بقلم: سند ساحلية
في الشرق الأوسط، كثيرًا ما يُقاس التغيير السياسي بالحروب التي تعيد تشكيل المنطقة. وفي فلسطين، لطالما جرى الصراع على الأرض والحدود بالقوة أكثر مما جرى عبر الحوار، فيما أصبح السلام لازمة مألوفة في البيانات والاتصالات الدبلوماسية. في هذا السياق، برز بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، صوتًا لا يكتفي بالدعوة إلى السلام، بل يسعى إلى إعادة التفكير في معناه.
 
منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، رفض بيتسابالا الانخراط في لغة السرديات المتنافسة والحسابات العسكرية. ومن خلال مواقفه ومداخلاته، تتبلور لديه رؤية متماسكة للسلام، تقوم على كرامة الإنسان، والعدالة، والقيادة الأخلاقية، والمصالحة، والرجاء.
 
ما يميز هذه الرؤية هو نقطة انطلاقها. فهي لا تبدأ بالحدود أو السيادة أو الترتيبات الأمنية، بل تبدأ بالإنسان.
 
وبينما تنشغل الحكومات بالاستراتيجيات العسكرية وأدوات الضغط الدبلوماسي، يعود بيتسابالا إلى سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يبقى من إنسانيتنا بعد كل هذا الدمار؟
 
ومن هنا يمكن فهم رفضه تقسيم الضحايا إلى "ضحايانا" و"ضحاياهم". فالسلام يصبح مستحيلًا عندما تتوقف قيمة حياة الإنسان على جنسيته أو انتمائه الإثني أو دينه أو انتمائه السياسي. كرامة الإنسان ليست مكافأة تأتي بعد السلام، بل شرط لا غنى عنه لتحقيقه.
 
ومن هنا تنبثق قناعة أساسية أخرى: وقف إطلاق النار، مهما كان ضروريًا، لا يصنع السلام بحد ذاته. وكما قال بيتسابالا لـ "فاتيكان نيوز": "نهاية الحرب ليست بداية السلام، وليست نهاية الصراع". فوقف العنف ليس سوى الخطوة الأولى في طريق طويل لإعادة بناء الثقة، واستعادة العدالة، وإصلاح العلاقات، ومعالجة الظروف التي تسمح للعنف بأن يتكرر جيلًا بعد جيل.
 
ولهذه الفكرة جذور فكرية أقدم بكثير. ففي كتاب مدينة الله، وصف القديس أوغسطين السلام بأنه "طمأنينة النظام"، أو tranquillitas ordinis، رابطًا السلام بسلامة العلاقات الإنسانية وانتظامها، لا بمجرد غياب الحرب. ويبرز هنا تقاطع لافت مع رؤية بيتسابالا، إذ يتجاوز كلا التصورين إدارة الصراع إلى السعي لاستعادة العلاقات. فوقف إطلاق النار يمكن أن يُسكت الأسلحة، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح ما أفسدته الحرب في حياة الناس وعلاقاتهم.
 
ومن شروط السلام ينتقل بيتسابالا إلى مسألة القيادة. فقد دعا إلى قيادات سياسية ودينية جديدة في الأرض المقدسة. ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير الأشخاص أو الانتقال من جيل إلى آخر، بل بالحاجة إلى نموذج مختلف من القيادة، قادر على تجاوز المواجهة الدائمة نحو المسؤولية والحوار والاحترام المتبادل والنظر إلى المستقبل.
 
وقال بيتسابالا لـ فاتيكان نيوز: "أعتقد أننا بحاجة إلى قيادة سياسية جديدة، ولكن أيضًا إلى قيادة دينية جديدة... نحن بحاجة إلى وجوه جديدة، وشخصيات جديدة يمكنها أن تساعد في إعادة بناء سردية مختلفة، تقوم على الاحترام المتبادل".
 
