حين صار التوحيد والثالوث يُناقشان بالعربيّة: كيف وُلد "علم الكلام المسيحيّ"؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الحلقات السابقة وقفنا أمام المكتبة العربيّة المسيحيّة من الخارج: عرفنا متى بدأت، وماذا تحتوي، وكيف أعاد الباحثون اكتشاف مخطوطاتها ودراستها. من هذه الحلقة سنبدأ فتح الكتب نفسها. وأول ما يلفت النظر أن المسيحيّين، حين انتقلوا إلى الكتابة بالعربيّة، لم يكتفوا بترجمة الكلمات القديمة إلى لغة جديدة. شيئًا فشيئًا بدأوا "يفكّرون في إيمانهم داخل عالم فكريّ جديد".
كانت المسيحيّة قبل الإسلام قد قضت قرونًا تناقش الثالوث والتجسّد باليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة وغيرها. لديها مجامعها ومصطلحاتها وكتابات آبائها. لكن المسيحيّ الذي عاش في فلسطين أو العراق في القرنين الثامن والتاسع وجد نفسه أمام أسئلة تُطرح بطريقة مختلفة: كيف تقولون إن الله واحد ثم تتحدّثون عن ثلاثة أقانيم؟ هل «كلمة الله» شيء غير الله أم صفة له؟ ماذا تقصدون بالأب والابن؟ وإذا كان الله منزّهًا عن الجسم والتغيّر، فكيف تقولون بالتجسّد؟
هذه الأسئلة لم تكن كلها جديدة في مضمونها، لكن "اللغة الفكريّة التي أصبحت تُطرح بها كانت جديدة". ففي البيئة الإسلاميّة الناشئة كان "علم الكلام" يتكوّن بوصفه أسلوبًا في المناقشة العقليّة للدين: التوحيد، وصفات الله، والكلام الإلهيّ، والحرّيّة والجبر، والخلق، والوحي، وغيرها. ولم يكن المسيحيّون يعيشون خارج هذه المناقشات. بدأوا يستخدمون هم أيضًا البرهان والقياس والاعتراض والجواب، ومصطلحات مثل الجوهر والصفة والكلمة والروح والعقل، إلى جانب مصطلحاتهم الموروثة مثل «الأقنوم». ولهذا يتحدّث الباحثون اليوم عن **«علم كلام مسيحيّ» بالعربيّة[١].
ولا ينبغي أن نفهم الأمر ببساطة على أن المسلمين اخترعوا علم الكلام ثم جاء المسيحيّون فنسخوه. تاريخ تكوّن الكلام في القرنين الثاني والثالث الهجريّين أكثر تعقيدًا من ذلك، وكان المسلمون والمسيحيّون واليهود يعيشون داخل فضاء لغويّ وفلسفيّ واحد ويتجادلون في مسائل متقاربة. الأدقّ أن نقول إن المسيحيّين دخلوا الثقافة الكلاميّة العربيّة وهي نفسها في طور التكوّن، واستفادوا من طرائقها وأسئلتها ومفرداتها، وأسهموا بدورهم في هذا العالم الجدليّ المشترك. وتبيّن سارة ليلى الحسيني في دراستها المقارنة أن أبا قرّة وأبا رائطة وعمّار البصري استعملوا لغةً وأساليب في الحجاج تشترك بوضوح مع التفكير الكلامي الإسلامي، لكنهم استخدموها في صياغة إيمان مسيحيّ أقدم منهم بقرون[٢].
ولدينا شاهد مبكّر ومدهش على هذه العملية. ففي مخطوط "سيناء العربي ١٥٤" حُفظ نص مجهول المؤلّف يرجع على الأرجح إلى القرن الثامن، عُرف منذ أن نشرته مارغريت دنلوب غِبسن سنة ١٨٩٩ باسم «في تثليث الله الواحد» (On the Triune Nature of God). والعنوان نفسه اصطلاحيّ أطلقته الناشرة، لأن المخطوط لا يعطينا عنوانًا أصليًّا واضحًا بهذه الصيغة[٣].
