الجانب وحده تظهر من أن جورج جراف خصّص المجلّد الأوّل من موسوعته الكبرى للترجمات، وما زال عمله في تصنيف الترجمات العربيّة المسيحيّة للكتاب المقدّس مرجعًا أساسيًّا في هذا الحقل.[٢]

وكتب المسيحيّون بالطبع في "اللاهوت": في وحدانيّة الله والثالوث، والتجسّد، وطبيعة المسيح، والحرّيّة، والخلق، والقيامة، والأسرار، وصفات الله. وظهر إلى جانب ذلك أدب دفاعيّ وجدليّ واسع في الحوار مع المسلمين واليهود، وفي المناقشات بين الكنائس المسيحيّة نفسها. ومن هنا نجد أسماء مثل ثاودورس أبي قرّة، وأبي رائطة التكريتيّ، وعمّار البصريّ، ويحيى بن عدي. لكن أهميّة هؤلاء ليست في أنهم نقلوا إلى العربيّة عبارات يونانيّة وسريانيّة جاهزة فقط؛ فقد بدأوا يستعملون لغة الفكر المحيط بهم، ومفردات مثل الجوهر والصفة والعقل والبرهان والتوحيد، حتى أصبح من الممكن الحديث عن نشوء "علم كلام مسيحيّ باللغة العربيّة". وهذا سيكون موضوع الحلقة القادمة.

لكن المسيحيّين لم يكونوا طوال اليوم في مناظرة مع المسلمين! دخلت العربيّة أيضًا إلى حياة الكنيسة الداخليّة: تُرجمت كتب الصلاة والليتورجيا، وكُتبت المواعظ والرسائل الرعويّة، ونُقلت سير القدّيسين والشهداء وأخبار الرهبان، وأُلّفت نصوص في الصلاة والنسك والفضائل والحياة الروحيّة. أي إن العربيّة لم تصبح فقط لغةً يُشرح بها الإيمان للآخر، بل أيضًا لغةً "يعيش بها المسيحيّ إيمانه ويشرح بها نفسه لنفسه". وتلفت دراسة عادل سيداروس الفرنسيّة عن الأدب المسيحيّ الوسيط المكتوب بالعربيّة النظر تحديدًا إلى ضرورة دراسة «أشكال» هذا الأدب و«أجناسه»، وعدم اختزاله في لون واحد من الكتابة الجدليّة.[٣]

ونجد إلى جانب ذلك كتبًا في "القانون الكنسيّ"، تنظّم الزواج والميراث والأوقاف والرتب الكنسيّة وشؤون الإكليروس والعلاقات داخل الجماعة. وفي مصر سيبلغ هذا النوع من التأليف درجة عالية من النضج، خصوصًا في العصر القبطيّ العربيّ الوسيط. كما كتب المسيحيّون التاريخ: أخبار الكنائس والبطاركة والمجامع والملوك والحروب، ووضعوا التواريخ العامّة والجداول الزمنيّة، وجمع بعضهم بين التاريخ واللاهوت والفلك والحساب في مؤلَّف واحد.

ومن أجمل الأمثلة المصريّة على ذلك أبو شاكر ابن الراهب في القرن الثالث عشر. كان مؤلّفًا مثّل ثقافةً موسوعيّة تجمع مجالات متعدّدة. ولذلك اختار الباحث المصريّ القبطيّ عادل سيداروس لكتابه الألمانيّ عنه عنوانًا دالًّا: Ibn ar-Rāhibs Leben und Werk: Ein koptisch-arabischer Enzyklopädist des 7./13. Jahrhunderts، أي: «حياة ابن الراهب وأعماله: موسوعيّ قبطيّ عربيّ من القرن السابع الهجريّ/الثالث عشر الميلاديّ».[٤] والكتاب، الصادر في ألمانيا عام ١٩٧٥، يذكّرنا بأننا في تلك المرحلة أمام عالم قبطيّ يستطيع أن يجعل العربيّة لغةً "لمشروع موسوعيّ كامل".

وسيصف سيداروس نفسه الفترة الممتدّة تقريبًا من العقود الأولى للقرن الثالث عشر إلى النصف الأوّل من القرن الرابع عشر بأنها «العصر الذهبيّ للأدب القبطيّ العربيّ»، بل يرى أنها مثّلت في الوقت نفسه ذروةً بارزة في الأدب العربيّ المسيحيّ الوسيط بصفة عامة.[٥] ففيها نجد أولاد العسّال وأبا شاكر ابن الراهب، ثم يمتدّ هذا الازدهار إلى مؤلفين آخرين، وتتجاور الموسوعات واللاهوت والتفسير والقانون والتاريخ واللغة.