وتحمل هذه الرؤية أيضًا نقدًا واضحًا لمنطق القوة السائد. فالتفوق العسكري يستطيع تغيير الوقائع على الأرض، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني الثقة. والأمن الذي يعتمد على القوة وحدها يظل هشًا ما دامت المظالم التي تغذي العنف بلا معالجة. لذلك، لا تبدو العدالة في رؤية بيتسابالا مجرد قيمة أخلاقية، بل شرطًا من شروط الاستقرار السياسي نفسه.
 
ويحتل الدين موقعًا مهمًا في هذا التصور. بيتسابالا يدرك كيف يمكن التلاعب باللغة الدينية لتبرير العنف، لكنه لا يرى في ذلك سببًا لإبعاد الدين عن الحياة العامة. على العكس، يدعو إلى قيادة دينية تشكل الضمير بدلًا من تعبئة الكراهية، وتفتح المجال للقاء بدلًا من تعميق الانقسام. وفي حديثه عن المظاهرات المناهضة للحرب، أشاد بالأشخاص الذين اجتمعوا حول "كرامة الإنسان ورفض العنف، وهما خطان أحمران لا يجوز تجاوزهما، حتى باسم الدفاع."
وهنا يتجاوز دور الكنيسة مجرد الشهادة على الصراع. فهي مدعوة أيضًا إلى الإسهام في تشكيل الوعي الأخلاقي الذي يُفهم السلام من خلاله، وإلى الحفاظ على قنوات الحوار بين المجتمعات التي مزقتها الانقسامات.
 
وفي قلب هذه الرؤية يأتي الرجاء. فالرجاء، بالنسبة إلى بيتسابالا، ليس تفاؤلًا ساذجًا ولا هروبًا من واقع المعاناة. إنه موقف أخلاقي يرفض التسليم بأن العنف قدر محتوم. ويتجسد في الحوار والتعليم والمصالحة والدفاع عن كرامة الإنسان. وإذا كان السلام يقوم على استعادة العلاقات، فإن الرجاء يعني أيضًا رفض اعتبار العلاقات المكسورة أمرًا لا يمكن إصلاحه.
 
قد تبدو هذه الرؤية مثالية في منطقة تحكمها المنافسة الجيوسياسية والحسابات العسكرية والسرديات الوطنية المتعارضة. لكن أهميتها تكمن تحديدًا في طرح سؤال قد تغفله البرامج السياسية التقليدية: هل يمكن بناء سلام مستدام إذا بقيت كرامة الإنسان في مرتبة ثانوية؟
 
قد تكون الاتفاقات السياسية ضرورية، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان السلام إذا فشلت في استعادة الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها العلاقات السلمية. ومن هذا المنظور، تضيف الرؤية الأوغسطينية عمقًا إلى طرح بيتسابالا: فالسلام ليس مجرد تعليق للصراع، بل استعادة لنظام تستطيع فيه العلاقات الإنسانية أن تبدأ بالتعافي.
 
ومن هنا، يقدم بيتسابالا ما هو أبعد من مقترح دبلوماسي: إنه يطرح إطارًا أخلاقيًا للتفكير في السلام نفسه. وترتيب الأولويات فيه واضح، وإن كان صعبًا: كرامة الإنسان قبل الأمن، والعدالة قبل الاستقرار، والقيادة المسؤولة قبل التغيير السياسي، والمصالحة جزءًا من الطريق إلى السلام. 
 
ويبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه الرؤية على التأثير في الواقع السياسي. فهي لن تنهي حربًا أو تنتج تسوية تفاوضية بين ليلة وضحاها. لكن إسهامها يكمن في مكان آخر: في طرح السؤال الذي لا بد لكل مبادرة سياسية في الأرض المقدسة أن تواجهه في نهاية المطاف:
 
أي سلام نريد فعلًا؟
هل نريد سلامًا يكتفي بتعليق العنف إلى حين المواجهة التالية، أم سلامًا يعيد كرامة الإنسان، ويبني الثقة، ويهيئ الظروف لتعايش حقيقي؟
بوضع هذا السؤال في قلب النقاش، لا يقدم الكاردينال بيتسابالا صيغة سياسية أخرى بقدر ما يقدم إطارًا أخلاقيًا يمكن من خلاله إعادة التفكير في معنى السلام نفسه.