أهميّة هذا النص ليست أنه قدّم «نظرية جديدة» في الثالوث، بل أنه يكشف المسيحيّة وهي تتعلّم الكلام بالعربيّة داخل عالم القرآن. فالكاتب يعرف لغة محيطه، ويستعمل تعبيرات قريبة من الخطاب القرآنيّ، ويتحدّث عن "الله وكلمته وروحه"، أي إنه لا يكتفي بكتابة لفظ «الثالوث» بحروف عربيّة، بل يبحث عن طريقة تجعل عقيدته مفهومة داخل القاموس الذي أصبح القارئ العربيّ يعرفه. وقد بيّنت الدراسات الحديثة أن هذا الاستخدام للعبارة «الله وكلمته وروحه» يتفاعل بصورة لافتة مع لغة القرآن نفسه، ولا سيّما وصف المسيح بأنه كلمة الله وروح منه، مع إعطاء هذه المفردات قراءةً مسيحيّة مختلفة[٤].
وهذا أمر ينبغي فهمه بدقّة: الكاتب المسيحيّ لا يقول إن القرآن «يعلّم الثالوث»، كما أنه لا يتخلّى عن عقيدته ليجعلها إسلاميّة. إنه يفعل شيئًا أكثر إثارة للاهتمام: يستخدم لغة يفهمها المخاطَب لكي يشرح بها ما يؤمن به هو. وهنا تبدأ العربيّة تتحوّل من لغة ترجمة إلى لغة لاهوت.
وفي الجيل التالي نجد ثلاثة أسماء تكشف مدى سرعة نضج هذه التجربة: ثاودورس أبو قرّة، وأبو رائطة التكريتيّ، وعمّار البصريّ**. والأجمل أنهم لا ينتمون إلى كنيسة واحدة. أبو قرّة ملكيّ خلقيدونيّ، وأبو رائطة سريانيّ أرثوذكسيّ غير خلقيدونيّ، وعمّار ينتمي إلى كنيسة المشرق. كانوا مختلفين فيما بينهم في مسائل مسيحيّة حادّة، لكنهم يشتركون في أمر جديد: إنهم جميعًا يفكّرون في اللاهوت بالعربيّة ويخاطبون عالمًا صار الإسلام أحد عناصره الأساسية.
كان ثاودورس أبو قرّة، أسقف حرّان في أواخر القرن الثامن وبدايات التاسع، من أوائل كبار اللاهوتيّين الذين تركوا لنا مجموعة مهمّة من المؤلّفات المسيحيّة بالعربيّة. نجده يناقش وجود الله، والدين الحقّ، والحرّيّة، والأيقونات، والثالوث. ويجمع في كتاباته بين الكتاب المقدّس والاستدلال العقليّ. ففي مناقشته للثالوث لا يكتفي بأن يقول: «هذا ما تقوله كتبنا»، بل يحاول أن يبيّن كيف يمكن للعقل أن يتحدّث عن وحدة الطبيعة مع التمييز داخلها، مستخدمًا المقارنات والتحليل المنطقيّ ومفردات يعرفها عالم الجدل في عصره[٥].
ثم يأتي أبو رائطة التكريتيّ في النصف الأوّل من القرن التاسع، فنجد الأسلوب الكلاميّ أوضح وأكثر انتظامًا. وله رسالة مهمّة في التوحيد والتثليث، نشر نصوصه العربيّة جورج جراف، ثم خصّص الأب سليم دكّاش دراسة عربيّة كاملة لرسالته الأولى في الثالوث[٦]. يبدأ أبو رائطة من الأرض التي يشترك فيها مع مخاطبه: "الله واحد". لكنه لا يتوقف عند ترديد كلمة «واحد»، بل يسأل: ماذا نعني بالوحدة حين نتحدث عن الله؟ وهل كلّ وحدة من النوع نفسه؟ وكيف نتحدث عن كلمة الله وروحه من غير أن نجعلهما إلهين آخرين؟
لهذا نجد عنده بناءً عقليًّا متدرجًا: سؤال، واعتراض، وتقسيم، وبرهان، ثم جواب. الإيمان الذي كان يمكن أن يُشرح في بيئة أخرى باستشهاد طويل من الآباء والمجامع صار هنا يحتاج كذلك إلى أن يدخل "مجلس المناظرة". وقد وصف دكّاش هذا التحوّل بدقة: أبو رائطة لا يقف خارج ثقافة مخاطبه، بل يدخلها ويستعمل مقولاتها لكي يعبّر من داخلها عن إيمانه المسيحيّ.[٧]
أما عمّار البصريّ، المنتمي إلى كنيسة المشرق في القرن التاسع، فقد أخذ هذه الحركة خطوة أبعد. وصلنا منه كتابان كبيران: «كتاب البرهان» و«كتاب المسائل والأجوبة»، نشر نصهما العربيّ الأب ميشال الحايك سنة ١٩٧٧. وفيهما نجد معالجة منظّمة للدين الحقّ، والكتاب المقدّس، والثالوث، وألوهيّة المسيح، والتجسّد، والصلب، والقيامة، والحياة الأخرى.[٨] ولهذا يرى مارك بومونت أن عمّار يقدّم لنا أول محاولة باقية بهذا الاتساع إلى بناء "لاهوت مسيحيّ نظاميّ كامل بالعربيّة" في حوار مباشر مع الاعتراضات الإسلاميّة[٩].