ويوجد باب آخر كثيرًا ما ننساه: "الفلسفة والطبّ والعلوم والترجمة". فقد كان للمسيحيّين دورٌ أساسيّ في حركة نقل العلوم إلى العربيّة في العصر العباسيّ، وارتبطت أسماء مثل حنين بن إسحاق وإسحاق بن حنين وقسطا بن لوقا بالطبّ والفلسفة والترجمة، بينما يمثّل يحيى بن عدي مثالًا واضحًا على المسيحيّ الذي لم يعد مترجمًا للفلسفة فقط، بل صار فيلسوفًا يكتب بالعربيّة داخل البيئة الفكريّة البغداديّة. وليس معنى ذلك أن «الحضارة الإسلاميّة صنعها المسيحيّون»؛ فهذا استبدال لمبالغة طائفيّة بأخرى. الأدقّ أن نقول إن الحضارة العربيّة الإسلاميّة كانت فضاءً شاركت في بنائه جماعات دينيّة مختلفة، وكان للمسيحيّين فيه إسهام علميّ وفكريّ مهمّ. ويكفي أن ننظر إلى ترتيب موسوعة كامبردج عن العلم والثقافة في العصر العباسيّ لنجد الأدب العربيّ المسيحيّ والأدب اليهوديّ العربيّ وحركة ترجمة العلوم اليونانيّة أجزاءً من المشهد الثقافيّ نفسه.[١]

وحتى "اللغة نفسها" أصبحت موضوعًا للتأليف. ففي مصر، حين أخذت معرفة القبطيّة تضعف بوصفها لغةً يوميّة، ألّف الأقباط بالعربيّة قواعد لتعليمها ومعاجم قبطيّة–عربيّة عُرفت بـ«السلالم». وهنا تظهر واحدة من مفارقات التاريخ التي سنعود إليها لاحقًا: العربيّة التي حلّت تدريجيًّا محلّ القبطيّة في الحياة اليوميّة أصبحت هي نفسها إحدى الأدوات التي استخدمها الأقباط لحفظ القبطيّة وشرحها للأجيال القادمة.

ويوجد أخيرًا الشعر والأدب. فالمسيحيّ لم يستخدم العربيّة فقط حين اضطر إلى شرح عقيدته أو إدارة كنيسته، بل كتب بها الشعر والمدائح والمراثي والتأمّلات. وقد جمع الأب لويس شيخو في أبحاثه ونشره عددًا كبيرًا من آثار الأدباء والعلماء المسيحيّين، من «شعراء النصرانيّة بعد الإسلام» إلى «علماء النصرانيّة في الإسلام»، كاشفًا عن مشاركة مسيحيّة واسعة في الأدب والعلم والثقافة المكتوبة بالعربيّة.[٦]

إذًا، عندما نقول «التراث العربيّ المسيحيّ»، لا ينبغي أن نتخيّل بضعة كتب كُتبت للدفاع عن الثالوث ووحدانيّة الله أمام المسلمين. نحن أمام إنجيلٍ وتفسير، ولاهوتٍ وفلسفة، وصلاةٍ وشعر، وتاريخٍ وقانون، وطبٍّ وعلوم، ومعاجم وموسوعات. بعضها مسيحيّ في موضوعه مباشرةً، وبعضها أسهم به المسيحيّون في الثقافة العربيّة المشتركة.

المشكلة لم تكن أن المسيحيّين لم يكتبوا بالعربيّة؛ المشكلة أن كثيرًا من المسيحيّين الناطقين بالعربيّة اليوم لا يعرفون ماذا كتب أجدادهم بها.

لكن كيف عرف الباحثون أصلًا أن هذه المكتبة موجودة، إذا كانت آلاف صفحاتها موزّعة في مخطوطات بين الأديرة والكنائس والمكتبات؟ ومن الذي جمع أسماء مؤلّفيها وأعمالهم ورسم أول خريطة واسعة لها؟

في الحلقة القادمة: مكتبةٌ منسيّة… من لويس شيخو إلى جورج جراف: كيف بدأ اكتشاف التراث العربيّ المسيحيّ من جديد؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