وفي شرحه للثالوث، مثلًا، لا يريد عمّار أن يحوّل الواحد إلى ثلاثة أعداد. إنه ينطلق من السؤال عمّا يمكن أن نقوله عن الله الحيّ العاقل، ويتحدّث عن "كلمته وحياته"، محاولًا أن يشرح كيف يكون التمييز داخل الله من دون أن يعني تعدّد الآلهة. هنا يصبح سؤال «الصفات» الذي كان يشغل المتكلّمين المسلمين نقطة لقاء مثيرة: المسيحيّ والمسلم لا يعطيان الجواب نفسه، لكنهما يستطيعان أن يتناقشا لأنهما أصبحا يتكلّمان "لغةً فكريّة مشتركة"[١٠].
وهذا هو التحوّل الحقيقي الذي ينبغي أن نتنبّه إليه. لم يكن الأمر أن نصًّا يونانيًّا يقول ousia فبحث المترجم عن كلمة «جوهر»، أو يقول hypostasis فوضع «أقنوم» ثم عاد إلى بيته. فالترجمة اللغويّة كانت الجزء الأسهل. ما حدث أعمق: "تغيّرت طريقة ترتيب السؤال نفسه".
حين كان اللاهوتيّ المسيحيّ يكتب باليونانيّة في القرن الخامس، كان خصمه في الغالب مسيحيًّا آخر يسأله عن طبيعة المسيح واتحاد اللاهوت بالناسوت ومقرّرات المجامع. أما اللاهوتيّ العربيّ في القرن التاسع، فقد أصبح عليه أن يبدأ أحيانًا قبل ذلك بكثير: أثبت لي أولًا أن حديثك عن الثالوث لا يهدم التوحيد. اشرح لي ما معنى «ابن الله» من غير ولادة جسديّة. بيّن لي كيف يتجسّد الله من غير أن يتغيّر. ولماذا أصدّق كتبكم أصلًا؟
العقيدة القديمة لم تختفِ، لكن السياق الجديد أجبرها على اكتشاف إمكانات جديدة في التعبير عن نفسها.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى أبي قرّة وأبي رائطة وعمّار باعتبارهم مجرد «مدافعين» قضوا حياتهم يردّون على المسلمين. لقد صنعوا شيئًا أبقى من المناظرة نفسها: شاركوا في خلق لغة لاهوتيّة مسيحيّة عربيّة استطاعت أن تقول «جوهر» و«أقنوم» و«كلمة» و«روح» و«برهان» و«صفة»، وأن تناقش التوحيد بالعربيّة من غير أن تتخلى عن الثالوث.
لقد وصلنا في الحلقة الرابعة إلى القول إن التراث العربيّ المسيحيّ وُلد حقًّا عندما استطاع المسيحيّون أن يجعلوا الحروف العربيّة تفكّر مسيحيًّا. وهنا نرى للمرة الأولى كيف حدث ذلك عمليًّا.
لكن اللقاء بالإسلام لم يغيّر "لغة" اللاهوت المسيحيّ فقط؛ لقد دفع المسيحيّين أيضًا إلى طرح أسئلة لم تكن تحتل المساحة نفسها من كتبهم القديمة: كيف نعرف الدين الحقّ؟ ما النبوّة؟ كيف نثبت صحة الكتاب المقدّس؟ وما دور العقل والمعجزة في معرفة الوحي؟
في الحلقة القادمة: المسلم والمسيحيّ أمام الأسئلة نفسها… كيف غيّر اللقاء بالإسلام طريقةَ اللاهوت المسيحيّ في الكلام عن الوحي والنبوّة والدين الحقّ؟





